اختراعاتانفوجرافيكسعلماء وفلاسفة

عبد الرحمن الخازني .. الفلكي الكبير

كان رجلًا تقيًا يرفض الأعطيات المالية من السلاطين، وينأى بنفسه عن الشهرة والصيت

تمهيد:-

أبو الفتح عبد الرحمن الخازني ، هو العالم والفلكي والطبيب الذي عاشَ في خراسان وتمكَّن من إماطة اللثام عن قدراته الهائلة في شتى مضامير الابتكارات والاختراعات.

 الخازني -الذي ينحدر من مدينة مرو الواقعة ضمن حدود تركمنستان اليوم- اعتنق الإسلام وتلقى تعليمًا متميزًا، ما فسح الطريق أمامه ليُطلق العنان لاختراعه لأدوات علمية مختلفة – بما في ذلك الديوبترا ، وهي أداة مسح كلاسيكية ؛ والثلاثي ، وهي أداة للعثور على ارتفاع الأجسام السماوية ؛ إلى جان تناوله الاختلافات في الأسطرلاب الرباعي والمعقد ، وغير ذلك الكثير.

كان رجلًا تقيًا يرفض الأعطيات المالية من السلاطين، وينأى بنفسه عن الشهرة والصيت، عاكفاً على العلم لا سواه، وهو الأمر الذي ساعده في بناء مجد علميٍّ تظهر آثاره إلى يومنا هذا.

أعمال متخصصة:-

كان عمله في التوازن الهيدروستاتيكي – عندما يتم موازنة السوائل في حالة الراحة بين الجاذبية وقوة التدرج بالضغط – أمرًا حاسمًا لتفسير سبب امتناع الجاذبية، على سبيل المثال، (الغلاف الجوي للأرض من الانهيار أو نشره في الفضاء).

قال بقوة جاذبة على جميع جزئيات الأجسام، وأنَّ هذه القوَّة هي : التي تبيِّن صِفة الأجسام، وهذه –كما لا يخفى- نظرية هامة ومُفيدة في التحليل الكيميائي، وهي مفتاح لعديد من خفايا الطبيعة، كما أوضح أن الأجسام تتجة في سقوطها إلى الأرض، وقال: إن ذلك ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام في اتجاه مركز الأرض.

تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، قدري طوقان.

توَّج اهتمام عبد الرحمن الخازني بالتفاصيل سمعته بين علماء الفلك، ربما يتضح ذلك بشكل أفضل من خلال عمله المكثف على الأوزان، والذي حدده على أنه القوة المتأصلة في الأجسام الصلبة التي تجعلها تتحرك، من تلقاء أنفسها، في خطٍّ مستقيم نحو مركز الأرض ونحو هذا المركز فقط.

باختصار ، كان عالماً فلكياً عالي المهارة انتقل من الإطار النظري إلى الأدوات العملية والمبتكرة والمفيدة لقياس ما يمكن حسابه، ودفع خلفاءه إلى تحسين اختراعاته العديدة.

عبد الرحمن الخازني

الأوقات والحياة:-

في حين لا يُعرف سوى القليل عن حياته المبكرة، إلا أنه ربما كان ابنًا لعبدٍ تم استعادته من فتوحات مختلفة وبيعه كعمالة رخيصة في أحد أسواق خُراسان الكثيرة.

تفترض عدة مصادر أنه ولِدَ حوالي عام 1077م، وذلك في منزل علي بن محمد المروزي، أمين الصندوق في المحكمة في مرو.

 وحينما أصبح الخازني شاباً لكنه ما زال عبداً؛ أُعجب سيده بفكره بما يبرر استعداده بأن يسمح له بالدراسة، ليتلقَّى بهذه الموافقة على الأقل تعليمًا ممتازًا في علم الفلك والرياضيات والفيزياء، وقد ظهرت علامات نبوغه وتفوقه على أقرانه من الشُّبان، ما عوضه جزئياً عن حياة الشقاء والاستعباد.

كانت مرو آنذاك مركزًا للتعلم الأدبي والعلمي حيث جذبت الكثير من المثقفين والعلماء إلى مكتباتها الغنية بالمؤلفات والمصنَّفات، بمن فيهم الخازني، ومن ثم ارتاد الشابُ صاحب العقلية الكبيرة؛ مجالس كبار العلماء ليصبح تلميذًا لعمر الخيام وغيره من أصحاب العلوم المتخصصة، فضلاً عن أولئك الذين تميزهم العقلية الموسوعية.

 على الرغم من أنه استمتع بالحياة على أكمل وجه، غير أن الخازني ، الذي يعكس اسمه المدينة التي نشأ فيها ؛ انغمس في الرياضيات والفلسفة وظل فردًا متواضعًا طوال حياته.

الترفع عن الأعطيات:-

يبدو أنه رفض السُّلَف والمكارم المالية الكبيرة مقابل أعماله، راضيًا بما كسِبه من مالٍ يسير، والذي اعتبره كافٍ لتغطية مصاريفه اليومية، في وقت تعهد بكفالة قِطَّةٍ ظلت مرافقة له منذ طفولتها المبكرة.

كشفت مصادر مختلفة أنه نادراً ما كان يقبل المِنحَ من حكام بلاده ، وبحسب البيهقي؛ فقد رفَضَ ذات مرة ألف دينار من السلطان الساماني سنجار.

 وأفاد المصدر المذكور أنه لم يأخذ سوى 10 دنانير مقابل خدماته، وطلب أن يُخصَّص له أسبوعياً 3 دنانير فقط لأن ذلك كافٍ ليسد حاجته.

عندما أرسلت له زوجة الحاكم السلجوقي هدية بقيمة 1000 دينار أخرى؛ أعادها لها كما هي، معتذرا وطالباً المغفرة.

في مرو؛ دَرَسَ الخازني وعمِل مع العديد من كبار الفلكيين مثل الإسفرازي (مخترع بارز لأدوات مختلفة قال عنه الخازني: ربما ألهمني أكثر من أي معلم آخر) ، ومحمد أبو بشر المروزي ، وأبو العباس المروزي ، وكذلك الحكيم الحسين السمرقندي ، وكانوا جميعًا من أكبر علماء الفلك في ذلك الوقت.

مساهمات الخازني في علم الفلك:-

أظهر الزيج السنجاري، -المُخصَّص لسنجار بن مالكشاه و الذي كان آنذاك سلطاناً سلجوقياً حكم مقاطعة خراسان- أن الخازني كان يشغل وظيفة رسمية على الرغم من أن معظم الرجال المتعلمين في ذلك الوقت كانوا مدينين بالمثل إلى المحُسنين.

 ما ميز هذه الجداول عن الأعمال المماثلة هو اهتمامها بالتفاصيل، والتي كانت السبب الرئيس في أن المجلد الذي ظهرت فيه كان بمثابة كتاب مدرسي للعلماء البيزنطيين مثل غريغوري شيوناديس، وهو أسقف أرثوذكسي عاش في تبريز في أواخر عام 1290م، فيما كان ثيودور ميليتينيوتس، من بين آخرين ، ممن نقلوا النصوص إلى زملائهم العلماء.

في الواقع؛ اكتسبت هذه الدراسة مكانًا خاصًا في علم الفلك لأنها تحتوي على التسلسل الزمني والتقاويم بالإضافة إلى جداول مختلفة لحساب “العُطَل والصوم ، والمواد المتعلقة بنظرية الدورات الهندية، والتطورات المهمة في نظرية الرؤية الكوكبية ، وتفصيل مجموعة من جداول الكسوف”.

دليل فلكي يتضمن جداول، كتبه الخازني في مرو سنة ١١٢٠م تقريباً، وأهداه إلى السلطان السلجوقي سنجر بن ملكشاه.

قيمة مضافة:-

على الرغم من أن عبد الرحمن الخازني أتقن فهم الأطر النظرية التي استفادتها من سابقيه؛ إلا أنه كان
مهتمًا أيضًا بالإضافات العملية التي من شأنها تحسين ظروف المعيشة، وتسهيل حياة المؤمنين.

في عمله على الآلات الفلكية، على سبيل المثال ، شَرَحَ الخازني استخدامات الحاكم الثلاثي أو المتوازي،
الديوبتر لقياس الأقطار الواضحة، الربع (يسمى أيضًا الرغوة أو السداسي) ، الأسطرلاب، وأجهزة أخرى
مختلفة للمساعدة بالعين المجردة ، وكان من المفترض أن يكون لها تطبيقا عمليا.

أظهر المجال الذاتي للدوران اهتمامًا شديدًا بربط علم الفلك والميكانيكا التطبيقية، حيث وصَفَ الكرة السماوية التي تعمل مع الأوزان.

تم تعليق الآلة، على شكل كُرة صلبة ومعلمة بالنجوم والدوائر السماوية القياسية، في منتصف الطريق داخل صندوق.

تمثلت عبقرية الخازني في تدوير الكرة مرة واحدة في اليوم مدفوعًا بوزن يسقط من خزَّانِ رملٍ متسرِّب ،
وكلها تجد أقواسًا مهمة في علم الفلك الكروي.

اكتشافات الخازني:-

وقد أشار العالم كريستيانوس تورشيلوس مورسيانوس (1458-1560 م) إلى أن الهواء مادة بالكتلة ، وأثبت
أن لديه كتلة وتصرُّف مثل السوائل، وقد سبقه الخازني الذي كان قد تحقق من كيفية حساب الوزن
التجريدي للكتل المكون من مادتين مختلفتين.

 وجد عبد الرحمن الخازني أيضاً أن أوزان الكتل المغمورة كانت أقل من أوزانها الحقيقية، وأوضح أيضًا أن
مبدأ أرخميدس ينطبق على الغازات بالإضافة إلى السوائل.

هذه الاكتشافات كانت ذات أهمية علمية بالغة، حيث مكنت العلماء اللاحقين من استخدام هذه المبادئ
لاختراع المقياس، الفراغات الهوائية ، والمضخات ، وكلها اتبعت القواعد الموضحة في عمل الخازني.

كان كتابه “ميزان الحكمة” مجلدًا مختلفًا تمامًا واعتبر ضائعًا حتى عثرَ عليه نيكولاي فلاديميروفيتش
خانيكوف وهو القنصل العام للإمبراطورية الروسية في إيران بين عامي 1845 و 1859 م، والمخطوطة النادرة متواجدة في تبريز.

في عام 1859 م؛ نشر خانيكوف مقالًا عن الكتاب في مجلة الجمعية الشرقية الأمريكية، يصف أهمية محتوياته في الميكانيكا والفيزياء.

أسبقية الخازني:-

وخلاصة القول، كانت الدراسة عملاً موسوعيًا في العصور الوسطى في علم الإحصاءات، أدرج فيها أعمالًا علمية سابقة لابن الهيثم وآخرين.

 تضمنت الأطروحة تقييمات مفصَّلة للمبادئ الفيزيائية التي يقوم عليها التوازن الساكن والهيدروستاتيكي بالإضافة إلى بناء واستخدام الأدوات لهذه العلوم.

على الرغم من أن الغرض من هذه الاكتشافات كان تعزيز خزينة السلطان من خلال تقديم آلية دقيقة
للتمييز بين المعادن النقية والمغشوشة وكذلك بين الأحجار الكريمة والمزيفة الحقيقية، غي رأن عمل
الخازني فتح آفاقا جديدة للميكانيكا التطبيقية التي تناولت وجهات النظر حول المشاكل الميكانيكية التي
أثارها أرسطو لأول مرة ، إلى جانب إقليدس وأرخميدس.

في حين ركز “ميزان الحكمة” على الميكانيكا والفيزياء؛ فقد كان الخازني مهتمًا أيضًا باكتشاف طريقة
تحديد اتجاه القبلة من أي مكان يرغب المؤمن في الصلاة فيه.

 وبطبيعة الحال ، في حين أن آخرين بحثوا في هذه المنطقة في وقت سابق، بما في ذلك ابن الهيثم
والبيروني ، غير أن الخازني تجاوزهم جميعًا لأنه اعتمد على الأجهزة الميكانيكية التي لم تتعرَّض لتقلبات
العناصر، مما أتاح له قراءة دقيقة للاتجاه الذي طُلِب من المؤمن إليه أن يصلي.

تراث العرب والمسلمين:-

ويعود الفضل في ذلك إلى أن عقيدة الإسلام المبكر تحمَّلت العلوم وشجعتها ، وذلك على الرغم من
تسجيل انخفاض كبير في المنجزات العلمية “لأسباب متعددة من بينها الاعتراضات الفقهية على بعض
العلوم، الاجتياح المغولي وانهيار الخلافة العباسية التي رعت العلم طويلاً، الحروب الصليبية التي أرهقت
العالم الإسلامي، سيطرة المماليك والأتراك على العالم الإسلامي، حيث لم يكن العلم لديهم أولوية أولى”.

بعد القرن الثاني عشر الميلادي؛ تطورت المجتمعات الإسلامية علمية بوتيرة أبطأ، وفي الوقت ذاته؛ احتل
كتاب الخازني الضخم حول “ميزان الحكمة”، مكانًا مميزًا.

 نادرا ما يقراً الكتاب في الأوساط العامَّة على الرغم من أنه كان معروفا على نطاق واسع في المجتمع
العلمي، لا سيما تحقيقات الخازني فيما يسمى بالتوازن “الروماني” ، أو ستيليارد ، جنبًا إلى جنب مع
ملاحظاته المنتقدة للغاية حول الثقل النوعي والوزن الخاص للسبائك ، المساهمات الأصلية.

كان تقييمه لمشكلة الكثافة الأكبر للمياه عندما اقترب من مركز الأرض قبل قرن ونصف من عمل روجر
بيكون (1220-1292 م) الذي أثبت نفس الفرضية.

روجر بيكون

 على الرغم من أن القليل يتذكر مساهمات الخازني الكثيرة؛ إلا أنه يقف كأحد أكثر العلماء نجاحاً في العالم
الإسلامي حتى لو كان من المفارقات أنه مجرد عبد من جذور آسيوية وسطى أو يونانية.

 إن ثباته على التفوَّق في مواجهة الصعاب واستخدام كل الفرص المتاحة قد تعزز بالتأكيد من خلال الإيمان
لأنه استغل مواهبه الفكرية وخدم أمة تقع في معضلات وجودية.

منجزات الخازني باقية بعد وفاته:-

توفي عبد الرحمن الخازني حوالي عام 1130 م ، تاركًا وراءه إرثًا كبيرًا ، يتجسَّد في العديد من الكتب
المعترف بها على نطاق واسع ، بما في ذلك “ميزان الحكمة” ، “الزيج السنجاري” ، والأخير الذي
اعتبر ضائعًا لقرون ولكن تم اكتشافه بأعجوبة قبل حوالي 200 عام.

المصدر:-

https://gulfnews.com/opinion/op-eds/the-slave-who-found-excellence-in-science-1.1371527

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى