أخبار العرب

الحارث بن جبلة الغساني … أشهر ملوك الغساسنة

كان أهل البلاط الروماني يشهدون له بالدهاء، فكانوا يهددون به إمبراطورهم يوستينوس

الغساسنة هم إحدى السلالات العربية التي أسست إمارة قوية، وتحالفت مع الإمبراطورية البيزنطية – الإمبراطورية الرومانية الشرقية – أصلها يعود إلى الأزد، وسبب تسميتهم  بالغساسنة أنهم قطنوا تهامة – جنوب المملكة العربية السعودية حاليًا – قرب عين ماء يُقال لها “غسان”؛ فأُطلق عليهم هذا اللقب ولزمهم، قبل تأسيس دولتهم في بلاد الشام، وكان الحارث بن جبلة الغساني أحد أشهر ملوك الغساسنة، وأرفعهم مكانةً، وأعظمهم شأنًا.

من هو الحارث بن جبلة الغساني ؟

الحارث بن جبلة بن الحارث الرابع بن حجر الغساني ، ويُقال له الحارث الخامس، وهو أحد أشهر ملوك بني جفنة في الشام، أمه هي مارية ذات القرطين، وابنته هي حليمة بنت الحارث التي يُقال فيها: “وما يوم حليمة بسرّ”.

حارب المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وانتصر عليه سنة 528 م، واستعمله الرومان، وكان محيطًا بأسرار الحروب، واشترك في كبح جماح ثورة السامريين بفلسطين سنة 529 م، فمنحه الإمبراطور يوستنيان رتبة الملك، وكانت له سلطة ونفوذ على الكثير من القبائل العربية، واستعمل نفوذه في التصدّي لغارات اللخميين، وهم عمّال الفرس في الحيرة وبادية العراق.

كان يشترك في كثير من المعارك التي دارت بين الفرس والروم، ومنها المعركة التي دارت بينهما سنة 531 م، فاشترك فيها لصالح الرومان تحت قيادة بليزاريوس.

وكان الحارث بن جبلة الغساني داهيةً عظيمَ الهيبة، وكان أهل البلاط الروماني يشهدون له بذلك، فكانوا يهددون به إمبراطورهم يوستينوس، حينما يبالغ في عربدته، فيقولون له: ارجع إلى رشدك أو ندعو لك الحارث بن جبلة؟ فيرتجع ويعود إلى رشده.

عداوته مع المنذر بن ماء السماء :-

كان ملك الحيرة المنذر بن ماء السماء عاملًا للفرس، وقد اشتعلت العداوة بينه وبين الحارث بن جبلة وتعددت الوقائع بينهما، وانتهت بمقتل المنذر وانتصار الحارث سنة 554 م بالقرب من قنسرين.

وقد ذهب الحارث سنة 563م إلى القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية آنذاك، لكي يناقش القيصر في الاستعداد لمواجهة خليفة المنذر وهو ابنه عمرو بن المنذر، وللاتفاق أيضًا على من يخلفه من أولاده في الحكم.

عمرو بن كلثوم أحد شجعان تغلب، كان شاعراً فحلاً، تميز شعره بالفخر والعزة والحماسة، وكان فارساً شجاعاً، ساد قومه وهو في سن الخامسة عشر...
الحارث بن جبلة الغساني خاض حروباً كثيرة

 من يهجو الحارث بن جبلة ؟

كانت العداوة مستميتةً بين المنذر بن ماء السماء والحارث بن جبلة الغساني ، وذات يوم كان المنذر في بلاطه وفي حضرته جمعٌ من الشعراء والندماء؛ فقال: من يستطيع أن يهجو الحارث بن جبلة؟ فقالوا له: حرملة بن عسلة المرّي، وهو حرملة بن حكيم بن عفير بن طارق بن قيس بن مرة بن همام، وأمه عسلة بنت عامر بن شراكة قاتل الجوع الغساني، فدعاه وأمره قائلًا: يا حرملة! اهج الحارث وأَهبُك مائة من خير الإبل، فانتفض حرملة وقال: أبيت اللعن! ما كان لي أن أهجو أخوالي، فتوعّده المنذر بالشرّ، فقال حرملة:

أَلَمْ تَرَ أَنِّي بَلَغتُ المَشِيبا .. لَدَى دارِ قَومي عَفًّا كَسُوبا

وأَنَّ الإلهَ تَنَصَّفْتُهُ .. بأَلاَّ أعقّ وأَلاَّ أَحُوبا

وأَلاَّ أُكاثِرَ ذَا نِعمةٍ .. وأَلاَّ أَرُدَّ أَمراً مُستَشِيبا

وَغَسَّانُ قَومي هُمو ما هُمو .. فهل يُنسينَّهمُ أَنْ أَعِيبا

فآثِر بها بعضَ من يَعتريك .. فإنّ لها من معدٍ كليبا

وإنّ لخالِك مندوحةً .. وأنّ عليه يغيب رقيبا

فتطوع شهاب بن العيف أخو بني سليمة  بهجاء الحارث ليتملّق المنذر ويحظى عنده بمنزلة حسنة، فقال:

لا همَّ إنَّ الحارثَ بن جَبَلَهْ .. زَنَّى على أَبيهِ ثم قَتَلَهْ

ورِكَبَ الشَّادِفَةَ المحَجَّلَهْ .. فأَيُّ شَيءٍ سَيئ لا فَعَلَهْ

فلما دارت معركة عين أباغ بين الفريقين وانتصر الحارث، وقُتل المنذر، كان شهاب بن العيف و حرملة من ضمن الأسرى، وقد بلغ مسامع الحارث ما قاله حرملة وشهاب فيه، فأحضرهما بين يديه، وقال لحرملة ممتنًا: يا حرملة اطلب ما شئت من ملكي، فسأله أن يهبَه جاريتين ضرَّابتين كانتا عنده، فأعطاهما إياه، وكساه وأحسن إليه، وأطلق سراحه، فانطلق بالجاريتين، فنزل بهما في النّمر، فأخذ يشرب هو ورجل نمريّ اسمه كعب، فلما أخذ عقلهما الشراب؛ قال النمري يا حرملة مُرْ هذه المرأة الحمراء الفاتنة أن تسقيني، فغضب حرملة، وضرب عنقه بالسيف، وقال في ذلك:

يا كَعبُ إِنَّكَ لَو قَصَّرتَ عَلى .. حُسنِ النِدامِ وَقِلَّةِ الجُرمِ

وَسَماعِ مُدجِنَةٍ تُعَلِّلُنا .. حَتّى تَؤوبَ تَناوُمَ العُجمِ

لَصَحَوتُ وَالنَمرِيُّ يَحسِبُها .. عَمَّ السِماكِ وَخالَةَ النَجمِ

هَلهِل لِكَعبٍ بِعدَما وَقَعَت .. فَوقَ الشُؤونِ بِمِعصَمٍ فَعمِ

جَسَداً بِهِ نَضحُ الدِماءِ كَما .. قَنَأَت أَنامِلُ قاطِفِ الكَرمِ

وَالخَمرُ لَيسَت مِن أَخيكَ .. وَلَكِن قَد تَخونُ بِآمِنِ الحِلمِ

أتتكَ بحائن رِجلاه :-

فلما مَثُل ابن العَيف بين يدي الحارث قال له : “أتتك بحائن رجلاه” أي أتيت بنفسك لهلاكك، فذهبت مثلًا، ثم قال له: اختر مني واحدةً من ثلاث خلال: إما أن أجعلك وليمة لأسدين ضاربين في بئر، وإما أن ألقيك من أعلى سور دمشق، وإما أن آمر سيّافي واسمه الدلامص فيضربك بعصاه ضربة فتلقى ما تلقاه؟ فاختار ضربة الدلامص، فضربه ضربة فانكسرت فخذه على إثرها، فتكفّل به راهب فداواه حتى برأ، وقِيل ضربه على رأسه؛ فذهب عقله بعدها.

وكان في جيش المنذر أثناء معركة عين أباغ رجلٌ من بني حنيفة، يقال له عمرو بن شمر ، وكان قد خرج متسللًا بجيش المنذر ليلحق بأخواله من غسان، وكانت أمه منهم، فلما شهد مصرع المنذر أخذ بردته، ثم أتى بها الحارث فأخبره أنه قُتل وهذا برده، فأطلق سراحه.

ما يومُ حليمة بسرّ :-

كان الحارث بن جبلة داهية فَطِنًا، ولما أراد أن يجعل رجاله وجنده يستميتون ويتسابقون لقتل عدوه المنذر، فاحتال أن جمع مائةَ رجل من خيرة جنده ورجاله، فلما مَثلوا بين يديه؛ أمر ابنته واسمها حليمة أن تمرّ عليهم وتطيبهم بالمسك رجلًا تلو الآخر، وكانت ذات جمال وفتنة، فشَخُصَت أبصارهم من فرط جمالها، ثم قال لهم: اذهبوا إلى عسكر المنذر، وأخبروهم أنّا نستسلم للتفاوض وسنخضع له، فإذا أمن،  فاحملوا عليه على حين غِرَّة، فأيكم يظفر برأسه يظفر بالزواج من ابنتي حليمة.

وكان من بينهم لبيد بن عمرو، وقد أخذت حليمة لُبّه، وكان أكثرهم ذكاءً، وأرجاهم عند الحارث، فأقسم ليكونن هو من يأتي برأس المنذر، فلما بلغوا المنذر قالوا له:

أتيناك من عند الحارث، وهو يدين لك ويخضع، فاستبشر هو وعسكره، وأمنوا، حتى أجهزوا عليهم في غفلتهم، وقتل لبيد المنذر، وانتصر جند الحارث، غير أن لبيدًا بن عمرو ظلّ يقاتل حتى قُتل ولم يظفر بحليمة، فكانت مضرب المثل بقولهم “وما يوم حليمة بسرّ”، قال النابغة الذبياني في الغساسنة ذاكرًا يوم حليمة :

ولا عَيبَ فيهم غير أن سُيوفَهمْ .. بهنَّ فُلولٌ من قِرَاع الكتائبِ

تُخُيِّرْنَ من أزمان يوم حليمةٍ .. إلى اليوم قد جُرِّبْنَ كلَّ التجاربِ

الحارث بن جبلة أحد أبرز ملوك الغساسنة.

وفاته :-

توفي الحارث بن جبلة الغساني نحو سنة 570م (55 ق.ھ)، بعدما مكث في الحكم قرابة أربعين عامًا.

اقرأ ايضاً النعمان بن المنذر .. الأمير المُحب للشعراء

المصادر:-

● الزركلي، الأعلام، ج2، ص154،153.
● المفضل الضبي، أمثال العرب، ج1، ص26، ص118.
ابن العديم، بغية الطلب، ج2، ص337.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى