أعلامانفوجرافيكس

الحكم بن عبدل .. الشاعر المجيد الهجَّاء

كانت فيه فكاهة جعلته يتصعلك فى بعض مدائحه

اسمه ونشأته:

الحكم بن عبدل بن جبلة بن عمرو بن ثعلبة بن عقال بن بلال بن سعد بن حبال الأسدي، من شعراء المشهورين بالهجاء، وكان أعرج أحدب وأُقعد في أواخر أيامه، وُلِدَ ونشأ بالكوفة في القرن الهجري الأول.

مكانته الشعرية:

 شاعر مجيد، هجَّاء، من شعراء الدولة الاموية، خبيث اللسان، مرهوباً بسبب هجائه، وممن هجاهم طويلا محمد بن حسان بن سعد، وكان يتولّى خراج الكوفة، فكلمه فى شخص ليضع عنه ثلاثين درهماً من خراجه فرده ردّاً قبيحاً جعله يسلُّ لسانه عليه بقصيدة طويلة يقول فيها:

رأيـت محمــداً شـرهـــاً ظلــومـــــاً .. وكنـت أراه ذا ورع وقصد

يقول : أمـــاتني ربّــي خـداعــــــاً .. أمــــات الله حسَّان بن سعد

توفي الإمام محمد بن أبي ذئب في مدينة الكوفة
مدينة الكوفة التاريخية التي ينتسب لها الشاعر

وكان أعرج لا تفارقه العصا، فترك الوقوف بأبواب الملوك، وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسوله فلا يُحْبَس له رسول ولا تُؤخَّر له حاجة، فقال في ذلك يحيى بن نوفل:

عصــا حكــم في الــدار أول داخــــل .. ونحن على الأبواب نقصى ونحجب

وكـانت عصـــا موســى لفرعــون آية .. وهــذي لعمر الله أدهى وأعجب

تطـاع فـلا تعصى ويحـذر سخـطهـا .. ويـرغـب في المرضاة منها ويرهب

فشاعت هذه الأبيات وضحك الناس منها، فكان ابن عبدل بعد ذلك يقول ليحيى: “يا ابن الزانية، ما أردت من عصاي حتى صيرتها ضحكة؟!”، واجتنب أن يكتب عليها كما كان يفعل وكاتب الناس بحوائجه في الرِّقاع.

ولما وقع الطاعون بالكوفة ومات منهم بنو زر بن حبيش العامري صاحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانوا ظرفاء وبنو عم لهم، فقال الحكم بن عبدل الغاضري يرثيهم:

أبعــــد بني زر وبعد ابن جنــدل .. وعـمـــرو أرجي لذة العيش في خفض

مضـوا وبقينـا نأمـل العيــش بعدهـم .. ألا إن من يبقى على إثر من يمضي

وكان ممن نفاه ابن الزبير من العراق كما نفى منها عمَّال بني أمية سنة 64هـ، فقدم دمشق ونال من عبد الملك بن مروان حظوة، فكان يدخل عليه ويسمر عنده، وله فى تحريضه على قتال مصعب بن الزبير وهجائه هو وأسرته أشعار كثيرة؛ منها قوله:

يا ليـت شعـــري وليت ربّمــا نفعت .. هـــل أبصرنّ بني العوام قد شملوا

بالـذلّ والأســــر والتشـــريد إنهــم .. علــى البرية حتف حيثما نزلوا

أم هل أراك بأكناف العراق وقد … ذلّت لعزك أقوام وقد نكلوا

فقال عبد الملك:

إن يمكن الله مـن قيس ومـن جـرش .. ومـن جذام ويقتل صاحب الحرم

تضـرب جماجــم أقــوام علـى حنــق .. ضــربـا ينكّل عنّا غابر الأمــم

ولما دخلت العراق فى طاعة عبد الملك رجع إلى وطنه، وأخذ يمدح بشر بن مروان وابنه عبد الملك وكثيراً من أجواد بلدته، وكانت فيه فكاهة جعلته يتصعلك فى بعض مدائحه، إذ نراه يصف لممدوحيه بؤسه وما يملأ بيته من عناكب وحشرات وجرذان، وبذلك كان مقدمة للأدباء الصعاليك الذين ظهروا فى العصر العباسي، وكانوا سبباً فى نشوء فن المقامات عند بديع الزمان ثم الحريري.

نوادر الحكم:

ولابن عبدل ظريفة مع بِشر بن مروان، فقد كان الأول متصلاً بالثاني منقطعاً إليه، فأغفله، فغاب عنه أيَّاماً، ثم أتاه فقال: أين غبت، فقد طلبتُك فلم أقدر عليه؟، قال: خرجتُ أيُّها الأمير إلى البادية أطلب الزواج بابنة عمٍ لي أيم، فقالت: ليَ أموالٌ متفرَّقة على النَّاس، وأنا امرأة لا قيم لي، فاقتضها لي وأنا أتزوجك؛ فاقتضيت لها، فلمَّا فرغت كتبت إليَّ:

سيُخــطِئُــكَ الـذي أمّلــتَ منّـــــــي .. بقطــع حِبال وَصلِك من حِبالي

كمــا أخطــأكَ معـــروف ابـن بشــــرٍ .. وكُنــتَ تعدُّ ذلكَ رأس مــالِ

فضحِك ابن بشر، وقال: ما أحسَن ما تلطَّفْت.

وكان للحكم بن عبدل صديق أعمى يقال له: أبو علية، وكان ابن عبدل قد أقعد، فخرجا ليلةً من منزلهما إلى منزل بعض أخوانهما والحكم يحمل وأبو علية يقاد، فلقيهما صاحب العسس بالكوفة فأخذهما فحبسهما، فلما استقرا في الحبس نظر الحكم إلى عصا أبي علية موضوعة إلى جانب عصاه فضحك وأنشأ يقول:

حبسي وحبس أبي علي من أعاجيب الزمان.. أعمى يقاد ومقعد لا الرجل ولا اليدان

هذا بلا بصر هناك وبي يخب الحاملان.. يا من رأى ضب الفلاة قرين حوت في مكان

طرفي وطرف أبي علي دهرنا متوافقان.. من يقتحم بجواده فجوادنا عكازتان

طرفان لا علفاهما بشرى ولا يتصاولان.. هبني وإياه الحريق أكان يسطع بالدخان

ابن عبدل
الشاعر تمكن عبر هجائه من الإضرار حتى بكبار معاصريه

وولي الشرطة بالكوفة رجل أعرج، ثم ولي الإمارة آخر أعرج، وخرج ابن عبدل -وكان أعرج- فلقي سائلاً أعرج قد تعرض للأمير يسأله، فقال ابن عبدل للسائل:

ألـق العصا ودع التحــامل والتمــس .. عمــلاً فهذي دولــة العرجان

لأميـــرنا وأميــر شــرطتنـــا معــــــاً .. يــا قومنــا لكليهمــا رجــلان

فـــإذا يكــــون أميرنـــــــا ووزيـــره .. وأنــــــا فإن الرابع الشيطــان

فبلغت أبياته ذلك الأمير فبعث له مائتي درهم وسأله أن يكف عنه.

دخل ابن عبدل على بعض بني مروان، فقال: تأذنَ لي أصلحك الله رؤيا رأيتها؟، فقال: هات؛ فأنشد:

أُغفيت قبــــل الصبـــح نوم مسهّدٍ .. في ليلةٍ ما كُنتُ قبل أنامها

فــرأيتُ أنَّــــــــــك رعتنـــي بـوليدةٍ .. مغْنُوجةٍ حسُن عليّ قيامها

وببـدرةٍ حُمـــِـلت إلـي وبغلــــةٍ .. دهماء ناجيةٍ يصلّ لــجامها

فدعــوتُ ربّـي أن يُثيبَــــك جنَّــــــةً .. عوضاً يصيبك بردها وسلامها

فقال: عِندي كُل شيءٍ إلَّا البغلة فإنَّها عندنا شهباء، قال: امرأتي طالقٌ إن كنتُ رأيتها إلا شهباء، ولكني غلطْت.

ما قيل في الحكم:

قال ابو الفرج في «الأغاني»: “كان الحكم أعرج لا تفارقه العصا، فترك الوقوف بأبواب الملوك، وكان يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسله فلا يُؤخَّر له رسول ولا تُحبس عنه حاجة، ثم جعل يكاتب الأمراء بما يحتاج إليه في الرقاع”.

الحكم بن عبدل

وفاة الحكم:

توفي الحكم بن عبدل نحو سنة 100هـ، بحسب خير الدين الزركلي، أمَّا شوقي ضيف؛ فيقول في كتابه “العصر الإسلامي”: “والمظنون أنه توفي في مطالع القرن الثاني للهجرة”.

اقرأ ايضا كيفَ وضعَ أبو الأسود الدؤلي عِلم النحو ؟

المصادر:-

  • الأعلام (2/267).
  • جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.
  • دراسة في شعر الحكم بن عبدل، سعاد محمد أبو بكر.
  • تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (2/237).
  • معجم الأدباء (3/1185).
  • معجم الشعراء العرب (635).
  • وفيات الأعيان (2/201).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى