أعلامانفوجرافيكس

الحطيئة .. الشاعر المخضرم الهجَّاء

أَبَتْ شَفَتَايَ الْيَوْمَ إِلَّا تَكَلُّماً ... بِشَرٍّ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهْ

اسمه ونسبه:-

جَرْوَل بن أوس بن مالك، أبو ملكية العبسي، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، أسلم في زمن أبي بكر الصدِّيق، لُقِّب الحُطَيْئَة؛ لقصره.

قيل: إن والدته كانت في بيت رجلٍ من عبس فحملت بابنها الشاعر الهجَّاء، بيد أن نسبه لم يثبت صريحاً منه، فنشأ معلول النسب، وضيع الشرف، في صدره غلاً على أمه وأبيه بل وعلى الناس جميعاً.

أدرك الشاعر الجاهلي الكبير زهير بن أبي سُلمى وأخذ عنه رواية الشعر، فاكتسب منه الشيء الكثير، من بلاغته وفصاحته وتصويره، بيد أنه لم يتأثر بمدرسته الشعرية التي تنزع نحو الحكمة والتبصُّر، ليجنحَ نحو أسلوب الإقذاع في الهجاء.

مكانته الشعرية:-

لا تجد في شعر الحُطيئة مظنة ضعفٍ أو مغمزاً لغامزٍ من ركاكة قولٍ أو غضاضة معنىً أو اضطراب قافية، وذلك على الرغم مما التصق به من خِسَّة النفس ودناءة الخُلُق وجَهَالة النَسَب، فلم يقف ببراعته وانطلاقة لسانة موقفاً لله وللشرف.

له ديوان شعر، وقد كان هجَّاءً عنيفاً، لم يكد يسلم من لسانه أحد، فقد هجا أمه وأباه ونفسه وعمه وخاله، فكان مما قال في أمه:

تَنَحِّـي فَاقْعُـدِي عَنِّـي بَعِـيداً
أَلَمْ أُوِضح لَكِ البَغْضاءَ مَنِّي
أَغِـرْبَـالاً إِذَا اسْـتُودِعْتِ سِـرّاً
جَـزَاكِ اللَّهُ شَـرّاً مِـنْ عَجُـوزٍ
حَيَاتُكِ مـا عَلِمْتُ حَيَاةُ سَوْءٍ
أَرَاحَ اللَّهُ مِــنْكِ الْعَالَمِـينَا
ولكِــنْ لا إِخــالُكِ تَعْقِلـينَا
وَكَـانَـوناً عَلَـى الْمُتَحَـدِّثِينَا
وَلَقَّاكِ الْعُقُوقَ مِـنَ الْبَنِينَا
ومَوْتُكِ قد يَسُرُّ الصَّالِحينَا
لم يسلم أحد من لسانهتعبيرية

وقال في أبيه وعمه وخاله:

لَحَـــاكَ اللَّهُ ثُــمَّ لَحَـــاكَ حَـــقّاً
فَنِعْمَ الشَّيْخُ أَنْتَ لَدَى الْمَخَازِي
جَــمَعْتَ اللُّــؤْمَ لا حَــيَّاكَ رَبِّــي
أَبًـا وَلَحَـــاكَ مِـــنْ عَـــمٍّ وَخَــالِ
وَبِئْسَ الشَّيْخُ أَنْتَ لَدَى الْمَعَالِي
وأَبْــوابَ السَّـفَاهـــةِ والـضَّـــلاَلِ

وقال في نفسه يذمها:

أَبَتْ شَفَـتَايَ الْيَــوْمَ إِلَّا تَكَلُّـماً
أَرَى لِي وَجْهاً شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقَهُ
بِشَرٍّ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهْ
فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وَقُبِّحَ حَامِلُهْ

وأكثر من هجاء الزِّبْرِقَانَ بن بدر، فشكاه إلى عمر بن الخطاب، فسجنه عمر بالمدينة، فاستعطفه بأبيات قال فيها:

مَــاذَا تَقُـــولُ لِأَفْــرَاخٍ بِــذِي مَـــرَخٍ
غَـادَرْتَ كَاسِبَهُـمْ فِـي قَعْـرِ مُظْلِمَةٍ
أَنْتَ الْإِمَـامُ الَّذِي مِـنْ بَعْـدِ صَاحِبِهِ
لَــمْ يُــؤْثِــرُوكَ بِهَا إِذْ قَـدَّمُــوكَ لَهَا
فَامْنُنْ عَلَى صِبْيَةٍ بِالرَّمْلِ مَسْكَنُهُمْ
نَفْسِـي فِـدَاؤُكَ كَــمْ بَيْنِـي وَبَيْنَهُـمُ
زُغْبِ الْحَوَاصِـلِ لَا مَـاءٌ وَلَا شَـجَرُ
فَارْحَمْ هَدَاكَ مَلِيكُ النَّاسِ يَا عُمَرُ
أَلْقَـى إِلَيْـكَ مَـقَالِيدَ النُّهَـى الْبَشَـرُ
لَكِـنْ لِأَنْفُسِهِــمْ كَــانَتْ بِــكَ الْإِثَـرُ
بَيْـنَ الْأَبَاطِـحِ يَغْـشَاهُـمْ بِهَا الْقَدْرُ
مِنْ عَـرْضِ دَاوِيَّـةٍ يَعْمَى بِهَا الْخُبُرُ

فلما قال الحُطَيْئَة: مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ، بكى عمر، فقال عمرو بن العاص: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تَرْكِهِ الحُطَيْئَة. ثم شفع فيه عمرو بن العاص، فأخرجه، وأخذ عليه العهد أن لا يهجو الناس واستتابه، وقال عمر للحطيئة: دع قول الشعر. قال: لا أستطيع. قال: لم؟ قال: هو مأكلة عيالي، وَنَمْلَةٌ على لساني. قال: فدع الْمِدْحَةَ الْمُجْحِفَةَ. قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول: بنو فلان أفضل من بني فلان. امدح ولا تُفَضِّلْ. فقال: أنت أشعر مني يا أمير المؤمنين.

ومن مديحه الجيد المشهور:

أَقِـلُّـــوا عَـلَيْهِـــمْ لَا أَبَــا لِأَبِيــكُـــمُ
أُولَئِكَ قَوْمِـي إِنْ بَنَوْا أَحْسَـنُوا الْبِنَا
وَإِنْ كَانَتِ النَّعْمَاءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِهَا
مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا
وَإِنْ عَـاهَـدُوا أَوْفُـوا وَإِنْ عَقَـدُوا شَدُّوا
وَإِنْ أَنْـعَمُـــوا لَا كَـــدَّرُوهَــا وَلَا كَــدُّوا

نوادره:-

قيل له حين حضرته الوفاة: أوصِ يا أبا مُلَيْكَةَ، فقال: مالي للذكور من ولدي دون الإناث، فقالوا: إن الله لم يأمر بهذا، فقال: لكني آمر به! ثم قال: ويلٌ للشعر من الرواة السوء، وقيل له: أوص للمساكين بشيءٍ، فقال: أوصيهم بالمسألة ما عاشوا، فإنها تجارةٌ لن تبور! وقيل له: أعتق عبدك يساراً، فقال: اشهدوا أنه عبدٌ ما بقي عبسي! وقيل له: فلان اليتيم ما توصي له بشيءٍ؟ فقال: أوصي بأن تأكلوا ماله وتنيكوا أمه! قالوا: فليس إلا هذا؟ قال: احملوني على حمارٍ، فإنه لم يمت عليه كريمٌ، لعلي أنجو! ثم تمثَّل:

لِكُـــلِّ جَــدِيـــدٍ لَــذَّةٌ غَـــيْرَ أَنَّنــي
له خَبْطَةٌ في الخَلْقِ لَيستْ بسُكَّرٍ
رَأَيْتُ جَدِيدَ المَوْتِ غَيْرَ لَذِيذِ
ولا طَعْـمَ راحٍ يُشْـتَهى ونَبِيذِ

وقال عبد الرحمن بن أبى بكرة: رأيت الحُطَيْئَة بذات عِرْق، فقلت له: يا أبا مُلَيْكَةَ، أيُّ الناس أشعر؟ فأخرج لساناً دقيقاً كأنه لسان حية، فقال: هذا إذا طمع.

ودخل على عتيبة بن النَّهَّاس العجلي في عباءةٍ، فلم يعرفه عتيبة، ولم يُسلِّم عليه، فقال: أعطني، فقال له عتيبة: ما أنا في عملٍ فأعطيك من غدده -أي من خيره وفضله-، وما في مالي فضلٌ عن قومي، فانصرف الحُطَيْئَة، فقال له رجل من قومه: عرَّضتنا للشر، هذا الحُطَيْئَة! قال: ردوه، فردوه، فقال له عتيبة: إنك لم تُسلِّم تسليم أهل الإسلام، ولا استأنست استئناس الجار، ولا رحَّبت ترحيب ابن العم، وكتمتنا نفسك كأنك كنت معتلاًّ! قال: هو ذاك، قال: اجلس فلك عندنا ما تحب، فجلس، ثم سأله، من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:

ومَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرضِهِيَفِـرْهُ ومَـنْ لا يَتَّـق الشَّـتْمَ يُشْـتَمِ

يعني زهيراً، قال: ثم من؟ قال: الذي يقول:

مَـنْ يَسْـأَلِ النـاسَ يَحْـرمُـوهُوسَـــائِــلُ اللهِ لا يَـخِـــيبُ

يعني عبيداً، قال: ثم من؟ قال: أنا، قال عتيبة لغلامه: اذهب به إلى السوق فلا يشيرنَّ إلى شيءٍ ولا يسومنَّ به إلا اشتريته له، فانطلق به الغلام، فعرض عليه اليمنة والخز وبياض مصر والمروي، فلم يرد ذلك، وأشار إلى الأكيسة والكرابيس الغلاظ والعباء، فاشترى له منها بمائتي درهم، واشترى له قطفاً، وأوقر له راحلةً من تمرٍ وراحلةً من بر، ثم قال له: حسبك، فقال له الغلام: إنه قد أمرني أن أبسط يدي لك بالنفقة ولا أجعل لك علةً، فقال: لا حاجة لقومي في أن تكون لهذا عليهم يدٌ أعظم من هذه، فانصرف الغلام إلى عتيبة فأخبره بذلك، وقال الحُطَيْئَة:

سُئِلْتَ فلم تَبْخَلْ ولم تُعْطِ طائلاً
وأَنْتَ امْرُؤٌ لا الجُـودُ منك سَجـيَّةٌ
فَـسِـــيَّانِ لا ذَمٌّ عـليـــكَ ولا حَـمْـــــدُ
فتُعْطِى وقد يُعْدِى على النَّائِل الوَجْدُ
الحطيئة أفقد الناس الرغبة في التواصل معه ، إذ لم يحسن توظيف شعره الجزيل لكسب ود محيطه

وفاته:-

توفي نحو سنة 45هـ، ولما احتضر الحُطَيْئَة قيل له: أوص. فقال: أوصيكم بالشعر. ثم قال:

الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهْ
زَلَّتْ بِهِ إِلَى الْحَضِيضِ قَدَمُهْ
إِذَا ارْتَقَـى فِــيهِ الَّذِي لَا يَعْلَــمُهْ
وَالشِّعْرُ لَا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ

المصادر:

  • شعر الحطيئة، تحقيق عيسى سابا، مكتبة صادر.
  • الأعلام (2/118).
  • البداية والنهاية (11/349).
  • الشعر والشعراء (1/310/رقم 37).
  • طبقات فحول الشعراء (1/97/رقم 111).
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق