أخبار العربانفوجرافيكس

الحارث بن حلزة اليشكري .. صاحب الشعر الارتجالي

في الأمثال (أفخر من الحارث بن حِلِزَّة) شارة إلى إكثاره من الفخر في معلقته

الحارث بن حلزة اليشكري:-

الحارث بن حلزة اليشكري هو الحارث بن حلّزة بن مكروه بن يزيد بن عبد الله بن مالك بن عبد بن سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر بن وائل، ينتسب إلى بادية العراق، وقد كان أبرصاً.

عاش في الفترة الواقعة التي تنتهي بالعام 50 قبل الهجرة، أي ما قبل سنة 570 ميلادية.

أسلوبه الشعري:-

يجمع أسلوبه الشعري ما بين القيمة التاريخية والأدبية، فقد قال محقق ديوانه: إن الحارث بن حلزة كان بمثابة الخطيب الذي ينافح عن قومه ومكانتهم وعزَّتهم، معتبراً إياه أحد أكثر شعراء المعلقات قرباً إلى الرصانة والالتزام، وأبعدهم عن السفه والحماس المتهور.

يتجلى في أسلوبه الشعري؛ روعة الإيجاز، وقوة الحُجَّة، إلى جانب عنايته بالتمثيل البياني، والحرص على المتانة وقوة التركيب.

طبيعة العقلية السائدة عند العرب في فترة ما قبل الإسلام
طبيعة العقلية السائدة عند العرب في فترة ما قبل الإسلام

أدرِج الحارث بن حلزة اليشكري في الدرجة الثانية من الطبقة السادسة من فحول شعراء الجاهلية، بعد عمرو بن كلثوم ومعه عنترة بن شداد، وسُويد بن أبي كاهل.

شعر الحارث بن حلزة:-

ومما يتمثل به من شعره:

فـعِــشْ بِجَـــــدٍّ لا يَضِــــــرْ… كَ النُّـــوكُ ما أُوتيتَ جَدَّا

والنُّـــوكُ خَيْــرٌ فــي ظِــــــلاَ… لِ العَيْشِ ممَّنْ عاشَ كَدَّا

معلقة الحارث بن حلزة:-

كان الشاعر الحارث بن حلزة اليشكري فخوراً، وفي أمثال العرب: ” أفخرُ من الحارث بن حِلزة”، إشارة إلى إكثاره من الفخر في معلقته الشهيرة، وهو أحد أصحاب المعلقات، تمتاز هذه المعلقة بإحكام نسجها وتنوع أغراضها، وبأنها أثر من آثار البديهة والارتجال؛ فقد ارتجل معلقته بين يدي عمرو بن هند الملك بالحيرة، جمع بها كثيراً من أخبار العرب ووقائعهم، ومطلعها آذنتنا ببينها أسماء:

آَذَنَـتـنــــا بِـبَـيـنِــهـــــا أَســمـــــــاءُ .. رُبَّ ثــاوٍ يُمَــلُّ مِـــنهُ الثَـــواءُ

آَذَنَـتـنــــا بِـبَـيـنِــهــــا ثُــــمَّ وَلَّــت .. لَيـتَ شِعري مَتى يَكونُ اللِقاءُ

بَعــدَ عَهــدٍ لَهـا بِبُـرقَـــــةِ شَمّــا.. ءَ فَأَدنـى ديـارَهــا الخَـلصَــاءُ

فَمَحـــيّــاةٌ فَـالصَفـــاحُ فَـأَعـلـــــى .. ذي فِــتاقٍ فَغَــاذِبٌ فَالوَفــاءُ

فَرياضُ القَـطــا فَأَودِيَـــةُ الشُــر.. بُبِ فَالشُـعـــبَتانِ فَـالأَبــــلاءُ

لا أَرى مَن عَهِدتُ فيها فَأَبكي الـ.. ــيَومَ دَلهاً وَمــا يَــرُدُّ البُكـــاءُ

ويقال: إن الحارث بن حلزة اليشكري ارتجلها بين يدي عمرو بن هند ارتجالاً، في شيء كان بين بكر وتغلب بعد الصلح، وكان ينشده من وراء السجف؛ للبرص الذي كان به، فأمر برفع السجف بينه وبينه؛ استحساناً لها، وكان الحارث بن حلزة متوكئاً على عنزة، فارتزت في جسده وهو لا يشعر.

العرب اشتهروا بالكرم والشعر.. والصراعات أيضا ( تعبيرية من العام 1916)
العرب اشتهروا بالكرم والشعر.. والصراعات أيضا ( تعبيرية من العام 1916)

وقيل: كان سبب إنشاده هذه القصيدة أن عمرو بن هند ملك الحيرة -وكان جباراً عظيم السلطان- جمع بين بكر وتغلب وأصلح بينهم، وأخذ من الحيين رهناً من كل حي مائة غلام، فكف بعضهم عن بعض، وكان أولئك الرهن يكونون معه في سيره يغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامة التغلبيين وسلم البكريون، فقالت تغلب لبكر بن وائل: أعطونا دية غلماننا، فأبت بكر ذلك، فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم، واجتمعت بكر إلى النعمان بن هرم اليشكري، واجتمع الجمع عند الملك عمرو بن هند، وتلاحى عمرو بن كلثوم والنعمان بن هرم أمام الملك فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، واشتد غضبه على بكر والنعمان صاحبهم، فقام الحارث بن حلزة وارتجل قصيدته ارتجالاً وهو متوكئ على قوسه، وكان الملك يسمع قصيدة الحارث من وراء حجاب؛ لأنه كان لا يحب رؤية أحد فيه سوء، وكان الحارث بن حلزة به وضح فلما أنشد القصيدة أدناه حتى خلص إليه.

وحكمتها وحلمها ووقارها في القصيدة واضحاً جلياً، حيث رد الحارث بن حلزة على تغلب في أناة وهدوء، وحمَّلها تبعة الحرب، واستدرج عمرو بن هند إلى أن يكون في جانب قومه فمدحه ومدح قومه، وبها قضى عمرو لبكر على تغلب، وأطلق رهنهم، وكانوا عدة فتيان من أشراف بكر.

وقد بدأها بالغزل ووصف الناقة، ثم وصل إلى غرضه من الخصومة بين بكر وتغلب:

وَأَتانا عَن الأَراقِـمِ أَنبا.. ءٌ

وَخَطبٌ نُعنى بِهِ وَنُســاءُ

ويرد على عمرو بن كلثوم بقوله:

أَيُّها النـاطِقُ المُرَقِّــشُ عَنّا..

عِندَ عَمــرَوٍ وَهَل لِذاكَ بَقَاءُ؟

ثم يأخذ في مدح عمرو بن هند:

فَمَــلَكنـــا بِذَلِــكَ النـــاسَ حَتّــــى .. مَلَــــكَ الـمُنذِرُ بِنُ ماءِ السَماءِ

مَلِـكٌ أَضلَــعُ البَرِيَّــةِ لا يــو.. جَــدُ فيهـــا لِمــا لَدَيــهِ كِفــاءُ

وفي المعلقة بعد ذلك أبيات لها قيمة كبيرة في شرح أحداث تاريخية وسياسية، من صلح كان بين تغلب:

وَاِذكُرُوا حِلفَ ذي الـمَجازِ وَما قُـ.. ـدِّمَ فيهِ العُهودُ وَالكُفَلاءُ

قال الأصمعي: قد أقوى الحارث بن حلزة في قصيدته التي ارتجلها، قال:

فَمَلَكنـــا بِذَلِــكَ النـــاسَ حَتّــــى .. مَـلَـــكَ الـمُنذِرُ بِنُ ماءِ السَماءِ

قال أبو محمد: ولن يضر ذلك في هذه القصيدة؛ لأنه ارتجلها فكانت كالخطبة.

الشاعر عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب، من بني تغلب، أبو الأسود، شاعر جاهلي من الطبقة الأولى، وُلِدَ في شمالي جزيرة العرب في بلاد ربيعة
استطاع الحارث بن حلزة اليشكري التغلب على عمرو بن كلثوم بقصيدته المرتجلة

استحكام العداء:-

جاء في “العقد الفريد”، لابن عبد ربه الأندلسي، “بُنِيَ دُكَّانٌ بسجستان، بنتهُ بكر بن وائل، فهدمَتْهُ تميم، ثم بنتْهُ تميم فهدَمَتهُ بَكر؛ فتواقعوا في ذلك أربعاً وعشرين وقعة، فقال ابن حِلَّزة في ذلك:

قــرِّبي يــا خِلــيُّ ويحَــكِ دِرْعِي .. لَقِـحَــت حَرْبُنـــــا وحَــربُ تميمِ

إخـــوةٌ قَــرَّشــوا الـذُّنــوبَ عـلينـــا .. فـي حديثٍ مِن دهرِهِمْ وقَديمِ

طـلبــــــوا صُــلحَـنــــــــا ولاَتَ أوانٍ … إنَّ ما يَطلبون فَوْقَ النُّجومِ

الحارث بن حلزة ونهاية مسيرة:-

توفي الشاعر الحارث بن حلزة اليشكري نحو سنة 50ق.هـ-570م.


المصادر:

  • أشعار الشعراء الستة الجاهليين (90).
  • معلقة الحارث بن حلزة، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة.
  • الأعلام (2/154).
  • الشعر والشعراء (1/193/رقم 8).
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه الأندلسي.

Photo by Trevor Cole on Unsplash

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى