معلومات تاريخية

الحشاشون.. القتلة الذين أرعبوا الملوك والفرسان

سقطت قلعة "ألموت" أمام وحشية المغول وانتهى عهد الحشاشين بالكامل سنة 1275 م

توطئة:-

تعود قصة الحشاشين إلى أواخر القرن الحادي عشر، وذلك حينما تم فرض النظام بالقوة من قبل الطائفة النزارية الإسماعيلية بزعامة حسن الصبَّاح في كل من المشرق العربي وأرجاء من بلاد فارس، لا بد من أنك قد سمعت بهم، فالحشاشون كانوا من المقاتلين ذوي السمعة السيئة الذين أفلحوا في السيطرة على بعض القلاع الجبلية والحصون، ليشكلوا بتمركزهم الاستراتيجي وقدراتهم؛ تهديداً حقيقياً للسلطة السلجوقية ومقرها بغداد.

كان السلاجقة الذين حكموا بلاد فارس حينها من أتباع المذهب السني، وكانت أكبر المخاوف التي واجهوها هي الاغتيالات الدقيقة وذات المهارة العالية التي نفذها الحشاشون، في الحقيقة لا بد من أن نذكر أن كلمة القاتل المأجور والاغتيال باللغة الإنجليزية تعود بأصلها إلى لفظ كلمة الحشاشين نفسها.

من هم ومن أين جاء الحشاشون؟

بدأ كل شيء من بين ثلاثة من تلاميذ الإمام موفق النيسابوري، ثلاثة من الأصدقاء المثيرين للجدل وخاصة من ناحية فارق السن بينهم، وهؤلاء هم عمر الخيام الفيلسوف والشاعر المعروف، الوزير الكبير للإمبراطورية السلجوقية نظام الملك، وحسن الصباح الطموح ومؤسس الحشاشين الذين أرعبوا العالم.

الوزير نظام الملك الطوسي أشهر وزراء الدولة السلجوقية، له دور كبير في خدمة الشريعة والثقافة الإسلامية، أسس المدارس النظامية وبذل جهده للنهوض بالحركة العلمية

وعندما تم تعيين نظام الملك كوزير سلجوقي؛ قام الأخير بالطلب من حسن الصباح أن يعمل معه في منصب تابع له، ولكن الصباح كان لديه حلماً وطموحاً تجاوز دور المساعد، فقد وضع منصب الوزير الأكبر الذي يشغله الأول بين عينيه.. وتلقائياً نشب الخلاف بين الصديقين.

كان الصباح قد تعمَّق في المذهب الديني الباطني وهو ما تبنته الدولة الفاطمية في مصر كمذهب تقوم فلسفته على امتلاك القرآن الكريم لمعنيين أحدهما ظاهر للعامة والآخر خفي لشريحة الصفوة.

ما هي العقيدة الباطنية؟

تقوم عقيدة المذهب الباطني على أن الناس العاديين لا يمكنهم الوصول إلى الحقيقة الكاملة إلا من خلال الإمام المعصوم، فهي عقيدة دينية قامت على الإيمان بالتتالي في الإمامة، وأن الجنة والنار بمفهوم الجزاء والعقاب موجودة في هذا العالم المادي الذي نحيا به، والأهم أن هذا المذهب لم يقم بمنع وتحريم أي شيء على اتباعه، أي أنه يحمل عقيدة تبيح كثيراً من المحرمات الإسلامية.

قد تسمى بالباطنية أو الإسماعيلية، وتعتبر عقيدة لأتباع الإمام السابع للخلافة الشيعية “محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق” وتستقي أصولها من الديانات السماوية والفلسفية، “ففيها ما يشترك مع اليهودية، الزرادشتية والفلسفة”.

جمع الصباح لمؤيديه:-

بعد النزاع الذي دار بين حسن الصباح ونظام الملك وتعمق الأول في الباطنية، بقي الصباح يدعو ويجمع مؤيدين له في إيران لنحو تسع سنوات، وهذا لم يمر على السلاجقة مرور الكرام، إذ قام حاكم السلاجقة حينها بإرسال رسالة تحذيرية له.

اغتيال نظام الملك السلجوقي من قبل الحشاشين
عملية اغتيال نظام الملك السلجوقي من قبل الحشاشين

 وعندما ازداد تهديد الحاكم السلجوقي للحسن واتباعه؛ تجاوب الأخير مع هذه التحذيرات ولكن بأسلوبه الخاص، وذلك عبر إرسال نخبة اتباعه من القتلة المحترفين، والذين قاموا بتنفيذ قائمة من الاغتيالات التي طالت مسؤولين حكوميين في كل من السلالة السلجوقية والعباسية بما فيهم صديقه القديم نظام الملك.

قلعة الموت - الحشاشون
قلعة ألموت الأسطورية

بعد ذلك؛ قام الصباح بالسيطرة على مجموعة من القلاع وربما أشهرها هي قلعة ألموت المنيعة.

 وآمن الصباح حينذاك بأن الحقيقة التي تقف وراء كل هذا الوجود يمكن أن يتم الوصول إليها فقط عبر الالتزام بقواعد الإمام، لذلك واصل تعمقه في العلوم الباطنية التي تنص على (أن الواضح والأقرب هو “الظاهر” والذي يمكن أن يدرك بشكل أقل هو “الباطن”)، وتبنى نهج قتال واستهداف كل من يقف من الناس ضد الباطنية.

نهضة الحشاشين:-

في الواقع هذه الفئة من المقاتلين المؤمنين بعقيدة حسن الصباح تمكنوا من قتال أباطرة الدولة السلجوقية لسنوات طوال دون أن يتمكن السلاجقة من القضاء عليهم أو إضعافهم، وعبر استخدام الصباح لأحد عبيد السلطان السلجوقي، وباستعمال رسالة وخنجر وضِعت تحت وسادة الخليفة أجبر حسن الصباح الخليفة بالتوجه نحو التفاوض مع الحشاشين.

نهضة الحشاشين

ومن هنا توسعت رقعة نشاط الحشاشين لتصل إلى الموصل (العراق اليوم) وشمالاً نحو ديار بكر (جنوب تركيا) ولم يمتلك أي شخص من أعداء الصباح أي شجاعة ليخرج من منزله دون أن يرتدي درعه الحامي خوفاً من اغتيال محتمل.

وبالفعل شكَّل الحشاشون القوة التدميرية الأكبر حينها والتي تمكنت من إضعاف الإمبراطورية السلجوقية كما شكلت تهديدا ًأحاط بالقوة العثمانية الإسلامية التي ما زالت في مرحلة التشكُل، مما دفع العديد من مفكري ذلك العصر لتسميته بـ”العصر الملعون” نظراً لوجود الحشاشين فيه.

نظرة في شخصية حسن الصباح:-

مما سبق نجد أن حسن الصباح لم يكن شخصاً عادياً، بل كان رجلاً فائق الذكاء والتنظيم، بالإضافة إلى ما ذكر عن موهبته الفذة في الرياضيات والتأثير بمن حوله.

كما أن الصبَّاح قد وصف من قبل العديد من المؤرخين بكونه شخصية عادلة ومتدينة ساع للتغيير، في الحقيقة ما يدعم هذا الوصف هو ما ورد عن قيامه بقتل نجليه الإثنين أحدهما لأنه شرب الخمر، والآخر لأنه قتل شخصاً متعمداُ دون وجه حق.

فخلال مسيرته؛ لوحظ بأنه لم يسع إلى التركيز على نشر الدين، بل كان هدفه هو تدمير هيكل سياسي وإجتماعي معين، حيث تسلح بولاء أتباعه وإيمانهم بأفكاره، وهنا يجب أن نذكر أن جنة حسن الصباح أو “حديقة الجنة” التي قيل بأنه شيدها في قلعة ألموت لم توجد إلا في خيال المسافرين وحكاياتهم.

الحشاشين - قتل الناس بدم بارد
قتل الأشخاص بدم بارد

وفي سنة 1224 للميلاد؛ توفي حسن الصباح عن عمر يناهز الثمانين، ولم يصل لنا عنه أوعن أعماله الكثير.

الحقيقة والأسطورة:-

من الصعب أن نفصل الحقيقة عن الأسطورة عندما نتحدث عن الحشاشين، لأن العديد من مصادرنا في البحث عنهم كانت إما مما ذكر عنهم في الكتب والمراجع الأوروبية، أو ما كتبه عنهم أعدائهم، فعلى سبيل الذكر قام الرحالة الإيطالي ماركو بولو بذكرهم في قصَّةٍ كان قد سمعها خلال ترحاله تقول:

كان الحسَن الصباح يجعل أتباعه ُيدمنون على الحشيش ليرشدهم به إلى “الجنة”، وعندما يستفيق اتباعه من تأثيرها وتعود إليهم حواسهم؛ كان يقول لهم بأنه الوحيد الذي يُمكنه أن يعود ويسمح لهم بالعودة إلى الجنة. وعبر هذه الطريقة يضمن الصباح إخلاص أتباعه بشكل تام، ويتأكد من أنهم سيقومون بتنفيذ كل ما يطلب منهم.

حسناً بالفعل كان اتباعه مخلصين له ولأفكاره، ولكن يوجد هناك العديد من المشاكل في هذه القصة، فمثلاً من الممكن أن يكون استعمال الصباح للحشيش أمراً مبتذلاً وزائفاً، نموذجاً لزيادة التشويق.

عقيدة لا تعرف الرحمة

بداية التسمية:-

تاريخياً يمكن أن نُرجع الاستعمال الأول لمصطلح الحشَّاش إلى عام 1122 م، حيث قام الخليفة الفاطمي بتسمية النزاريين السوريين به، وعوضاً عن أخذ المعنى الحرفي لكلمة الحشاشين من الحشيش وتعاطيه، كان الهدف من التسمية هو وسمهم بصفة المنبوذين أو الرعاع، فبعد ذلك تم اعتماد هذه التسمية من قبل المؤرخين وخاصة تلك الفئة منهم التي قابلت الطائفة الإسماعيلية في كل من بلاد فارس وسوريا بالعداء، لتنتشر بعدها التسمية وتنتقل مع الصليبين إلى أوروبا.

اغتيال ملك القدس من قبل الحشاشين:

في الحقيقة يمكن أن نتساءل عن سمعة الحشاشين كقتلة ذوي عواطف وأحساسيس مجمدة ، فهم يقتلون بدم بارد، ولكنها حقيقة غير قابلة للتشكيك، فلقد كان هناك في عصرهم بالفعل شخصيات تم اغتيالها وقتلها من قبلهم وخلال وضح النهار، من أبرز الأشخاص الذين اغتيلوا من قبل الحشاشين هو ملك القدس كونراد من مونفيراتو وذلك في نهاية القرن الثاني عشر للميلاد.

فتبعاً للروايات التاريخية؛ تم قتل الملك وهو يتجول مع حاشيته من الفرسان في أزقة مدينة صور (لبنان حالياً)، وذلك عندما طُعن من قِبل إثنين من الحشاشين المسافرين إلى القدس متنكرين بهيئة راهبيّن مسيحيين.

 وإلى اليوم؛ لم يتم التعرف على الجهة التي قامت باستئجارهم، ولكن يرجح أن يكون كل من ريتشارد قبل الأسد وهنري تشامبانغ خلف هذا الاغتيال المُنظَّم.

لوحة حجرية لجوستاف تعود إلى القرن التاسع عشر محاكية محاولة إغتيال ملك إنجلترا الملك إدوارد الأول.

الحشاشون وصلاح الدين الايوبي:

عندما تراجع قصص الحشاشين؛ ستجد أنهم لم يظهروا قدراتهم الجسدية وحسب؛ بل ما يدعوا للإنبهار بهم كونهم استعملوا الألعاب والحروب النفسية وبشكل فعّال، حيث كانوا يقومون بغرس الخوف في قلوب أعدائهم، فيقوم الحشاش بإخضاع عدوه حتى دون أدنى مجازفة في حياة هذا المقاتل.

ومما ورد في القصص التاريخية؛ أن الناصر صلاح الدين الأيوبي هذا القائد المسلم المغوار قد تعرض في حياته إلى محاولتي اغتيال من قبل الحشاشين، مع أن هذا القائد الأيوبي الشهير، نجح في النجاة؛ إلا أنه عاش في حالة من التريُب والترقب خشية تعرضه لمزيد من المحاولات.

رسم يظهر قلعة مصياف

في إحدى القصص عن الأيوبي؛ قيل بأنه خلال إحدى غزواته في منطقة مصياف السورية؛ استيقظ من النوم بعدما شعر بمغادرة أحد ما لخيمته، فوجد أمام سريره صنف من الكعك يشتهر الحشاشين بتناوله، إلى جانب ملاحظة مكتوبة على ورقة مثبتة بخنجر مسموم دُوُنَ عليها “ستُقتل إن لم تنسحب”.

تمثال صلاح الدين الأيوبي في دمشق

نهاية الحشاشين:

مع أن سمعة الحشاشين ومهاراتهم القتالية عالية ومخيفة؛ إلا أنهم وقعوا فريسة للمغول أثناء حملتهم الرامية للسيطرة على منطقة خوارزم، ففي سنة 1256 م، سقطت قلعة الحشاشين وحصنهم المنيع “ألموت” بيد المغول، ومع أن الحشاشين قد تمكنوا من استعادة القلعة المنيعة والتحصن بها لعدة أشهر؛ إلا أنها في النهاية سقطت أمام وحشية المغول وانتهى عهد الحشاشين بالكامل سنة 1275 م.

في الواقع؛ يعتقد العديد من المؤرخين أن هذا الغزو المغولي كان حدثاً مفصلياً في قصة الحشاشين التي نعرفها، لأن كل ما نعرف هو من قصص طرف أخر، فالمصادر التي كان يمكن لها أن تخبر عن حياتهم وتفاصيلها بنظرة أشمل وأكثر واقعية قد دمرها المغول وقضوا عليها.

 هذا الأمر ترك لنا النظرة الخيالية الرومانسية عنهم، والتي نراها في عصرنا هذا عبر شخصيات المقاتلين ذوي القدرات المذهلة في العاب الفيديو وخاصة تلك اللعبة التي تسمى “عقيدة الحشاشين Assassin’s Creed”.

قلعة ألموت الشهيرة أو ما بقي منها

المصادر:-

https://www.ancient-origins.net/myths-legends-asia/notorious-and-much-feared-ancient-order-hashshashins-001708

https://www.dailysabah.com/feature/2014/03/31/murders-for-a-false-paradise

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى