أعلام

الخليفة العباسي المأمون.. لماذا انقسمت الآراء بشأنه؟ وكيف بدت سماته الشخصية؟

يتمتع جدلهُ بحجج قوية ناصعة مع سعة الصدر والاحتمال

الخليفة العباسي المأمون:-

يعتبرُّ الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد في طليعة الخلفاء المسلمين الذين أبدوا اهتماماً غير مسبوق بالعلم، فضلاً عن الفلسفة والمنطق والمناظرات الصريحة العلنية وغيرها، وهو ما أدى لظهور تيارات ترى سياساته من منظورين مختلفين وربما متناقضين تماماً.
وهذا الذي فعله المأمون يعتبر أول تجربة وآخرها، إذ لم يفكر أحد من بين سلفه أو خلفه في مثل نمطه المُنفتح على سائر الأفكار.
ومن الجديرِّ ذكره أن المأمون حَكَم بين عاميّ 170 و218 هجرية، وتوفي عن عمر 48 عاماً.

ازدهار مختلف صنوف العلوم في العهد العباسي

حرية التعبير في زمن الخليفة العباسي المأمون:-

وعَرَض الشيخ محمد الخضري بك بعض الأمور الجديرة بالإمعان خلال فترة حكم المأمون:

أولاً: إباحته للكلام وإظهار المقالات، وهو أمرٌ لم تتبعه أمّة من قبّل، فما ظنّك بخليفةٍ عباسي تناظرَّ في مجلسه اثنان في الإمامية، فينصرُّ أحدهما الإمامية والثاني الزيدية، وهما مذهبان يُذهبان بما في أيدي آل العباس من الإمامة، ولم يحل ذلك دون حظر آرائهما من قبل المأمون.
فقد تميز المأمون بسعة اطلاعه وقدرته على تمييز الأشخاص.

ثانياً: عابت طوائف على المأمون، موافقته على بعض الآراء التي تخالف رأي العامة في ذلك الوقت.

ثالثاً: كان يرى المأمون في العلماء المعاصرين لعهده أنهم إنما ينكرون ما يخفون من الآراء التي كانت لهم سببُ رياسة ولو كانت تافهة لا يترتب عليها أثرٌ في الدين، ويغفرون لمن خالفهم في الأمور الجسيمة التي تترتب عليها الآثار العظيمة، ما دامت لا ترتبط بشيءٍ مما يعتقدون به رياسة عند العامة.

رابعاً: كان اعتقاد المأمون بأنَ مجلسَّ المناظرة كفيلٌ بإزالة الخلافات بين العلماء، حيث آمن بأن هذه الطريقة ستسهم في فضِّ هذه العُقد، وحينها يتبين الشك أو يتثبت، والمعاند يُكره.

صفات الخليفة العباسي المأمون:-

ذكرَّ محمد الخُضري بك، سِمات الخليفة المأمون الذي شهدت فترة حكمة بلوغ العلوم ذروة مكانتها في التاريخ العربي الإسلامي. وعدد الخُضري في كتابه “الدولة العباسية”، مناقب الخليفة المأمون:

  • أولاً: ميله للعفو وكراهته للانتقام، إذ عفا عن جميع من ساعدوا خصومه ضدَّه، ولم يهجهم بشيء.
  • ثانياً: كان في جدله ميّالاً إلى الإقناع، فكان يُناقش من يُخالفه حتى يُبيّن لهُ الحُجّة، ويتمتع جدلهُ بحجج قوية ناصعة مع سعة الصدر والاحتمال.
  • ثالثاً: لم يُكن بالمُغفّل الذي ينخدع برياء الناس ونفاقهم وإظهارهم ما لا يبطنون.
  • رابعاً: كان أديباً يعرفُ الشعر جيداً ويميز بين الشعر الجيد والرديء، ويُثيب على ما يعجبه منه ثواباً فوق كُل أمل.
  • خامساً: تفوق على سابقيه من خلفاء بني العباس بالعطايا والمكافآت، لكنه أنفق ما لا يُعقل حينما بنى ببوران بنت الحسن بن سهل.
بغداد شهدت ازدهاراً غير مسبوق في عهد المأمون

الحسن بن سهل يصف المأمون:-

الحسن بن سهل، وهو الشخص الذي كان مقرَّبا للغاية من المأمون والذي زوَّج ابنته بوران للخليفة، يصف الأخير، قائلاً: “وقد أصبحَ أميرُ المؤمنين محمودَ السِّيرة، عفيف الطَّعمة، كريمَ الشِّيمة، مبارك الضريبة، محمود النَّقيبة، مُوفِّياً بما أخَذَ اللهُ عليه، مضطلعاً بما حَمَّله منه، مؤدياً إلى الله حقه، مُقرَّاً له بنعمته، شاكِراً لآلائه، لا يأمر إلَّا عدلاً، ولا ينطِقُ إلَّا فصلاً،.. لدينهِ وأمانته، كافَّاً ليده ولسانه”.

حديث ابن العبري عن المأمون:-

تحدث المؤرخ ابن العبري (المتوفى سنة 1331 م) عن شخصية ومُنجزات الخليفة المأمون الذي كان له اليد الطولى في تأسيس نشاط الترجمة الذي أطلق بدوره شرارة النهوض العلمي للأمة الإسلامية في ذلك الوقت.

واستعار ابن العبري من مقولات عدد من الشخصيات التي تناولت ابن هارون الرشيد، وذلك نظراً لتباعد المسافة الزمنية ما بينه وما بين الفترة التي حكم فيها المأمون.

ما نقله ابن العبري عن الأندلسي:-

فقد قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي: إن العرب في صدر الإسلام لم تكُن معنية بأيٍ من أنماط العلوم، سوى تلك المتعلقة بلغتها وأحكام الشريعة، هذا فضلاً عن بعض المعارف ذات الصلة بالطبِّ الذي مورس من قبل شريحة محددة من الأشخاص وذلك نظراً للحاجة الماسة لهذه المهنة، لصون النفس وحمايتها، وقد استمر الأمر على ذلك حتى في ظلِّ الدولة الأموية.

وأضاف الأندلسي ” فلمَّا أدال الله تعالى للهاشمية وصرف الملك إليهم؛ ثابت الهمم من غفلتها وهبَّت الفطن من ميتتها، وكان أول من عُني منهم بالعلوم؛ الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور، وكان مع براعته في الفقه؛ كلفاً في علم الفلسفة وخاصةً علم النجوم”.

لمَّا آلت الخِلافة إلى المأمون سنة 813 م ؛ صارَت بغداد العاصِمة العِلمية العظمى في الأرض؛ فَجَمَعَ الخليفةُ إليها كُتُباً لا تُحصَى، وقرَّبَ إليه العُلَماء، وبالغَ في الحَفَاوة بهِم، وقد كانت جامِعَات المُسلمين مفتوحة للطلبة الأوروبيين الذين نزحوا إليها من بلادِهِم لطَلَب العِلم، وكان مُلوك أوروبا وامراؤهَا يَغْدُون على بِلادِ المُسلمين ليُعالَجوا فيها.

— المستشرق الفرنسي غي ديبور.

نشاط الترجمة:-

وزاد ” ثم لمَّا أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون بن هارون الرشيد؛ تمَّمَ ما بدأ به جدُّه المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، ودخل ملوك الروم، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة، فبعثوا إليه منها ما حضرهم، فاستجاد لها مهرة التراجمة، فترجمت له على غاية ما أمكن، ثم حرَّض الناس على قراءتها ورغَّبهم في تعليمها”.

نهضة علمية وثقافية في عهد المأمون
نهضة علمية وثقافية في عهد المأمون

العناية بالعلماء:-

“وكان المأمون يخلو بالحكماء، ويأنس بمناظرتهم ويتلذذُ بمذاكرتهم، علماً منه بأن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده لأنهم صرفوا عنايتهم إلى نيل فضائل النفس الناطقة، وزهدوا فيما يرغب فيه الصين والترك ومن نزع منزعهم من التنافس في دقَّة الصنائع العملية والتباهي بأخلاق النفس الغضبية والتفاخر بالقوى الشهوانية، إذا علموا أن البهائم تشركهم فيها وتفضلهم في كثير منها”.

وزاد “أما في أحكام الصنعة، فكالنحل المُحكمة لتسديس مخازن قوتها، وأما في الجرأة والشجاعة فكالأسد وغيره من السباع التي لا يتعاطي الإنسان أقدامعا ولا يدَّعي بسالتها، وأمَّا في الشبق؛ فكالخنزير وغيره مما لا حاجة إلى إبانته، فلهذا السبب كان أهل العلم مصابيح الدُجى وسادة البشر وأوحشت الدنيا لفقدهم”… انتهى اقتباس ابن العبري من كلام الأندلسي.

فإنَّنا كُنَّا في زمَن الخُلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد، تمدُّنا، ورفاهيةً، وتربية زاهرةً زاهيةً، وسبب ذلك أن الخُلفاء العباسيين كانوا يعينون العُلماء وأربابَ الفُنون وغيرهم، على أنَّ مِنهُم من كانَ يشتغِلُ بها بنفسهِ، فانظُر إلى المأمون بن هاورن الرَّشيد، فإنَّهُ زيادةً عن إعانة ميقاتيَّة دولته؛ كان يشتغل بنفسه بعلم الفَلَك، وهو الذي حَرَّر ميل دائرة فلك البُرُوج على دائرة الاستواء، فوجدهُ بالامتحان ثلاثاً وعشرين درجة، وخمسة وثلاثين دقيقة، وغير ذلك.

رفاعة الطهطاوي

أعلام علمية كبيرة:-

ويضيف ابن العبري ” فمن المنجمين في أيام المأمون؛ حبش الحاسب المروزي الأصل البغدادي الدار..ومنهم أحمد بن كثير الفرغاني صاحب المدخل إلى علم هيئة الأفلاك.. ومنهم عبد الله بن سهل بن نوبخت، كبير القدر في علم النجوم.. ومنهم محمد بن موسى الخوارزمي، كان الناس قبل الرصد وبعده يعولون على زيجه الأول والثاني.. ومنهم يحيى بن أبي المنصور، رجل فاضل كبير القدر إذ ذاك مكين المكان..”.

ابن ماسويه
ابن ماسويه.. الطبيب المترجم الكبير

ومن الحكماء الذين قرّبهم المأمون؛ يوحنا بن البطريق الترجمان، الذي كان أميناً على ترجمة الكتب الحكمية، ومن الأطباء سهل بن سابور، وكان إذا اجتمع مع ابن ماسويه، كل من جيورجيس بن بختيشوع وعيسى بن الحكم وزكريا الطيفوري؛ قصَّر عنهم في العبارة، ولم يقصّر عنهم في العلاج”.

ومن طبيعة الأسماء العلمية الضخمة التي قرَّبها المأمون وكانت رافعته ودولته في أنشطة الترجمة وعلوم الفلك والطب والهيئة والرياضيات، فضلاً عن الفلسفة والمنطق؛ يمكن لنا إذا التقين من أن ارتقاء الدول يتطلب إرادة وحاضنة سياسية، كانت كفيلة آنذاك بوضع العالم الإسلامي في رأس هرم الأمم المتقدمة علمياً وفكرياً.

قضية خلق القرآن والمأمون:-

بفعل البيئة الفكرية والفلسفية والعلمية المتقدمة التي وجِدت في عصر المأمون والتي أسس لها والده الرشيد، والتي جاءت بفعل دخول كثير من المفكرين والفلاسفة الأعاجم إلى هذه الساحة، وهم ممن يمتلكون تصورات مختلفة عن الحياة مقارنة بالعرب؛ فقد شهد العراق نقاشات محتدمة وسعة حول قضية خلق القرآن، وهو الأمر الذي يراه البعض ساحة للجدال، أوجدها المأمون لأغراض سياسية أولاً وفكرية ثانياً باعتباره معتزلياً.

محنة سياسية:-

ويقول المفكر العراقي د. رشيد الخيون في كتابه “معتزلة البصرة وبغداد”: إن فكرة خلق القرآن، تحولت إلى محنة فرضها المأمون على فقهاء عصره، وآنذاك، لم يكُن لشيوخ المعتزلة دور سلطوي فيها في مواجهة الحنابلة وسواهم، ما عدا انتساب قاضي القضاة أحمد بن داوود إليهم، والأخير قام بتنفيذ أوامر الخليفة والمعتصم ثم الواثق في هذه المحنة، فيما كان دور شيوخ الاعتزال الآخرين مقتصراً على الاستشارة والتأييد.

الخلاف أفضى إلى ارتقاء البيئة الفكرية في عهد المأمون
الخلاف أفضى إلى ارتقاء البيئة الفكرية في عهد المأمون

ومن المعلوم بأن المعتزلة تأثروا بالفلسفات المنتشرة في العالم القديم أو المعاصر لهم من قبيل أفكار الإغريق والهند وفارس القديمة، على أن ذلك لا يقلل من إبداعهم الفكري، إذ أنهم يرقون لما هو أعلى من مجرد استنساخ أفكار وفلسفات الأمم الأخرى، إذ أن لديهم نظرياتهم الفلسفية الخاصة المهمة في تأمل الكون، وأخرى في الأجسام وتركيبها وعلاقتها بالأمراض.

جدل واسع:-

عموماً كان المأمون معتزلياً، وكان يدعو أيضاً للمناظرات الدائمة بين رؤوس المعتزلة ومخالفيهم من فقهاء ومتكلمي الأشاعرة والحنابلة، وكانت أكبر محاور الجدال آنذاك حول موضوع “خلق القرآن”، حيث يتفق المعتزلة على أن القرآن ليس كلام الله، وإنه مخلوق، شأنه شأن بقية مخلوقاته، قد يأتي على لسان نبي أو قد يظهر عبر شيء آخر، وهو ما يخالف الاعتقاد السائد لدى أغلبية الفقهاء المسلمين الذين يجزمون بأنه كلام الله.

ويقول خيون إن : محنة القول بخلق القرآن بدأت يسيرة في عهد المأمون، ثم اشتدت في عهد خلفه المعتصم الذي حاز خلفية عسكرية دعته لأخذ مخالفيه بالقوة مباشرة، وحينما أصبح المتوكل خليفة؛ فقد أصبح الإمام أحمد بن حنبل فقيه الدولة الأول، فحرَّم القول بخلق القرآن الكريم ونفي الصفات، بعد أن كانت عقيدة رسمية للخلافة.

منجزات تسجل له قبل وفاته:-

في عهد المأمون؛ بلغت الحركة العلمية والأدبية في بغداد أوجها، وذلك مع تزايد نشاط ترجمة علوم وفنون الإغريق والرومان والفرس والهند، كما كانت “بيت الحكمة” في عهده بمثابة أهم مركز علمي وأدبي في العالم برمته.

توفي المأمون خلال إحدى غزواته شمالي طرطوس، إذ لم يحتمل إصابته، متوفيا عام 218 هجرية وعُمره 48 سنة.

مقولات مأثورة عن المأمون:-

نقل المسعودي -المتوفي سنة 957 م – مجموعة من المقولات المأثورة عن الخليفة العباسي المأمون وذلك بحسب ما جاء في كتاب “مروج الذهب”.

  • يُغتفر كل شيء إلا القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرُّض للحرم.
  • أخِّر الحرب ما استطعت، فإن لم تجد بُدَّا منها؛ فاجعلها في آخر النهار.
  • أعيَتِ الحيلة في الأمر إذ أقبل أن يُدبر، وإذا أدبر أن يُقبل.
  • هذا جسيم لولا أنه عديم، وهذا مُلك لولا أنه بعد هُلك، وهذا سرور لولا أنه غرور، وهذا يوم لو كان يوثق ما بعده (حينما خلُصت له الخلافة).
  • البِشر مَنظرٌ مؤنِق، وخَلقٌ مُشرِق، وزارعٌ للقلوب، ومحلٌ مألوف، وفضل منتشر، وثناءٌ بسيط، وتُحَف للأحرار، وذرعٌ رحيب، وأول الحسنات، وذريعةٌ إلى الجاه، وأحمد للشِّيَم، وبابٌ لرضا العامة، ومفتاحٌ لمحبة القلوب.
  • سادةُ الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأنبياء، وإن الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة طعام على ميزاب البخل، لو كان طريقاً ما سلكته، و لو كان قميصاً ما لبسته.
المسعودي صاحب “مروج الذهب”

المصادر:-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى