أعلام

الخنساء الشاعرة المخضرمة .. أشهر من رثى قريباً له

ضربت أروع مثال للأخت الوفية التي ظلت متأثرة بفقد أخيها، وبكته حتى عميت

لا شكَ أنَ شِعر الرثاء يمَس شِغاف القلب، ويأسر الوجدان، ويدخل الفؤاد بلا استئذان، وذلك لأنه لمحة وفاء ودمعة صادقة، صادرة عن نفس حزينة مكلومة، وفي الغالب لا يكون هناك شائبة تكسّب أو رياء، ومن أشهر شعراء المراثي في تاريخ بلادنا.. كانت الشاعرة المخضرمة الخنساء تماضر بنت عمرو السلمية – رضي الله عنها- التي اُشتهِرت برثاء أخويها صخر ومعاوية.

لمحات من مراحل حياة الخنساء :-

الخنساء في شبابها:-

  • ذات حسب وجاه وشرف، عاقلة حازمة، اعتبرت من شهيرات النِّساء، ومثل هذه يخشاها المغتزِّلون، فلا يجرؤ أحدهم على التهجُّم عليها أو التحدُّث معها وإلَّا فإنَّه سيلقى ما لا يرضيه.
  • كانت ذات جمال أخَّاذ وتقاسيم متناسقة، لذا شبهوها بالبقرة الوحشية، حيث أنَّها بلغت مبلغاً من الأسر ما لم تبلغه فتاة أخرى، وأنها ذات جاذبية طاغية، أطلقت الألسُن فواجهتها بحقيقتها وصارحتها بفتنها.

الخنساء زوجة:-

  • روايات تتحدث عن زواجها ثلاثة مرات، وهم الرَّواحي، وعبد العزى، ومرداساً، وقد لختلف الرواة في ترتيب أزواجها.
  • رفضت الخنساء الزَّواج من غير بني العم، حيث رفضت سيد آل بدر ثم ترفض سيد بني جشم.

يروى للخنساء قولها لدريد بن الصمة لما عرَضَ عليها الزَّواج وأراد أخوها معاوية أن يزوَّجها إياه، فأبت الزَّواج وكان أخوها صخر غائباً في غزاة له:

يُبـــادِرُنــي حُمَيْــدَةُ كُـــــلَّ يـــوْمٍ .. فمَــــا يُـولـي معـاوِيَةَ بنَ عَمْـرِو

لَئِـنْ لَـم أُوْتَ مِـن نَفســي نَصيبـــاً .. لقـد أوْدَى الزَّمـانُ إذاً بصَخْرِ

أَتُكْـــرِهُـنــي، هُبِلْـتَ، على دُرَيْـدٍ؟ .. وقـد أُحْـرِمْـتُ سَـيِّدَ آلِ بَـدْرِ

مَـعَـاذَ اللَّـهِ يَنْكَـحُنــي حَـبَرْكَـى .. قَصِـيــرُ الشِّـبرِ من جُشـَمَ بنِ بَـكْرِ

يَـرَى مَـجْـــدَاً وَمَـكْـــــرُمَــــةً أتَـاهـَــا .. إذا عَشّـى الصَّـديقَ جِـريـمَ تَـمْـرِ

ولـو أصْـبَحْــتُ فـي جُـشــــمٍ هَـدِيَّــاً .. إذا أصْـبَحتُ في دَنَـسٍ وفَـقْرِ

الخنساء أُختاً:-

  • كان صخر في حياته ملجأ للخنساء، يزيل عنها شكايتها ويمسح عليها الآمها بعد مقتل معاوية، وحينما قُتِل الأول فقد فقدت الخنساء السند والحامي، ولذا وجدت به أعظم وجد وولهت أشد الوله، وأقامت على قبره زماناً تبكيه وتندبه وترثيه.

وقالت تبكي أخاهاً صخراً:

ألا أبكي على صَـخْــرٍ وصَـخْــرٌ ثِـمَالُـنَـا .. إذا الحَـرْبُ هَـرَّتْ واستَمَـرَّ مريرُهـا

أقَــامَ جَـنَـاحَـيْ رَبْعِـهـا وتَـرَافَــدوا .. علـى صَعْبِـها حتى اسْتَقَـامَ عَسِـيرُهَـا

ببـارِقَـةٍ للمَـوْتِ فيهـا وَتَـرَافَدوا.. مَـنَـاكِـبُهَـا مَسْـمُومَـةٌ ونُحُـورُهـا

أهَـلَّ بِهَـا وَكْـفُ الدِّمــاءِ ورَعْـدُهـا.. هَـماهِـمُ أبطـالٍ قليـلٌ فُتورُهــا

فصَخْــــرٌ لـدَيْهَــا مِــدْرَهُ كــلَّهـــا .. وصَـخْــرٌ إذا خَـانَ الرِّجَـالُ يُطيرُهـا

وأنشدت ترثي أخاها معاوية:

يـا عَيـنِ جودي بالدُّمــوعِ.. المُـسْـتَهِـلَّات السَّـواجِـمْ

فَـيْضَـــاً كَمـــا انخَـــرَقَ الجُمَـــانُ .. وَجَـــالَ في سِـلْكِ النَّـواظِمْ

وأبْـكِـــــي مُــعــــاوِيَـــةَ الفَـتـــــى .. وابنَ الخَـضـارِمَـةِ القُمـاقِـمْ

والحَـــــازِمَ البــــانـــي العُـــلَـــى .. فــي الشَّــاهِقَـاتِ منَ الدَّعــائِـمْ

تَـلْقَــــى الجَـــــزيـلَ عَـطــــــاؤهُ .. عنـــدَ الحَـقَـائِقِ غيـرَ نـادِمْ

أسْـقَـــــى الإلَـــــهُ ضَـــريحَـــــــهُ … مِـــن صَـوْبِ دائِــمَةِ الرَّهــائِـمْ

الخنساء الأم:-

  • يرجَّح أن عدد أبنائها يتراوح بين 4 و 5 من زوجها مرداس بن عامر السلمي، وقد أُختلف في عدد توزيع الأبناء ما بين الذكور والإناث، حيث فقدت أبناءها الشبان في معركة القادسية.

الخنساء والنابغة الذبياني وحسان بن ثابت:-

كان النابغة الذبياني تضرب له قبة من أدم -جلد- بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء من مكان ينشدونه شعرهم، فمن أعجب بشعره أمره أن يذيعه، ومن لم يعجبه شعره أمره بكتمه، فأنشده الأعشى أبو بُصير ثم حسان بن ثابت، ثم الشعراء، فلما أتته الخنساء، وأنشدته شعرها قال لها :”لولا أن الأعشى أبا بُصير أنشدني لقلت أنك أشعر الإنس والجن”، فقال حسان معترضًا على كلام النابغة: إنه أشعر منه ومن أبيه وجده، فقال له النابغة :”إنك لا تحسن أن تقول:

فإنك كالليل الذي هو مدركي ..

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

ثم طلب من الخنساء أن تنشده شعرها، فلما سمعه قال: إنه لم يسمع امرأة أشعر منها قط.

إصابة صخر في إحدى الغزوات:-

كان صخر بن عمرو السلمي من شرفاء بني سُليم فخرج في غزاة، فأصيب فيها بجرح عميق بعد مقاتلة شديدة، فمرض مرضًا شديدًا، ولما عاده قومه، وسألوا زوجه سلمى عنه كانت تقول :”لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينسى”، وإذا سألوا أمه كانت تقول :”أصبح صالحًا بنعمة الله”.

فلما تحسن قليلًا ربط سلمى بعمود حتى ماتت، ويقال إنه طلب منها أن تعطيه السيف ليرى مدى قوته، وكان ينوي قتلها، فلما أعطته السيف ضرب عنقها، وفي ذلك يقول:

أرى أم سلمى لم تمل عيادتي ..

وملت سلمى مضجعي ومكاني

ولكن حالته انتكست بعد ذلك ومات، فحزنت عليه الخنساء حزنًا شديدًا، ورثته بشعرها، وبكت عليه حتى عميت.

الخنساء وأم المؤمنين عائشة :-

في أحد الأيام؛ رأت أم المؤمنين السيدة عائشة – رضي الله عنها- الخنساء ترتدي صدار من شعر -وهو ثوب تلبسه المرأة إذا فقدت شخصًا حميمًا-، فقالت لها إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما مات لم ترتدِ عليه صدارًا، فقالت الخنساء إن له سبب، وذلك أن زوجها أضاع كل ماله، فلم يجدا غير صخر يذهبا إليه، فقسم ماله نصفين، وأعطى خيرهما للخنساء، ثم أضاع زوجها ماله المرة الثانية، فأتته الخنساء، فقسم ماله نصفين وأعطاها خيرهما، فلامته زوجته على ذلك، لأنه لم يكتفِ بقسمة ماله نصفين، بل أعطاها خيره، فقال لها:

والله لا أمنحها شرارها..

ولو هلكت مزقت خمارها..

وجعلت من شعر صدارها

شعور الخنساء بألم فراق الأخ والابن
شعور الخنساء بألم فراق الأخ والابن

لماذا كل هذا الحزن على صخر؟

إن الذي يقرأ رثاء الخنساء لأخيها صخر يشعر أنها تشعر بحزن عميق وأسى شديد، فهي تطلب من عينها أن تجود بالبكاء على صخر وتستحثها للبكاء عليه حيث تقول:

أَعَينَــــــيَّ جـــــــودا وَلا تَجـمُــــــدا … أَلا تَبكِيــانِ لِصَخرِ النَدى

أَلا تَبكِيـــــانِ الجَــــريءَ الجَميــــلَ … أَلا تَبكِيانِ الفَتى السَيِّدا

طَــويلَ النِجــادِ رَفيعَ العِمــــادِ … ســـــادَ عَشيرَتَهُ أَمرَدا

قد يكون هذا الحزن سببه أن صخرًا ليس أخًا عاديًا، فقد كان معينًا لها على نوائب الدهر ومواسيًا لها، ويعمل على راحتها وحل مشكلاتها، فيكفي أنه وقف بجوارها عندما أراد أخوها معاوية تزويجها برجل لم تكن تريده، ويكفي أنه ساندها هي وزوجها وأعطاهما نصف ماله مرتين، ويكفي أنه واسها بعد مقتل أخيهما معاوية، ولذلك لما قُتل صخر، لم تستطع الخنساء أن تتمالك نفسها، وبكته بحرقة، وظلت تبكيه في الجاهلية لأنها فقدته، ثم لما أسلمت أصبحت تبكي عليه إشفاقًا من النار.

تذَكَّـرْتُ صَـخْـراً إذْ تَغَـنَّتْ حمـامَـةٌ.. هَتـوفٌ على غُـصْنٍ من الأيـكِ تَسـجَـعُ

فَـظَلْـتُ لهـا أبكـي بِدَمْـعِ حَـزينَـةٍ.. وقَـلْبـيَ مِـمَّــا ذَكَّـرَتْنـي مُـوَجَّـعُ

تُذَكّـرُنـي صَـخْـراً وقَـد حـالَ دونَـهُ.. صَـفيـحٌ وأحْجـارٌ وبَيـدَاءُ بَـلْقَـعُ

أَرَى الدَّهْـرَ يَـرْمي مـا تَطيـشُ سِـهَـامُـهُ.. وليـسَ لـمَنْ قـد غـالـهُ الدَّهْـرُ مَـرْجِـعُ

فـإنْ كـانَ صَـخْرُ الجُـودِ أصبَـحَ ثاويـاً.. فقـد كـانَ في الدُّنيـا يَـضُرُّ ويَنفَـعُ

سمِعت ذات مرة حمامة تسجع فقالت تذكر أخاها صخراً

قيل للخنساء: صِفي لنا أخويك صخراً ومعاوية، فقالت :” كان صخر والله جنة الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر، وكان والله معاوية القائل والفاعل”.

أمِـنْ حَـدَثِ الأيَّــامِ عِـيْنُــكِ تَهمِـــلُ .. تُبكــي على صَـخرٍ وفي الدَّهـرِ مُذهِـلِ

ألا مَـنْ لِـعيــنٍ لا تجِــفُّ دُمُـوعُـهَـــــا .. إذا قُلْـتُ أفثَـتْ تَـستَهِـلُّ فتَـحفِـلُ

قيل لها: “فأيّهما كان أسنى وأفخر، قالت: أما صخر فحرُّ الشتاء، أما معاوية فبرد الهواء”، قيل لها: فأيُّهما أوجع وأفجع، قالت: “أمَّا صخر فجمرُ الكبد، وأمَّا معاوية فسقام الجسد”.

أقْسَـمْتُ لا أنْفَـكُ أُهْـدي قَـصِيـدَةَ.. لـصَخْرٍ أخـي المِـفْضـالِ فـي كُلِّ مجـمَعِ

فَـدَتْـكَ سُـلَيمٌ: كَـهلُـهَـا وغُـلامُهـا؛.. وجُـدَّعَ منـهـا كُـلُّ أنْـفٍ ومِـسْمعِ

لقد ضربت الخنساء أروع مثال للأخت الوفية التي ظلت متأثرة بفقد أخيها، وبكته حتى عميت، بل كانت تبكي من تحدثه عن صخر، كما كانت من أفضل الشعراء ويكفيها شهادة النابغة الذبياني.

استشهاد أبناء الخنساء في معركة القادسية:-

إن الذي يرى الدموع الغزار والأشعار الكثيرة التي كتبتها الخنساء في رثاء أخويها صخر ومعاوية، يستغرب موقفها عند استشهاد أبناءها الأربعة في معركة القادسية، فهي لم تزد على قول :”الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأسأل الله أن يجمعني بهم في الجنة؛” وقد يكون السبب في ذلك هو تأثير الإسلام عليها، فهي تنتظر لقاءهم في الجنة.

جرير يتحدث عن أفضلية الخنساء : –

قيل للشاعر الشهير جرير : من أشعر النَّاس؟، قال: أنا لولا الخنساء، قيل: فبمَ فضلتكَ؟، قال: بقولها:

إنَّ الزَّمـــانَ ومــا يَـفنــى لـهُ عَجَـبٌ .. أبْقَـى لَنَـا ذَنَبـاً واستُؤصِـلَ الرَّاسُ

أبْقَـى لَـنَا كُـلَّ مَجْهـولٍ وفَـجَّعَنـا.. بالحالمِيـنَ فَـهُمْ هـامٌ وَ أرْمـاسُ

إنَّ الجَـديدَيـنِ في طُـولِ اخْتِـلافِهِـمـا.. لا يَفْسُـدانِ ولكِـنْ يفسُـدُ النَّـاسُ

وفاة الخنساء:-

اختلف المؤرخون والرواة بشأن تحديد عام وفاة الخنساء، فمنهم من ذهب للقول: إن ذلك حصل سنة 26 هجرية (646 م) أي في عهد خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، بينما قال الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد إن وفاتها كانت سنة 50 هجرية، أما لويس شيخو فحدد موعد الوفاة بسنة 61 هجرية.

المصادر:

  • الشعر والشعراء لابن قتيبة ص 344، دار المعارف.
  • الشعر والشعراء لابن قتيبة، ص 344، 345.
  • السابق ص 346.
  • ديوان الخنساء ص 10، 11، دار المعرفة، الطبعة الثانية.
  • السابق، ص 9،10.
  • ديوان الخنساء، عناية حمدو طمَّاس.
  • العقد الفريد ابن عبد ربه الأندلسي تحقيق: محمد سعيد العريان.
  • Photo by Francesco Ungaro on Unsplash
  • Photo by Fabien Bazanegue on Unsplash

Israa

إسراء منصور، مصرية الجنسية، خريجة جامعة الأزهر الشريف، كلية الدراسات الإسلامية، قسم اللغة العربية، بتقدير عام امتياز مع مرتبة الشرف وذلك في عام 2017م. كاتبة محتوى باللغة العربية، مهتمة بالموضوعات اللغوية والدينية والتاريخية، من مواليد عام 1995.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى