أعلاماختراعاتانفوجرافيكس

الخليل بن أحمد الفراهيدي .. عالم اللغة وواضع علم العَروض

دخل المسجد وهو يُعْمِلُ فكرَه، فصدمَتْه سارية، فمات على أثرها

اسم ونشأة الخليل بن أحمد الفراهيدي:-

الفراهيدي هو الخليل بن أحمد أبو عبد الرحمن الفراهيدي الأَزْديُّ، من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العَروض، وُلِدَ سنة 100ه، وعاش في البصرة، ونشأ فقيراً صابراً، مُتمزِّقَ الثياب، مُتقطِّعَ القدمين، مغموراً في الناس لا يُعرَف، وقيل: إن والده هو أول من تسمَّى بأحمد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والفَرَاهيدي هذه النسبة إلى فراهيد، وهي بطن من الأَزْدِ، والفُرْهُودي واحدها، والفُرْهُود: ولد الأسد بلغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وقيل: إن الفراهيد صغار الغنم.
وصف الفراهيدي بـ(الزاهد) لتقشفه وتواضعه، اشتهر بكونه واضع علم العَروض، حيث أن تبحره بالشعر والموسيقى هو من ساعده بإحداث هذا العلم.

مكانة الخليل بن أحمد الفراهيدي العلمية:-

يعتبر الفراهيدي من أئمة اللغة والأدب، وواضع علم العَروض، وله معرفة بالإيقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العَروض، وهو أستاذ سِيْبَوَيْه والنحوي.

قيل: إنه دعا بمكة أن يرزقه الله علماً لم يُسبَق إليه، فاستجاب دعوته، فأنشأ علم العروض، وحصر أقسامه في خمس دوائر، واستخرج منها خمسة عشر بحراً، وزاد فيها الأخفش بحراً سمَّاه الخَبَب، وهو أول من جمع حروف المعجم في بيت واحد، فقال:

صِفْ خَلْقَ خَودٍ كَمِثْلِ الشَّمْسِ إِذْ بَزَغَتْ..

يَحْظَى الضَّجِيعُ بِهَا نَجْلاءُ مِعْطَارُ

الفراهيدي .. النهِم في طلب العلم:-

ولِد الفراهيدي وشبَّ في البصرة متعلقاً بالعِلم لا بغيره، فتلقى عن أبي عمرو بن العلاء، وعيسى ابن عمر الثقفي وغيرهما، ثم طاف في بوادي الجزيرة العربية، بقصد مشافهة الأعراب في مناطق نجد وتهامة والحجاز، إلى أن ملأ جعبته.

وحينما اكتفى بما أراد الحصول عليه والنهل من معينه؛ استدار الفراهيدي عائداً إلى البصرة مسقط رأسه، ليعتكف في منزله منهمكاً في ترسيخ ما تعلَّم، هائماً بلذته الروحية، فنبغ في العربية نبوغاً لم يُسبق إليه، ليبلغ النهاية والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو.

طاف في بوادي الجزيرة العربية، بقصد مشافهة الأعراب

قال عنه الزبيدي: ” وهو الذي بسط النحو ومدَّ أطنابه وسبب علله، وفتق معانيه، وأوضح الحِجاج فيه، حتى بلغ أقصى حدوده وانتهى إلى أبعد غاياته، ثم لم يرضَ أن يؤلِف فيه حرفاً أو يرسم منه رسماً، ترفُعاً بنفسه وترفعاً بقدره، إذ كان قد تقدم إلى القول عليه والتأليف فيه، فكَرِه أن يكون لمن تقدَّم تالياً، وعلى نظر من سبقه محتذياً، واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنَّه من دقائق نظره ونتئج فكره ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلَّده وألَّف فيه الكتاب الذي أعجزَ من تقدَّم قبله، كما امتنع على من تأخر بعده”.

أخلاق الفراهيدي ووصفه بـالزاهد:-

كان الخليل بن أحمد الفراهيدي رأساً في لسان العرب، مُفْرِطَ الذكاء، حليماً، وَقوراً، دَيِّناً، وَرِعاً، قانعاً، متواضعاً، كبيرَ الشأن، مُتقشِّفاً، مُتعبِّداً، وكان يُعرَف بالزُّهد، وكان من الزُّهد في طبقةٍ لا تُدرَك، حتى قيل: إن بعض الملوك طلبه ليُؤدِّب له أولاده، فأتاه الرسول وبين يديه كسرة يابسة يأكلها، فقال له: قل لمرسلك ما دام يلقى مثل هذه لا حاجة به إليك، ولم يأت الملك.

وكان يقول: “إِنِّي لأُغْلِقُ عليَّ بابي، فما يُجاوِزُهُ همِّي”.
قال النَّضْر: “أقام الخليل في خُصٍّ -بيت من شجر- له بالبصرة، لا يَقْدِر على فَلْسَين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال”.

الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم اللغة وواضع علم العروض.
الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم اللغة وواضع علم العروض.

أقوال العلماء فيه:-

  • قيل للخليل -وقد اجتمع مع ابن المقفَّع-: كيف رأيته؟ فقال: علمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفَّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: عقله أكثر من علمه.
  • وقال ابن الأهدل: “الإجماع منعقد على أنه لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل”.
  • وقال عنه الذهبي: “كان إماماً كبير القَدْر في لسان العرب، خَيِّراً متواضعاً، فيه زهد وتعفُّف”.
  • قال أيوب بن المتوكِّل: “كان الخليل إذا أفاد إنساناً شيئاً، لم يُرِهِ بأنَّه أفادَهُ، وإِنِ استفاد من أحدٍ شيئاً، أراهُ بأنَّهُ استفاد منه”.
  • قال عالِم اللغة النضر بن شميل : “أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد، وهو في خص لا يشعر به”.
  • قال ياقوت الحموي في “معجم البلدان”: كان الخليلُ أعلمُ الناسِ وأذكاهم وأفضل الناس وأتقاهم، وكانوا يقولون: لم يكُن في العَرَبِ بعد الصحابة؛ أذكى من الخليل بن أحمد ولا أجمع، ولا كان في العجم أذكى من ابن المُقفَّع ولا أجمع، وكان الخليل أشد الناس تعفُفاً..”.

أشهر كتب الخليل بن أحمد الفراهيدي:-

  1. كتاب العين، أول معجم في اللغة، مات ولم يُتْمِمْهُ، ولا هذَّبه.
  2. معاني الحروف.
  3. جملة آلات العرب.
  4. تفسير حروف اللغة.
  5. العروض.
  6. النقط والشكل.
  7. النغم.
مدينة البصرة مطلع القرن العشرين
مدينة البصرة مطلع القرن العشرين

مظاهر إبداع الفراهيدي في “العين”:-

تناول محققا كتاب “العين” للفراهيدي؛ مظاهر إبداع الأخير في فنون اللغة (النحو والعروض وسواهما).

واستعرض كل من مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي في تقديمهما للكتاب المرجعي “العين” المآثر العلمية التي تحلَّى بها الفراهيدي الذي لم ينل نصيبه الكافي من اهتمام وعناية المؤرخين واللغويين، وفيما يلي أبرز مظاهر إبداع الخليل:

  • وضعه أول معجم للعربية، حينما لم يستطع سواه ممن تقدمه أو عاصره أن يصل لهذا الإنجاز.
  • بزَّ أقرانه من السابقين واللاحقين فضلاً عن معاصريه في مضمار استيفاء العربية بصنعة محكمة قائمة على الاستقراء الوافي.
  • استقرأ العربية استقراءً أقرب للنهج الاحصائي المعاصر، فكان “العين” أول معجم في “العربية”، ومن المُعجمات الأولى في تاريخ الإنسانية.
  • إن صنعة أول معجم في أي لغة من اللغات على نحو وترتيب جديد لا سابق لهما؛ يعتبر من أعمال الصفوة الخالدين.
  • اهتدى الفراهيدي إلى طريقة “التقليب” التي استطاع عبرها أن يعرف المستعمل من العربية والمهمل منها، فعقد “العين” على المستعمل وأهمل ما عداه.
  • تنبههِ إلى شيء في التطور التاريخي للعربية، حيث بدأ بذكر المضعف الثلاثي القائم على الثنائي الذي يصار منه إلى الثلاثي، وهو من أجل ذلك يدعوه بـ”الثنائي”.
  • كان على علم واضح بأبنية العربية وتطورها التاريخي.
  • وضع اللبنة الأولى في صرح عِلم الأصوات بالعربية، الذي أفاد منه سيبويه لاحقاً.
  • ابتدع طريقةً علميةً قائمةً على تحليل أصوات الكلمة ومشاهدتها في طريقة إخراجها من حيِّز الفم.
  • تحليله للأصوات وكتابته في مادتها وصفاتها.
  • إسهابه في شرح صفات الكلم الدخيل غير العربي من الناحية الصوتية.
الفراهيدي .. اللغوي البارع الزاهد
الفراهيدي.. اللغوي البارع الزاهد

كتاب “العين” وعلاقته بالخراساني:-

ذكرت دائرة المعارف الإسلامية أن الفراهيدي اتبع في ترتيبه كتاب العين، ما كانَ ينتهجهُ علماء النحو في اللُّغة السنسكريتية؛ إذ كانوا يشرعون بحروف الحلق ويختمون بحروف الشفة. وقد أُحيطَ هذا الكِتاب بكثير من الشكوك حول فترة إنجازه أو نسبته إلى الفراهيدي، وفيما يلي بعض الأقوال بشأنه، والتي أورَدَهَا الأستاذ أحمد أمين في كتابه “ضُحى الإسلام”:

  • قال بعضهم: إنه من عمل الليث بن المُظفَّر بن نصر بن سيَّار الخراساني.
  • نُقِلَ عن ابن المعتز قوله: “كان الخليلُ منقطِعاً إلى الليث، فلمَّا صنَّفَه، وَقَعَ عنده موقعاً عظيماً؛ فأقبل على حفظِهِ وحَفِظَ منه النِّصْف، ثمَّ اتفَقَ أنه احترقَ ولم يكُن عنده نسخةً أُخرى، والخليلُ قد مات، فأملى النِّصْف من حِفْظه، وجَمَعَ علماءَ عصرهِ فكمَّلوه على نمطِه”.
  • قال أبو الطيب اللغوي: إن الخليل رتَّبَ أبوابه وتوفِّيَ من قبلِ أن يحشيه.
  • أما ابن راهويه؛ فيقول: ” كانَ الخليلُ عمِلَ منهُ باب العين وحده، وأحبَّ الليث أن يُنفِقَ سوقَ الخليل فصنَّفَ باقيه، وسمَّى نفسهُ الخليل من حُبِّهِ له؛ فهوَ إذاً قال الخليل بن أحمد فهوَ الخليل، وإذا قال الخليل مُطلَقَاً فهو يحكي نفسهُ؛ فجميع ما فيهِ عن الخليل منه لا من الخليل.
  • أبو علي القالي صاحب “الأمالي” يقول في ذات السياق: ” لمَّا ورَدَ كتاب العين من بلاد خراسان في زمن أبي حاتم؛ أنكرهُ هُوَ وأصحابهُ أشدَّ الإنكار، لأنَّ الخليل لو كان ألَّفَهُ لحمله أصحابه عنه، وكانوا بذلك أولى من رجلٍ مجهولٍ، ثمَّ لمَّا مضت بعده مدَّةً طويلة، ظَهَرَ الكتاب في زَمَن أبي حاتم، وذلك في حدود سنة 205 هـ، فلم يلتفِت أحدٌ من العُلَماءِ إليه، والدَّليلُ على كونهِ لغير الخليل أنَّ جميعَ ما وَقَعَ فيهِ من معاني النَّحو إنَّمَا هوَ على مذهب الكوفيين، بخلافِ مذهب البصريين الذي ذكرهُ سيبويه عن الخليل، وفيه خلَطَ الرباعي والخُماسي من أولهما إلى آخرِهما”.
  • ابن جني ذَكَرَ في “الخصائص”: “أمَّا كتابُ العَيْن؛ ففيه من التخطيط والخلل والفساد ما لا يجوزُ أن يُحْمَلَ على أصغر أتباعِ الخليل”.

مواقف ومقولات:-

  • قال الخليل: “كنتُ أخرجُ من منزلي فألقى رجلاً من أربعة: رجلاً أعلم مني فهو يؤم فائدتي، ورجلاً مثلي فهو يؤم مذاكرتي، وَرَجُلاً متعلِّماً مني فهو يؤم ثوابي، ورجُلاً دوني في الحقيقة، وهو يرى أنَّه فوقي ويحاول أن يتعلَّم منِّي وكأنه يعلمني، فذاك الذي لا أكلمه ولا أنظر إليه”.
  • وقال أيضاً: “الرجال أربعة: رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالمٌ فاتبعوه، ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري فذاك غافلٌ فنبهوه، ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك جاهلٌ فعلِّموه، ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذاك مائقٌ فاحذروه”.

وفاته:-

فكَّر في ابتكار طريقة في الحساب تُسهِّلُه على العامة، فدخل المسجد وهو يُعْمِلُ فكرَه، فصدمَتْه سارية وهو غافل، فمات على أثرها في البصرة سنة 174هـ.

المصادر:

  • الأعلام (2/314).
  • سير أعلام النبلاء (7/429/رقم 161).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/321).
  • العبر في خبر من غبر (1/207).
  • وفيات الأعيان (2/244/رقم 220).
  • كتاب العين، من تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي.
  • نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، محمد الطنطاوي.
  • ضحى الإسلام، أحمد أمين.
  • معجم الأدباء، ياقوت الحموي.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى