أخبار العرب

الخطيم بن نويرة .. الشاعر والصعلوك الأموي

ذكر في شعره مجموعة من أسماء النساء في أبياته، مثل : أمامة، والحارثية، وعزة، وأم مالك

تمهيد:-

بين جدران السجون، بعدما طالت المحنة، بعد حياة حافلة بالسطو والصعلكة، سطّر أبرز أشعاره، والتي تتنازع بين كلماتها نزعة الإباء، والكثير من الاستعطاف والاستجداء، وتمني فيها أن تُسمع صرخته، أو يُفك أسره ويتنسَّم عبير حريته.

نبذة تعريفية:-

اشتهر الخطيم بن نويرة العبشمي باللصوصية والصعلكة، وكان من شعراء العصر الأموي، سكن البادية وهو من أهل الدهناء، وكانت حركته فيما بين اليمامة وهجر، لم تذكر الكتب التاريخية تاريخًا محددًا لمولده، لكنه توفى سنة 100ھ.

أدرك الخطيم الفرزدق وجريرًا لكنه لم يلقهما قطّ، كما أدرك ولاية سليمان بن عبد الملك (96-99ھ)، وقد كان حينها في السجن، فقد اعتقل مرارًا وسُجن بنجران زمنًا طويلًا جرّاء صعلكته، حتى أوشك اليأس أن يتسلل إلى نفسه.

اشتغاله بالصعلكة:

لم يكن الخطيم المحرزي هو الصعلوك الوحيد بقبيلته، فقد اشتغل العديد من أفراد قبيلة محرز بالصعلكة، وكان الكثيرون منهم إما نزلاء السجون، أو هواة التشرد، او مغتربين، ويُرجح المؤرخون شيوع ذلك في تلك القبيلة لاقتراب منازل محرز من قوافل التجارة المحملة بالكثير من الغنائم والكنوز الوافرة، وهم أهل فاقة وعوز بحاجة ماسة لتلك الأحمال الثمينة، كما كانوا على علم واسع بمسالك الطرق ومَخابئ الأودية، مما ييسر لهم التخفي عن أعين السلطة فتقوّت عندهم النزعة الراغبة للاشتغال بالصعلكة ، كما تضافرت أيضًا مع تلك العوامل عوملَ أخرى من قبيل الطموح السياسي، والنزوع القَبلي.

وبالرغم من قلة ما وردنا من أخباره؛ إلّا أنه نظم قصيدتين هما عين من عيون الشعر العربي مازلتا محفوظتان، هما أشهر ما قال من أشعار، فقد كانت فترة سجنه الطويلة ملهمةً له لينظمهما، ليرسلهما إلى الملك سليمان بن عبد الملك، ويُعدّ كتاب منتهى الطلب من أشعار العرب هو المصدر الأول لأشعار الخطيم المحرزي؛ فقد أورد أكثر من مائة وخمسين بيتًا من أشعاره، وهذا القدر يُشكل الجزء الأعظم من شعره.

قصيدته الداليّة:-

هي أشهر شعره على الإطلاق، وتقع في ستين بيتًا، تناول فيها بعضًا من الأحداث التي يحاول بائسًا أن يستجدي بها استعطاف سليمان بن عبد الملك، يقول في مطلعها:

وَقائِلَة يَومًا وَقَد جِئتُ زائِرا .. رَأَيتُ الخَطيمَ بَعدَنا قَد تَخَدَّدا

أَما إِن شَيبي لا يَقومُ بِهِ فَتىً .. إِذا حَضَرَ الشُحُّ اللَئيمَ الضَفَندَدا

فَلا تَسخري مِنّي أُمامَةُ أَن بَدا .. شحوبي وَلا أَنَّ القَميصِ تَقَدَّدا

فَإِنّي بِأَرضٍ لا يَرى المَرءُ قُربَها .. صَديقًا وَلا تَحلى بِها العَينُ مَرقَدا

إِذا نامَ أَصحابي بِها اللَيلَ كُلَّهُ .. أَبَت لا تَذوقُ النَومَ حَتّى تَرى غَدا

أَتَذكُر عَهدَ الحارِثِيَّةِ بَعدَما .. نَأَيتَ فَلا تَستَطيعُ أَن تَتَعَهَّدا

لعَمرُكَ ما أَحبَبَتُ عَزَّةَ عَن صبا .. صَبَتهُ وَلا تَسبي فُؤادي تَعَمُّدا

وَلَكِنَّني أَبصَرتُ مِنها مَلّاحَةً .. وَوَجهًا نَقِيًّا لَونُهُ غَير أَنكَدا

من المُلاحظ ذِكر الخطيم بن نويرة لمجموعة من أسماء النساء في أبياته، مثل : أمامة، والحارثية، وعزة، وأم مالك، وهذه كلها أسماء وهمية غير حقيقية، إنما هي رموز وضعها لكي يتحدث من خلالها عن صفات لازمته، حيث يتخذ من المرأة معبرًا ليمدح ذاته ويُشير من خلالها إلى صفاته مثل : وفائه وإخلاصه، وحبه الصادق، وإقدامه غير المعهود، ومحنته التي لم تترك له أحدًا من الأهل أو الأصدقاء.

ويختتم قصيدته بمدح سليمان بن عبد الملك، والاستجارة به، وطلب العفو عنه بعدما بلغ به اليأس مبلغه، مُستشهدًا بيزيد بن المهلب الذي استجار به فأجاره وآواه وحماه من الحجاج بن يوسف بعد هروبه من السجن، بعدما كان على شفا حفرة من الموت، فيقول:

لِتُؤمِنَني خَوفَ الَّذي أَنا خائِفٌ.. وَتُبلِعَني ريقي وَتُنظِرَني غَدا

فِراراً إِلَيكَ مِن وَرائي ورَهبَةً.. وَكُنتَ أَحَقَّ الناسِ أَن أَتَعَمَّدا

وَأَنتَ اِمرُؤٌ عَوَّدتَ نَفسَكَ عادَةً.. وَكُلُّ اِمرِئٍ جارٍ عَلى ما تَعَوَّدا

تَعَوَّدتَ أَلّا تُسلِم الدَهرَ خائِفاً.. أَتاكَ وَمَن أَمَّنتَهُ أَمِنَ الرَدى

أَجَرتَ يَزيدَ بنَ المُهَلَّبِ بَعدَما.. تَبَيَّنَ من بابِ المَنِيَّةِ مَورِدا

فَفَرَّجتَ عَنهُ بَعدَما ضاقَ أَمرُهُ.. عَلَيهِ وَقَد كانَ الشَريدَ المُطَرَّدا

سَنَنتَ لِأَهلِ الأَرضِ في العَدلِ سِنَةً.. فَغارَ بَلاءُ الصدقِ مِنكَ وَأَنجَدا

وَأَنتَ المُصَفّى كُلُّ أَمرِكَ طَيِّبٌ.. وَأَنتَ اِبنُ خَيرِ الناسِ إِلّا مُحَمَّدا

وَأَنتَ فتى أَهل الجَزيرةِ كُلِّها.. فِعالًا وَأَخلاقًا وَأَسمَحُهُم يَدا

قصيدته الرَّائية:-

تتجلّى في هذه القصيدة لمحات الاستعطاف التي يوجهها الخطيم بن نويرة إلى قومه، ويُلمِّح فيها عن تخلّي أبناء قبيلته عنه، لاسيما عندما طُلبت منه الفدية فلم يجد من يفتديه أو يقضي عنه منهم وتنكروا له، وهو يتحدث حول هذا الموقف بمشاعر رقراقة تتجلّى فيها إنسانيته التائهة، وحريته الضائعة، كما يُذكّرهم بأنه كان لهم نعم السند وقت النوائب، وقلّما يجدون من يَخْلُفه في ذلك ويضحى مثلما ضحّى من أجلهم، فهو منهم روحًا والتصاقًا، كما أنهم منه أصولًا وقبيلة، فظلّ بين أبياته قصيدته يندبهم بصيحات مُفعمة بآهات التوجع والحسرة، يقول في مطلعها :

أَبَت لِيَ سَعدٌ أَن أُضامَ وَمالِكٌ.. وَحيُّ الربابِ وَالقَبائِلُ من عَمرِو

وَإِن أُدعُ في القَيسِيَّةِ الشُمِّ يَأتِني.. قَرومٌ تَسامى كُلُّهُم باذِخُ القَدرِ

وَإِن تَلقَ نَدماني يُخَبِّركَ أَنَّني.. ضَعيفُ وَكاءِ الكيسِ لَم أُغذَ بِالفَقرِ

وَتَشهَدُ لي العوذُ المَطافيلُ أَنَّني.. أَبو الضَيفِ أُقري حينَ لا أَحَدٌ يَقري

فَلَولا قُرَيشٌ مِلكُها ما تَعَرَّضَت.. لِيَ الجِنُّ بَلهَ الإِنسِ قَد عَلِمَت قَدَري

وَما اِبنُ مِراسٍ حينَ جِئتُ مُطَرَّداً.. بِذي عِلَّةٍ دوني وَلا حاقِدِ الصَدرِ

عَشِيَّةَ أَعطاني سِرلاحي وَناقَتي.. وَسَيفي جَداً مِن فَضلِ ذي نائِلٍ غَمرِ

وبين أبياتها، يَتطلَّع الخطيم بن نويرة إلى ليلةٍ، بَعُدَ عليه مَنالها، وعزّ عليها فراقها، كما عز عليه فراق أرضه وضياع حريته، فأصبح جُلَّ طموحه وأقصاه هو تلك الليلة التي يتمني أن يبيتها مُعانقًا حريته، مُتَلَحِّفًا أرض وطنه وأهله، فيقول :

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً.. بِأَعلى بُلَيٍّ ذي السَلامِ وَذي السِدرِ

وَهَل أَهبِطَن رَوضَ القَطا غَيرَ خائِفٍ.. وَهَل أُصبِحَنَّ الدَهرَ وَسطَ بَني صَخرِ

وَهَل أَسمَعَن يَوماً بُكاءَ حَمامَةٍ.. تُنادي حَماماً في ذَرى تَنضُبٍ خضرِ

وَهَل أرَيَن يَومًا جِيادي أَقودُها.. بِذاتِ الشقوقِ أَو بِأَنقائِها العُفر

وَهَل تَقطَعَنَّ الخَرقَ بي عَيدَهِيَّةٌ.. نَجاةٌ مِنَ العيدي تَمرَحُ لِلزَجرِ

طَوَت لقحًا مِثلَ السَرارِ وَبَشَّرَت.. بِأَصهَبَ خَطّارٍ كَخافِيَةِ النَسرِ

المصادر:-

● الخطيم بن نويرة العبشمي أخباره وشعره، نوري حمودي القيسي، مجلة المورد العراقية.
● معجم الشعراء.
● الأعلام، الزركلي.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى