أخبار العرب

الحارث بن ظالم المري .. الفاتك الشهير والقاتل المقتول

كان له سيفًا بتَّارًا ناصعًا يُسمى المَعْلوب

تمهيد:-

أبو ليلى الحارث بن ظالم بن جذيمة اليَرْبُوعِيّ بن غيظ المري الغطفانِيّ، ينتهي نسبه إلى قبيلة قيس عيلان، فاتك مشهور كان مَضربَ المثل في صعوبة الظفر به أو النَّيل منه مهما جدَّ في طلبه الطالبون، فقالت العرب “أمنع من الحارث”، إنه أحد سادات وأشراف مُرَّة في الجاهلية.

يُروى أن رجلًا سأله قائلًا : ما الفتك؟ فأجابه : أن تستنجز ولا تستأسن، قال: أريد أَبين من هذا؛ فاخترط سيفه وقتله، وقال: هذا أبين من ذلك! فعُوتب فقال: “سبق السيف العذل”، وعلى ذكر سيفه فقد كان له سيفًا بتَّارًا ناصعًا يُسمى المَعْلوب، وعنه يقول الحارث:

أَنا أَبو لَيْلى وسَيْفِـي المَعْلُوب ..

كَمْ قَدْ أَجَرْنا مِنْ حَرِيْبٍ ومَحْروب

ويقول عنه الفرزدق:

فَلَو كُنْتَ بِالمَعْلُوبِ سَيْف ابنِ ظالِم ..

ضَرَبْتَ لَزارَت قَبْرَ عَوفٍ أَقارِبُه

معاناة اليُتم والرغبة في الإنتقام:-

تجرَّع الحارث بن ظالم المري مَرارة اليُتم منذ طفولته، فشبَّ والرغبة في الانتقام من قاتل أبيه لا تغيب عن ناظرَيه، ولم تشغله عن ذلك سيادة غطفان التي آلتْ إليه بعد مقتل زهير بن جذيمة.

ضغينة الحارث بن ظالم تجاه خالد بن جعفر:-

أغار خالد بن جعفر على رهط الحارث بن ظالم، في وادي حراض، وكان الحارث يومئذٍ غلامًا صغيرًا، فأسرف في قتل الرجال، ومنهم ظالم بن جذيمة الذي هلك من جرَّاء جراحه أثناء تلك الواقعة، ولم يبق إلَّا النساء أيَامَى يبكين رجالهنّ، والحارث بينهنَّ يبكي أباه وحالهنّ، فنشأ ونيران البعض تشبُّ بداخله تجاه خالد بن جعفر، ولاسيما بعد قتل خالد لزهير بن جذيمة سيد غطفان، فسادت عداوته في سائر غطفان، وقد أنشد خالد بن جعفر في ذلك متفاخرًا بتلك الواقعة :

تركـتُ نســــاء يَربــوع بن غـيــظٍ .. أرامــلَ يشتكـين إلـى وَلـيد

يقلــن لحـــارثٍ جــزعــــاً عـلـيـــه .. لــك الخيرات مَالك لا تَسُـود

تركــتُ بنـي جذيمـــة فـي مكـــرٍ .. ونصــراً قد تركت لدى الشُّهود

ومِـنِّـي ســـوف تــأتــي قــــارعـــات .. تبيـد المخـزيات ولا تـبـيد

وقيــس ابن المعـــــارك غــــادرتـه .. قنــــاتـي في فوارس كالأسـود

وحلَّـــت بركهــــا ببنـــي جـحــــاشٍ .. وَقـد مدوا إليها مـن بـعـيد

وحي بنـي سـبـيــعٍ يــوم ســــاقٍ .. تركنــاهـم كـجـارية وبـيد

لقاء الحارث في بلاط الملك:-

وبعدما فعل خالد بن جعفر أفاعيله، لجأ إلى ملك مملكة الحيرة النعمان بن المُنذر ليحتمي ببلاطه – تقول بعض الروايات أنه لجأ إلى الأسود بن المنذر وليس النعمان – فحَماه وآواه، لكنّ الحارث بن ظالم ظل يتربّص ويتحين الفرص ليتودد إلى النعمان ليظفر بخالد بعدما علم ذلك، وعن ذلك يقول الأصمعي : “فضرب الدهر من ضربانه إلى أن التقى خالد بن جعفر والحارث بن ظالم”.

 وبالفعل التقيا ببلاط المنذر، وذات يوم دعا لهما بتمرٍ، فشرع خالد بن جعفر يلقي نوى ما يأكل من التمر بين يدي الحارث – ساخرًا – ليُثير غضبه، فلما فرغا قال: انظروا ما أكل الحارث ! فقال الحارث: أما أنا فألقيت النّوى، وأما أنت فأكلتَ التمر بنواه! فاستشاط خالد غضبًا، وعيّره قائلًا: تنازعني وقد تركتُك يتيمًا في جحور النساء؟ فقال الحارث: ذاك يوم لم أشهده، وأنا اليوم مغن مكاني؛ فقال خالد: أفلا تشكر قتلى زهير بن جذيمة فمِن ثَّم آلَت إليك سيادة غطفان؟ فقال له ساخرًا : بالطبع، سأوافيك جزاء ما صنعت!

وقد أنشد مُتعهدًا بفتكه لا مَحالة بخالد قائلًا :

تعلـــمْ أَبيْت اللّعـــن أنِّــي فاتـكُـــك .. مِـن اليوم أو من بعده بابنِ جعفر

أخــــالـد قد نبهتنــي غيــر نـائـــم .. فَـــلا تأمنن فتكي يد الدهر واحذر

أعيرتنــي إن نلت منــا فــوارســـا .. غــداة حراض مثل جنان عبقر

أصـــابهــم الدَّهـــر الختـــور بخثــرة .. ومَــن لا يق اللهُ الحوادثَ يَعثر

فعلَّــك يومـــاً أن تنــوءَ بضــربــــةٍ .. بكَــفِّ فتى من قومه غير جيدر

يغـض بهــــا عليــا هـــوازن والمـنـــى .. لقـــاء أبي جزء بأبيض مبتر

وقد بيَّت الحارث بن ظالم المري النيَّة للأخذ بثأره، وفي جُنح الليل شقَّ عليه خيمته وهو نائم وقتله، وفي ذلك يقول:

أَلاَ سائِل النُّعْمــانَ إن كنتَ ســـائــلًا .. وَحــيّ كِلاَب هل فتكت بخالدِ

عَشَــوْتُ عليه وابنُ جَعْدةَ دونَــه .. وعُــرْوةُ يَكْلاَ عمَّه غيرَ راقدِ

وقد نَصَبَــا رَجْلًا فباشــرتُ جَــوْزَه .. بكَلْكَــلِ مَخْشِيِّ العداوةِ حاردِ

فأَضـرِبُه بالسَّيــفِ يأفُــوخَ رأسِــه .. فصمّــم حتى نال نُوطَ القلائدِ

ولما قتلَ خالد طلبه النعمان بن المنذر وأخوه الأسود بن المنذر، ثم أغار الأسود على جارات له وسباهنّ لعلَّه يرجع في أثرهنّ، فعظم ذلك الأمر على الحارث، فقرر أن يفتك بشرحبيل بن الأسود هو الآخر، وكان مرضعًا عند أخته سلمى زوجة سنان بن حارثة، فقال لها مُتحايلًا : ادفعيه لي لآتي به الأسود شفيعًا؛ فلما دفعته له قتله، فأخذ الأسود سنانًا حتى أدّى فيه ديّة الملوك ألف بعير، وفي قتل هذا الرضيع – بغير ذنبٍ – يقول الحارث مفتخرًا:

فَــــإِنْ تَـــكُ أَذْوادٌ أُصِبْـنَ وصِبْيَــةٌ .. فَهَــذا ابْنُ سَلْمَى رَأْسُهُ مُتَفاقِمُ

عَلَــوْتُ بِذِي الحَيَّـــاتِ مَفْــرِقَ رَأْسِـــهِ .. وهَـــلْ يَرْكَبُ المَكْرُوهَ إِلاَّ الأَكارِمُ

فَتَكْتُ بِهِ كَمــــا فَتَكْتُ بِخـــالِد .. وكَــــانَ سِلاحِي تَجْتَوِيْهِ الجَماجِمُ

ضاقت الأرض بالحارث بن ظالم:-

بعدما شاع خبر الحارث وفعلته وبلغ الآفاق، جَدَّت بنو عامر – قوم خالد – في طلب الحارث ليقتلوه، فاحتمى بعشيرته من غطفان، لكنهم تخاذلوا عن نصرته وهابوا شرَّ بني عامر وأَبَوا أن يحموه، لكن قيس بن زهير غضب لذلك وبعث له بهذه الأبيات:

جـــزاك الله خيـــرًا مِـنْ خَلِيـــلٍ .. شـفَــى من ذي تُبُولته الخليلا

أزحـتَ بهــا جــوىً ودَخِيــلَ حُــزْنٍ .. تَمَخَّـخَ أعظُمِي زمنًا طويلا

كســـوتَ الجعفـــريَّ أبا جُــــزَيْءٍ .. ولـم تَحْفِلْ به سيفًا صَقِيلا

أبـأْتَ بــه زُهَيْـــرَ بَنِــــي بَغِيــضٍ .. وكنــتَ لِمثْلَها ولها حَمُولا

كشفـتَ لـه القِنــــاعَ وكنتَ ممن .. يُجَلِّـــي العارَ والأمرَ الجليلا

لكن الحارث رد عليه بأبيات شديدة اللهجة قائلًا :

أتانــيَ عـن قُيَيْـسِ بنــي زُهَيْــــرٍ .. مقــالــةُ كاذبٍ ذكر التُّبُولاَ

فلو كنتــم كمــــا قلتــم لكنتــم .. لقـــاتـل ثأرِكم حِرزًا أَصِيلا

ولــكــــن قلتُــم جَـــــاوِر سِـــوَانَــا .. فـقـد جَلَّلْتَنا حَدَثًا جليلا

ولـو كــــانوا هُـمُ قتلـــوا أخــــاكـم .. لَمَّـــا طردوا الذي قتَل القَتيلا

ومن ناحية أخرى، فقد جدَّ المناذرة في طلبه أيضًا، وأرسلوا السرايا لتفقده، لكنهم لم يظفروا به قطّ، فضاقت به الأرض على رحبها، وتلقفته الدنيا من مكان إلى مكان، ومن قبيلة إلى أختها، وكان له في كل مأوى حادثة، وشاع خبره بين القبائل، وصار وجوده مُثيرًا للنزاعات والبلابل، فاتّقت القبائل شؤمه، وانتهى به المطاف بأرض الشام، في جوار الملك يزيد بن عمرو الغساني الذي أكرمه وآواه، لكن ما فتيء الحارث حتي قتل الكاهن الخِمس التغلبي، فأباح الملك دمه لغدره به.

الحارث بن ظالم
زهير شهد سلسلة حروب طاحنة بين القبائل

مقتل الحارث بن ظالم:-

كان الأحرى بالحارث أن تمنعه مرارة اليُتم التي تجرعها من أن يعيث في الناس تقتيلًا، حتى إنه لم يتوان أن يفتك بسيفه شيخًا من كان أو صغيرًا، وها هو يلقى حتفه من جنس عمله على يد ابن أحد ضحاياه الكُثُر، وهو ابن الخِمس التغلبيّ، الذي ظفر به في حوران بأرض الشام، بعد قتله أباه، فقتله عام 600م.

المصادر:-

● الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني.
● المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، 2001.
● نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب، ابن سعيد المغربي، المكتبة الشاملة الحديثة.

https://www.metmuseum.org/art/collection/search/437642

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى