أعلام

الخطيب البغدادي.. الحافظ المؤرخ والناقد المحدث

قال عنه السمعاني: "كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة"

اسمه ونشأته:-

أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الحافظ الناقد المحدِّث المؤرِّخ، أبو بكر، المعروف بـ الخطيب البغدادي (392 – 463هـ)، وُلِدَ في غُزَيَّة الواقعة في منتصف الطريق بين الكوفة ومكة، يوم الخميس، 24 شهر جمادى الآخرة، سنة 392هـ، ونشأ في بغداد، وكان أبوه خطيباً في قرية دَرْزِيجَان وممن تلا القرآن على أبي حفْصٍ الكَتَّانِي، فحضَّ ولده أحمد على السماع والفقه، فسمع وهو ابن إحدى عشرة سنة، وذلك قبل أن يرتحل إلى البصرة سنة 402هـ.

مكة المكرمة في العام 1910 م – مكتبة الكونغرس

مكانة الخطيب البغدادي العلمية:-

برع في اللغة العربية وصنَّف فيها الكثير من الكتب، فكان فصيح اللهجة عارفاً بالأدب، يقول الشعر، ولوعاً بالمطالعة والتأليف، ثم غلب عليه الحديث والتاريخ، فكان من الحفاظ المتقنين العلماء المتبحرين، أحد الأئمة المشهورين المصنفين المكثرين، سمع ببغداد شيوخ وقته، وبالبصرة وبالدِّيْنَوَر وبالكوفة، ورحل إلى نيسابور سنة 415هـ، وقدم دمشق سنة 445هـ حاجّاً فسمع بها، ثم قدمها بعد فتنة البَسَاسِيرِي؛ لاضطراب الأحوال ببغداد، فآذاه الحنابلة بجامع المنصور سنة 451هـ، فسكنها مدة وحدث بها بعامّة كتبه ومصنفاته إلى صفر سنة 457هـ، فقصد صُوْر فأقام بها، وكان يتردد إلى القدس للزيارة ثم يعود إلى صُوْر، إلى أن خرج من صُوْر سنة 462هـ وتوجه إلى طرابلس وحلب، فأقام في كل واحدة من البلدتين أياماً قلائل، ثم عاد إلى بغداد في أعقاب سنة 462هـ، وأقام بها سنة إلى أن توفي وحينئذ روى «تاريخ بغداد»، شيوخه أكثر من أن يذكروا، منهم القاضي أبو الطيب الطبري، وأبو الحسن الْمَحَامِلِيُّ، وأبو عمر بن مهدي، وابن الصَّلْتِ الأهوازي.

تنقل الخطيب البغدادي كثيراً خلال حياته
تنقل الخطيب البغدادي كثيراً خلال حياته

له شعر؛ منه هذه الأبيات:-

لـعمــــرك مـــا شجــــاني رســمُ دارٍ .. وقفْـتُ بها ولا ذِكْرُ المغاني

ولا أثرُ الخيـــامِ أراقَ دمعــــي .. لأجــــلِ تذكُّرِي عهدَ الغواني

طلبْتُ أخاً صحيــحَ الودِّ محضـــاً .. سليـــمَ الغيبِ مأمونَ اللسانِ

فلـم أعـرفْ مِنَ الإخــــوانِ إلَّا .. نفــاقــــاً في التَّباعدِ والتَّداني

ولم أكُ في الشَّدائدِ مستكينـــاً .. أقـــولُ لها: ألا كُفِّي كفاني

أبيّ النَّفْــسِ لا أخــتــــارُ رِزْقـــاً .. يجــيءُ بغيرِ سيفي أو سِناني

ومَـنْ طلــبَ المعــــالــي وابتغاهــــا .. أدارَ لها رحى الحربِ العوانِ

أقوال العلماء فيه:-

  • قال السمعاني: “كان إمام عصره بلا مدافعة، وحافظ وقته بلا منازعة، صنف قريباً من مائة مصنف صارت عمدة لأصحاب الحديث”.
  • قال ابن مَاكُوْلاَ: “كان أحد الأعيان ممن شاهدناه: معرفةً، وحفظاً، وإثباتاً، وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفنناً في علله وأسانيده، وعلماً بصحيحه وغريبه، وفرده ومنكره … ولم يكن للبغداديين بعد الدَّارَقُطْنِّي مثله”.
  • قال الإمام الذهبي: “كتب الكثير، وتقدَّم في هذا الشأن، وبَذَّ الأقران، وجمع وصنَّف وصحَّح، وعلَّل وجَرَّح، وعَدَّل وأرَّخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق”.
الإمام الذهبي كان يزن الرجال ويمنحهم القدر الذي يستحقونه
الإمام الذهبي كان يزن الرجال ويمنحهم القدر الذي يستحقونه

كتب الخطيب البغدادي:-

  • تاريخ بغداد، ولو لم يكن له سوى التاريخ لكفاه، فإنه يدل على اطلاع عظيم.
  • شرف أصحاب الحديث.
  • اقتضاء العلم العمل.
  • الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.
  • الكفاية في معرفة علم الرواية.
  • المتفق والمفترق.
  • البخلاء.
  • السابق واللاحق، في تباعد ما بين وفاة الراويين عن شيخ واحد.
  • تلخيص المتشابه في الرسم.
  • المكمل في بيان المهمل.
  • الفقيه والمتفقه.
  • الدلائل والشواهد على صحة العمل باليمين مع الشاهد.
  • غنية المقتبس في تمييز الملتبس.
  • الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة.
  • الجهر بالبسملة.
  • الخيل.
  • الكفاية في علم الرواية.
  • الرحلة في طلب الحديث.
  • رافع الارتياب في القلوب من الأسماء والالقاب.
  • تمييز المزيد في متصل الأسانيد.
  • من وافق كنيته اسم أبيه.
  • من حدَّث فنسي.
  • رواية الآباء عن الابناء.
  • القول في علم النجوم.
  • التنبيه والتوقيف على فضائل الخريف.
  • موضح أوهام الجمع والتفريق.

الخطيب البغدادي – مقولات:-

  • فلا تأنَسْ بالعَمَلِ ما دُمْتَ مُسْتَوْحِشاً مِنَ العِلم، ولا تأنَس بالعِلْمِ ما كُنتَ مُقَصِّرَاً في العَمَل، ولكِن اجْمَع بينهما، وَإِن قلَّ نصيبُكَ مِنهما.
  • إني موصيكَ يا طالِبَ العِلْم بإخلاصِ النيَّةِ في طَلَبِهِ وإجهادَ النَّفْسِ عن العَمَلِ بموجبهِ، فإنَّ العِلْمَ شَجَرَةٌ، والْعَمَلُ ثَمَرَةٌ وَلَيْسَ يُعَدُّ عالِمَاً مَنْ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ عامِلَاً.
  • وَهلْ وَصَلَ الْحُكَماءُ إلى السَّعَادةِ العُظْمَى إِلَّا بالتَّشْميرِ في السَّعْيِ وَالرِّضَى بالميسورِ، وبَذْلِ ما فَضَلَ عَنْ الْحَاجَةِ للسَّائلِ والمَحْرُومِ؟.
  • وهل جامِعُ كُتُبِ العِلْمِ إِلَّا كَجَامِعِ الفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، وهَل المنهومُ بها إلَّا كَالْحَريصِ الْجَشِع عَلَيْهِمَا، وَهَلِ المغْرَم بِحبِّهَا إلَّا كَكانِزهما.
  • وَكَمَا لا تنفُعُ الأَمْوالُ إلَّا بإنفاقِهَا، كَذَلِكَ لا تَنْفَعُ الْعُلومُ إِلَّا لمن عَمِلَ بِهَا ورَاعَى وَاجِبَاتِهَا، فَليَنْظُر امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ، وَلْيَغْتَنِمْ وَقْتَهُ فَإنَّ الثَّوَاءَ، قَليْلٌ ، والرَّحيلُ قَريْبٌ، وَالطَّرِيْقَ مَخُوفٌ وَالاغْتِرارَ غالِبٌ، وَالْخَطَرَ عَظيم، والنَّاقِدَ بَصيرٌ، واللهُ تَعالى بِالمِرْصَاد، وَإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَعَاد.

وفاته:-

توفي في بغداد، 7 ذي الحجة، سنة 463هـ، لما مرض مرضه الأخير وقف كتبه، وفرَّق جميع ماله في وجوه البر وعلى أهل العلم والحديث.

الخطيب البغدادي أرَّخ لمدينته التي كانت مركزاً علمياً عالمياً.

المصادر:

  • الأعلام (1/172).
  • اقتضاء العلم للعمل، تحقيق الألباني.
  • سير أعلام النبلاء (18/270/رقم 137).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (1/38/رقم 17).
  • معجم الأدباء (1/384).
  • وفيات الأعيان (1/92/رقم 34).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى