أعلامانفوجرافيكس

الحجاج بن يوسف .. القائد الداهية

أول من بنى مدينة بعد الصحابة، وهي واسط بين الكوفة والبصرة

اسمه ونشأته:

الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل، أبو محمد الثقفي، قائد داهية، وُلِدَ في الطائف سنة 39هـ، وقيل: سنة 40هـ.

منزلته ومكانته:

كان رجل سياسة لا يخدع، ومقداماً لا تشق عصاه، وخصماً يدين الأعداء له بالتسليم والإذعان، إدارياً حازماً، حافظاً للقرآن الكريم والحديث الشريف، فصيحاً بليغاً، وهو من جهة ثانية، كان ظلوماً فاتكاً، ارتكب مجازر بحق مخالفيه من المسلمين وسواهم.

ولي العراق عشرين عاماً، كان فيها دعامة من دعائم الدولة الأموية، وقد صورته الكثير من كتب التاريخ على أنه جزَّار محب لسفك الدماء.

الحجاج بن يوسف

مناصبه وسطوته:

كان الحجاج وأبوه يُعلِّمان الصبيان بالطائف، ثم انتقل إلى الشام، حيث لحق برَوْح بن زِنْبَاع الجُذَامي وزير عبد الملك بن مروان، فكان في عديد شرطته إلى أن رآى عبد الملك انحلال عسكره وأن الناس لا يرحلون برحيله ولا ينزلون بنزوله، فشكا ذلك إلى رَوْح بن زِنْبَاع، فقال له: إن في شرطتي رجلاً لو قلده أمير المؤمنين أمر عسكره لأرحل الناس برحيله وأنزلهم بنزوله يقال له: الحجاج بن يوسف ، قال: فإنا قد قلدناه ذلك، فكان لا يقدر أحد أن يتخلف عن الرحيل والنزول إلا أعوان رَوْح بن زِنْبَاع، فوقف عليهم يوماً وقد أرحل الناس وهم على طعام يأكلون فقال لهم: ما منعكم أن ترحلوا برحيل أمير المؤمنين؟

قالوا له: انزل يا ابن اللَّخْنَاءِ فكل معنا، قال لهم: هيهات، ذهب ما هنالك، ثم أمر بهم فجُلِدوا بالسياط، وطوفهم في العسكر، وأمر بفساطيط رَوْح فأُحْرِقت بالنار، فدخل رَوْح على عبد الملك باكياً، وقال: يا أمير المؤمنين، إن الحجاج الذي كان في شرطتي ضرب غلماني وأحرق فساطيطي، قال: عليَّ به، فلما دخل عليه قال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: أنا ما فعلت، قال: ومن فعل؟ قال: أنت فعلت، إنما يدي يدك، وسوطي سوطك، وما على أمير المؤمنين أن يخلف لرَوْح عوض الفسطاط فسطاطين، وعوض الغلام غلامين ولا يكسرني فيما قدمني له، فأخلف لرَوْح ما ذهب له، وتقدم الحجاج في منزلته، وكان ذلك أول ما عرف من كفايته.

المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة التي توفي بها الشاعر كثير عزة
المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة بنهاية القرن التاسع عشر

ثم أمره عبد الملك بقتال عبد الله بن الزبير، فزحف إلى الحجاز بجيش كبير وقتل عبد الله وفرق جموعه، فولاه عبد الملك مكة والمدينة والطائف، ثم أضاف إليها العراق والثورة قائمة فيه، فانصرف إلى بغداد في ثمانية أو تسعة رجال على النجائب، فقمع الثورة وثبتت له الإمارة عشرين سنة، وبنى مدينة واسط.

خطبة الحجاج بن يوسف في العراق:-

ولما قدم أميراً على العراق خطب خطبته المشهورة التي قال فيها: “والله يا أهل الكوفة والعراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، وإن أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً وأصلبها مكسراً، فرماكم بي؛ لأنكم طال ما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل {قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، والله إني ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت”.

الإدريسي زار الكوفة بعد قرون من وفاة الحجَّاج

نوادره:

  • خطب يوماً فقال في أثناء كلامه: أيها الناس، إن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله، فقام إليه رجل فقال: ويحك يا حجاج، ما أصفق وجهك وأقل حياءك! فأمر به فحُبِسَ، فلما نزل عن المنبر دعا به فقال له: لقد اجترأت علي، فقال له: أتجترئ على الله فلا ننكره، ونجترئ عليك فتنكره؟! فخلَّى سبيله.
  • وقال رواية العرب الأصمعي: خَرَجَ الحجَّاج مُتصيِّداً، فوقَفَ على أعرابيٍ يرعى إبلاً وقد انقَطَعَ عن أصحابه، فقال: يا أعرابي، كيف سيرةُ أميركم الحجَّاج؟، فقال الأعرابي: غَشُومٌ ظِلُومٌ لا حيَّاهُ الله ولا بيَّاه.

فقال الحجَّاج: فلو شكوتموه إلى أمير المؤمنين؟، فقال الأعرابي: هو أظلمُ منهُ وأغشَم، عليهُ لعنةُ اللَّه !.

قال : فبينما هو كذلك إذ أحاطت بهِ جُنوده، فأومأ إلى الأعرابي فاُخِذَ وَحُمِل، فلمَّا صار معهم، قال من هذا: قالوا الأمير الحجَّاج، فعَلِمَ أنَّهُ قد أُحيطَ به، فحرَّكَ دابته حتى صارَ بالقُربِ منه، فناداه أيُّها الأمير، قال: ما تشاء يا أعرابي؟، قال: أحبُّ أن يكون السِّرُ الذي بيني وبينَك مكتوماً، فضَحِكَ الحجَّاح وخلَّى سبيله.

  • وخَرَجَ الحجَّاج يوماً فلقيَ رجُلاً، فقال: كيف سيرةُ الحجَّاج فيكم؟ فشتمه أَقْبَحَ من شَتْمِ الأول (الأعرابي) حتى أغضبه، فقال: أتدري من أنا؟، قال: ومن عسيت أن تكون؟.

قال: أنا الحجَّاج، قال: أو تدري من أنا؟، قال : ومَنْ أنت؟، قال: أنا مولى بني عامر، أجنُّ في الشهر مرتين هذه إحداهما، فضَحِكَ وتركه.

فضائله:

  • كان له فضل كبير في الكثير من الفتوحات الإسلامية، وخاصة فتوحات المشرق، وقد أشرف بنفسه على فتوحات قتيبة بن مسلم الباهلي، ومدَّه بالسلاح والعتاد.
  • أشرف على تنقيط القرآن الكريم، وقسَّمه إلى أجزاء: ثلث، وربع، وخمس، ونصف.
  • عرَّب الدواوين من الفارسية والرومية.
  • أنشأ خزانات بالقرب من البصرة لتخزين المياه وجمع مياه الأمطار؛ لتكون مياه شرب لحجاج بيت الله الحرام.
  • كان يختار حكام الشرق من ذوي الكفاءة والخبرة ويراقبهم ويمنع تجاوزاتهم.
  • ضرب بيد من حديد على أيدي اللصوص وقطاع الطرق.
  • أول من ضرب درهماً عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
  • أول من بنى مدينة بعد الصحابة في الإسلام، وهي مدينة واسط بين الكوفة والبصرة.
  • سُبِيَت امرأة من المسلمين في الهند فنادت ياحجاجاه، فاتصل به ذلك فجعل يقول: لبيك لبيك! وأنفق سبعة آلاف درهم حتى أنقذ المرأة.
البصرة التي زارها ابن بطوطة وتحدث عن مكانتها

أقوال العلماء فيه:

قال ابن خلِّكان: “كان للحجاج في القتل وسفك الدماء والعقوبات غرائب لم يسمع بمثلها، ويقال: إن زياد بن أبيه أراد أن يتشبه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ضبط الأمور والحزم والصرامة وإقامة السياسات إلا أنه أسرف وتجاوز الحد، وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد فأهلك ودمر”.

وقال ابن كثير: “كانت فيه شهامة عظيمة، وفي سيفه رَهَقٌ، وكان كثير قتل النفوس التي حرَّمها الله بأدنى شبهة … نشأ شاباً لبيباً فصيحاً حافظاً للقرآن”.

وقال الذهبي: “كان ظلوماً، جباراً، ناصبياً، خبيثاً، سفَّاكاً للدماء، وكان ذا شجاعة، وإقدام، ومكر، ودهاء، وفصاحة، وبلاغة، وتعظيم للقرآن … سقت من سوء سيرته حصاره لابن الزبير بالكعبة، ورميه إياها بالمنجنيق، وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له … وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى الله، وله توحيد في الجملة، ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء”.

وقال الشعبي: “سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد، فإن الله كتب على الدنيا الفناء وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرنك شاهد الدنيا عن غائب الآخرة واقهروا طول الأمل بقصر الأجل”.

المسعودي يتحدث عن ميل الحجاج لسفك الدماء:-

تحدث أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، عن شخصية الحجاج وسبب ولوعه في سفّكِ الدماء.

فقد قال صاحبُ كتاب “مروج الذهب”: إن الحجاج كان يُخبر عن نفسه بأن أكثر لذَّاته سَفك الدماء، وارتكاب أمورٍ لا يُقدم عليها غيره، ولا سَبق إليها سواه، ناقلاً هذه الرواية:

فقد كانت الفارعة والدة الحجَّاج عند الحارث بن كلدة، فدخلَ عليها في السَحَر فوجدها تتخلل، فبعثَ إليها بطلاقها، فقالت : لمَ بعثتَ إليَّ بطلاقي؟ ألشيء رابكَ مني؟

قال: نعم، دخلتُ عليكِ عند السَحر وأنتِ تتخللين، فإن كُنتِ بادرتِ الغداءَ؛ فأنتِ شَرِهة، وإن كُنتِ بِتِ والطعام بين أسنانك فأنتِ قذرة.

فقالت: كُلُّ ذلك لم يكُن، لكني تخلَّلتُ من شظايا السِواك.

المسعودي.. المؤرخ والجغرافي الكبير

وبحسَب رواية المسعودي (المتوفى سنة 957 م)؛ فإنه وبعد طلاقها من الحارث؛ فقد تزوجت الفارعة بعده بيوسف ابن عقيل الثقفي أبو الحجَّاج، فولدت له الحجَّاج مشوَّها لا دُبر له، فثقب عن دبره، وأبى أن يقبل ثدي أمه أو غيرها، فأعياهم أمره، فقيل: إن الشيطان تصوَّر لهم في صورة الحارث بن كلدة (غالباً هو الطبيب الثقفي الشهير) ، فقال: ما خبركم؟

فقالوا: ابن ولد ليوسف من الفارعة، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه أو سواها.

فقالوا: اذبحوا جدياً أسود وأولغوه دمه، فإذا كان في اليوم الثاني فافعلوا به كذلك، فإذا كان في اليوم الثالث؛ فاذبحوا له تيساً أسود وأولغوه دمه، ثم اذبحوا له أسود سالخاً فأولغوه دمه، واطلوا به وجهه، فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع.

قال: ففعلوا ذلك، فكانَ بعد لا يصبر على سفك الدماء (الحجَّاج) لمَّا كان منه في بدء أمره هذا، بحسب ما أورده المسعودي في “مروج الذهب”.

حصيلة من قتلهم الحجاج:-

لقد تأمَّر الحجَّاج على الناس قرابة العقدين، وقبيل مماته؛ أحصى من قتله صبراً سوى من قَتل في عساكر وحروب؛ فوجد مائة وعشرين ألفاً، وقد مات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفاً مجردة.

وبحسب رواية المسعودي في “مروج الذهب”؛ فقد كان الحجاج يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يقي الناس لهيب حرِّ الشمس صيفاً ولا من مطر وبرد وجفاف الشتاء، كما كان له غير ذلك من أنماط التعذيب.

وفاة الحجاج:

توفي الحجاج بواسط يوم الجمعة، 21 رمضان، سنة 95هـ، وعمره حينذاك 54 عاماً.

الإدريسي جال أيضاً في مدينة واسط التي توفي بها الحجاج بن يوسف
الإدريسي جال أيضاً في مدينة واسط التي توفي بها الحجَّاج

وفي هذا الصدد؛ قال علوان الحموي في “نسمات الأسحار”: لمَّا بلغ الحسن (البصري) قتل الحجَّاج لسعيد بن جبير، قال: اللهُم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجَّاج، فما بقي إلَّا ثلاثاً حتى وقع في جوفه الأكلة والدُّود فمات”.

المصادر:

  • الأعلام (2/168).
  • البداية والنهاية (12/510).
  • الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه (3).
  • سير أعلام النبلاء (4/343/رقم 117).
  • وفيات الأعيان (2/29).
  • المسعودي، مروج الذهب.
  • جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.
  • جامع كرامات الأولياء للنبهاني، تحقيق إبراهيم عطوة عوض.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى