أعلامانفوجرافيكس

الحسن بن سهل .. وزير الخليفة المأمون

اشتُهِرَ بالذكاء المفرط، والأدب والفصاحة وحسن التوقيعات، والكرم

اسمه ونشأته:

الحسن بن سهل بن عبد الله، أبو محمد السَّرَخْسِيُّ، وزير المأمون العباسي، والسَّرَخْسِيُّ نسبة إلى سرخس من بلاد خراسان، وُلِدَ سنة 166هـ.

كان أبوه من المجوس، ولكنه أسلم زمن البرامكة، فقد كان قهرماناً -من الأمناء والخواص- ليحيى البرمكي.

منزلته ومناصبه:

يعتبر الحسن بن سهل أحد كبار القادة والولاة في عصر المأمون، اشتُهِرَ بالذكاء المفرط، والأدب والفصاحة وحسن التوقيعات، والكرم.

الخليفة المأمون كان صاحب قدرة على تمييز الشخصيات

وقد تولى وزارة المأمون بعد أخيه ذي الرياستين الفضل بن سهل وحظي عنده، ثم تزوَّج المأمون بنته بُوْرَان سنة 210هـ، فغرم الحسن على عرسها الكثير، وكان المأمون قد ولاه جميع البلاد التي فتحها طاهر بن الحسين، وعاش بعد المأمون في عزٍّ وحرمةٍ، وكان يدعى بالأمير.

جوده وكرمه:

كان عالي الهمة، كثير العطاء للشعراء وغيرهم، وقصده بعض الشعراء وأنشده:

تقول خليلتي لما رأتني … أشد مطيتي من بعد حل

أبعد الفضل ترتحل المطايا … فقلت نعم إلى الحسن بن سهل

فأجزل عطيته.

وشكى إليه الحسن بن وهب الكاتب إضاقةً، فوصله بمائة ألف، ووصل محمد بن عبد الملك الزيات مرة بعشرين ألفاً، ومرة بخمسة آلاف دينار.

وكان مضرب المثل في الجود، أراد أن يكتب لسقَّاء مرة ألف درهم، فسبقته يده، فكتب ألف ألف درهم، فروجع في ذلك، فقال: والله لا أرجع عن شيء كتبته يدي. فصولح السقاء على جملةٍ منها دفعت إليه.

ودخل على الحسن أعرابي مدحه بشعر استحسنه، فلما فرغ منه قال له الحسن: اجلس واحتكم، وهو يظن أن الأعرابي صغير الهمة؛ فقال: ألف ناقة، فوجم الحسن ولم تكن في وسعه يومئذ، وكره أن يفتضح، فأطرق إطراقة ثم قال: يا أعرابي، ليس بلدنا بلد إبل ولكن كما قال امرؤ القيس:

إذا ما لم تكن إبلاً فمعزى … كأن قرون جلتها العصي

امرؤ القيس .. أحد أكبر شعراء العربية على الإطلاق

قال: قد رضيت، قال: فالحق يحيى بن خاقان يعطك ألف شاة، فصار إلى يحيى فأعطاه عن كل شاة ديناراً.

نوادره ولطائفه:

قال بعضهم: حضرت مجلس الحسن بن سهل وقد كتب لرجل كتاب شفاعة، فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن: يا هذا، علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءاتنا، ثم أنشأ يقول:

فرضت عليَّ زكاة ما ملكت يدي … وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا

فإذا ملكْتَ فَجُدْ فإن لم تستطيع … فاجهد بوسعك كلِّه أن تنفعا

وأملى يوماً كتاب شفاعة، فكتب في آخره: إنه بلغني أن الرجل يُسأَل عن فضل جاهه يوم القيامة، كما يُسأَل عن فضل ماله.

وقال ثعلب: قيل للحسن -وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله-: “ليس في السرف خير”، فقال: “بل ليس في الخير سرف”. فرد اللفظ واستوفى المعنى.

ثعلب .. أحد أبرز أعلام النحو

وتعرض إليه رجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذي أحسنت إليَّ عام كذا، فقال: مرحباً بمن توسل إلينا بنا.

وخرج مع المأمون يوماً يشيعه، فلما عزم على مفارقته قال له المأمون: يا أبا محمد، ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، تحفظ عليَّ من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك.

سأل المأمون يوماً الحسن بن سهل عن البلاغة؟، فقال : “ما فهِمهُ العامَّة ورَضِيَهُ الخاصَّةُ”.

مأثوراته:

كان الحسن بن سهل يقول: “عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه؟!”.

قال الحسن بن سهل: “رأيتُ جملة البُخلِ سوء الظَّن بالله، وجملةَ السَّخاءِ حسنُ الظَّن بالله”.

قيل للحسن: لا خير في السَّرف (الإسراف)، فقال: لا سرف في الخير، فقلب اللفظ واستوفى المعنى.

ونظر يوماً إلى رجل في مجلسه يعبس في كأسه فقال: “ما أنصفتها: تضحك في وجهك وتعبس في وجهها”.

وقال لبنيه: يا بني تعلموا النطق، فإن فضل الإنسان على سائر البهائم به، وكلما كنتم بالنطق أحذق كنتم بالإنسانية أحق.

قيل للحسن بن سهل: ما بالُ كلام الأوائلِ حُجَّةً؟، قال: لأنَّهُ مَرَّ على الأسماع قبلَنا، فلو كانَ زَلَلاً لما تأدَّى إلينَا، وما تَنقلُ الرواةُ إلَّا صحيحاً مُستَحسَناً.

وقال سهل بن هارون: الكتابة أول زينة الدُّنيا ، التي إليها يتناهى الفضل، وعندها تقف الرَّغبة.

وقال أيضاً: سياسة البلاغة أسدُّ من البلاغةِ.

وقال أيضاً: القلم لسان الضَّمير، إذا رعف أعلن أسراره وأبان آثاره.

نموذج من تميزه في الوصف:-

كَتَبَ الحَسَنَ بن سهل إلى مُحمد بن سماعة القاضي، يصِفُ له رجلاً كاملاً يحتاجه لتأدية بعض المهام:

أمَّا بعدُ: فإني احتجتُ لبعضِ أموري إلى رجلٍ جامعٍ لخِصالِ الخير، ذي عِفَّة ونَزَاهة، طُعمة قد هذَّبته الآداب وأحكمتهُ التجارب، ليسَ بظنينٍ في رأيه، ولا بمطعُونِ في حَسَبِهِ، إن أؤتُمِنَ على الأسرار قام بها، وإن قُلِّدَ مهماً من الأمور أجزأ فيه، له سِن مع أدب ولسان، وتَقُعدُهُ الرزانة، ويسكنه الحِلم قد فرَّ عَن ذكاءٍ وفطنة، وعَضَّ على قارِحةٍ من الكَمال، تكفيهِ اللَّحظةُ وتُرشِده السَّكتة”.

“قد أبصَرَ خِدمة الملوك وأحكَمَها، وقامَ في أمورِهم فحَمَدَ فيها له أَناهُ الوزراءِ، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيبَ يومه بحِرمان غده، يكاد يَسترِق قلوبَ الرِّجالِ بِحلاوة لِسانه، وحُسنَ بيانِهِ، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العِلم شاهده، مضطلعاً بما استنهض، مستقلاً بما حُمِّلَ “.

“وقد آثرتُكَ بطلبهِ وحبَوتك بارتِياده، ثِقةً بفضلِ اختيارك، ومَعرفةً بحُسنِ تأنِّيك”.

توقيعاته والنظَّر في المظالم:-

  • وقَّع في قِصَّة متظلِّم، ينظرُ فيما رَفَع، فيقول: “إن الحق ميع، والإَّ فشِفاء السَّقيم دواءُ السُّقم”.
  • وفي قِصَّة قومٍ تظلَّموا من واليِهم، قال: “الحَقُ أولى بنا، والعَدلُ بُغيتنا، وإن صَحَّ ما ادعيتم عليهِ صَرَفناهُ وعاقبناه”.
  • وفي قِصَّةِ امرأة حُبِس زوجُها، قال :”الحق يَحبسهُ والإنصافُ يُطلقهُ”.
  • وفي رقعة رائد، قال : “قد أمَرنا لكَ بشيءٍ هُوَ دُونَ قَدرِك في الاستحقاق، وفوقَ الكِفاية معَ الاقتصاد”.

ما قيل فيه:

مدحه يوسف الجوهري بقوله:

لو أنَّ عين زهير عاينت حسناً … وكيف يصنع في أمواله الكرم

إذا لقال زهير حين يبصره … هذا الجواد على العلات، لا هرم

مرضه:

لم يزل على وزارة المأمون إلى أن مرض سنة 203هـ وثارت عليه الْمِرَّة السوداء (مرض السويداء)، وكان سببها كثرة جزعه على أخيه الفضل لما قتل، واستولت عليه حتى حُبِسَ في بيته وشُدَّ في الحديد، فاستوزر المأمون أحمد بن أبي خالد، وشُفي قبل زواج المأمون من بنته بُوران سنة 210هـ.

وفاته:

كانت وفاته بمدينة سرخس، سنة 236هـ في مستهل ذي الحجة، وقيل: سنة 235هـ.

أحد أبرز معالم مدينة سرخس

المصادر:

الأعلام (2/192).

سير أعلام النبلاء (11/171/رقم 73).

وفيات الأعيان (2/120).

العقد الفريد.

يتيمة الدّهر للثعالبي.

موسوعة طرائف ونوادر العرب، إبراهيم شمس الدين.

https://www.itto.org/iran/photogallery/Baba-Loghman-Tomb/

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق