نوادر العرب

الحمد لله الذي مسخه كلباً وكفى العربُ حرباً!

نزل شيخ أعرابي من بني نهشل يكنى أبا الأغر على بنت أخت له من قريش بالبصرة، وذلك في شهر رمضان؛ فخرج الناس إلى ضياعهم؛ وخرج النساء يصلين في المسجد، ولم يبق في الدار إلا بعض النساء؛ فدخل كلب فرأى بيتاً فدخله وانصفق الباب، فسمع النساء الحركة فظنن لصاً دخل الدار؛ فذهبت إحداهن إلى أبي الأغر فأخبرته، فأخذ عصاً ووقف على باب البيت.

فقال: إيهاً والله! إني بك لعارف، فهل أنت من لصوص بني مازن، وشربت نبيذاً حامضاً خبيثاً حتى إذا دارت الأقداح في رأسك منَّتْكَ نفسُك الأماني، فقلت: أطرق دور بني عمرو، والرجال خلوف، والنساء يصلين في مسجدهن فأسرقهن، سوءةً لك! والله ما يفعل هذا حر، بئسما منَّتْكَ نفسك! فاخرج بالعفو عنك، وإلا دخلت بالعقوبة عليك، وأيمُ الله لتخرجن أو لأهتفن هتفةً تسيل بها عليك الرجال من ها هنا وهنا ها؛ ولئن فعلت لتكونن أشأم مولود في بني تميم.

فلما رأى أنه لا يجيبه أخذه باللين، فقال: اخرج بأبي أنت منصوراً مستوراً، إني والله ما أراك تعرفني، ولئن عرفتني لوثقت بقولي، واطمأننت إلي، أنا أبو الأغر النهشلي، وأنا خال القوم، لا يعصون لي رأياً، وأنا خفير كفيل أجعلك شحمة بين أذني وعاتقي، فاخرج أنت في ذمتي.

وكان الكلب إذا سمع هذا الكلام أطرق، وإذا سكت وثب يريد الخروج، فتهافت أبو الأغر، ثم قال: يا ألأم الناس، أراني بك الليلة في وادٍ وأنت في آخرَ، وأنت في داري أُقلِّب البيضاء والصفراء، فتصيح وتطرق، وإذا سكَتُّ عنك وثبْتَ تُريدُ الخروجَ، والله لتخرجن أو لأَلِجَنَّ عليك.

فلما طال وقوفه جاءت فتاة، وقالت: أعرابي مجنون! والله ما أرى في البيت أحداً، ودفعت الباب، فخرج الكلب مبادراً، ووقع أبو الأغر مستلقياً، فقلن له: قم ويحك! فإنه كلب.

فقال: الحمد لله الذي مسخه كلباً، وكفى العرب حرباً.

المصدر:

جمع الجواهر في الملح والنوادر (82).

https://www.freepik.com/free-photo/white-dog_4288580.htm#page=1&query=dog&position=10

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى