أعلام

عبد القاهر الجرجاني .. مؤسس علم البلاغة

"وعِشْ حماراً تَعِشْ سعيداً فالسَّعدُ في طالِعِ البهائِمِ"

اسمه ونشأته:-

عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد، أبو بكر الجرجاني ، شيخ العربية، وأحد أئمة اللغة، وهو من أهل جُرْجان، وهي مدينة تقع شمال إيران حالياً.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:-

أخذ النحو بجُرْجانَ عن أبي الحسين محمد بن حسن ابن أخت الأستاذ أبي علي الفارسي، ولم يأخذ من غيره؛ لأنه لم يخرج من بلده.

اتفق العلماء والمؤرخون على الثناء عليه بالعلم والدين، ولقَّبوه بالإمام واشتُهِرَ بالنحويّ، من قبل أن يضع علم البلاغة، على أنه كان متكلِّماً وفقيهاً أيضاً.

وقد تبحَّر في علوم العربية، وله شعر حسن، منه هذه الأبيات التي تجسد حالة السخط على حظ العلماء في هذه الحياة:

كبِّر على العلْمِ ولا تَرُمـْه ومِلْ إلى الجهلِ ميلَ هائمِ

وعِشْ حماراً تَعِشْ سعيداً فالسَّعدُ في طالِعِ البهائِمِ

أقوال العلماء فيه:-

قال عنه الذهبي: “كان شافعياً، عالماً، أشعرياً، ذا نُسُكٍ ودينٍ”.

وقال عنه السِّلَفِيُّ: “كان ورعاً قانعاً، دخل عليه لصٌّ، فأخذ ما وجد، وهو ينظر، وهو في الصلاة فما قطعها”.

وقال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: “عبد القاهر ابن عبد الرحمن، الشيخ الكبير أبو بكر الجرجاني النحويُّ المتكلِّم على مذهب الأشعري، الفقيه على مذهب الشافعي، أخذ النحو  بجرجان عن أبي الحسين محمد بن الحسين الفارسي ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي، وصار الإمام المشهور المقصود من جميع الجهات، مع الدين المتين، والوَرَع والسكون”.

وقال ابن قاضي شهبة: “كان شافعيَّ المذهب، متكلماً على طريقة الأشعري، وفيه دِينٌ، وله فضيلةٌ تامةٌ بالنحو، وصنَّف كتباً كثيرةً”.

عبد القاهر الجرجاني صاحب البلاغة الذي توفي مُعدماً
الجرجاني صاحب البلاغة الذي توفي مُعدماً

شيوخ الجرجاني:-

  • القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الحسن الجرجاني، المتوفى سنة 392 هجرية، وهو صاجب كتاب “الوساطة بين المتنبي وخصومه، وقد كان قاضِ لجرجان ثم وولي قضاء قضاة الرَّي، ترقى في العلوم حتى برع في الفقه والنَّحو وبقية العلوم.
  • أبو الحسين، محمد بن الحسن بن محمد بن عبد الوارث الفارسي، المتوفى سنة 421 هجرية، نزيل جرجان، وابن أخت أبي علي الفارسي، ويعتبر أحد أعيان العلم والفضل، وإمام النَّحو بعد خاله الفارسي.

تلاميذ الجرجاني:-

الجرجاني “لم يزل مقيماً بجرجان يفيد الراحلين والوافدين إليه”، فرغم تردد الكثيرين عليه للتعلُّم منه، غير أن مصادر ترجمة مؤسِّس علم البلاغة، لم تأتِ على ذكر سوى تلميذ واحد من تلاميذه، وهو: علي بن أبي زيد محمد بن علي الفصيحي (المتوفى سنة 516 هجرية).

وقد سُمِّيَ بالفصيحي وذلك نظراً لكثرة إعادته ودرسه كتاب “الفصيح” لثعلب النحوي، وقد تميز الفصيحي بأنه كان نحوياً حاذقاً، درس الأدب بالمدرسة النِّظامية، وتثقف عليه جماعة، وأخذوا ما أخذه من عبد القاهر.

وضع علم البلاغة:-

لقد صرَّح غير واحد من العلماء الأعلام بأن عبد القاهر الجرجاني هو واضع علم البلاغة ومؤسسه وإن تجاهل البعض نسب الفضل إليه من قبيل العلَّامة ابن خلدون.

ويقول السيد يحيى بن حمزة الحسيني صاحب كتاب “الطراز، في علوم حقائق الإعجاز”، مانصه: “وأول من أسَّس من هذه الفن قواعده وأوضح براهينه، وأظهر فوائده ورتَّب أفانينه، الشيخ العالم النِّحرير عَلَم المحققين عبد القاهر الجرجاني، فلقد فكَّ قيد الغرائب بالتقييد، وهدَّ من سور المشكلات بالتسوير المشيد، وفتح أزاهره من أكمامها، وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها، فجزاه الله عن الإسلام أفضل الجزاء، وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والأجزاء..”.

وقد كتَبَ بعض البلغاء قبل عبد القاهر في مسائل من البيان، كالجاحظ وابن دُريد وقُدامة الكاتب، بيد أنهم لم يبلغوا فيما بنوه أن جعلوه فناً مرفوع القواعد، مفتَّح الأبواب، كما فعل الجرجاني من بَعدهم.

الجاحظ - عبد القاهر الجرجاني

وربَّما ألَّف الجرجاني بعض كتبه مثل “دُرج الدرر” في بداية حياته العملية، وقبل أن يستوي في تفكيره مفهوم نظريَّة النظم، وأنه كان حنفياً ثم صار شافعياً، وليس هذا بدعاً بين العلماء السابقين والمعاصرين واللاحقين له، ويتضح في التسلسل الزمني لمسيرة أبي بكر، أنه كان يميل إلى آراء الكوفيين النحوية، ثم استقرَّ بعد ذلك على المذهب البصري، حيث أن هذا كله كان في المرحلة التي ينطبق عليه فيها ما وصفه جمال الدين القِفطي من أنَّه” كان ضيِّق العَطَنِ، لا يستوفي الكلامَ على ما يذكره مع قدرته على ذلك”.

كتب الجرجاني:-

وقال محمود محمد شاكر في تقديمه لكتاب “أسرار البلاغة”: إن هذا الأخير بالإضافة إلى “دلائل الإعجاز” يعتبران أصلان جليلان في البلاغة، لم يسبقهما سابقُ ممن كتب في البلاغة، وهما ككتاب سيبويه في النحو بل أشد تعقيداً… وفيما يلي أبرز كتب الجرجاني:

  1. المغني في شرح الإيضاح، شرح فيه كتاب أبي علي الفارسي «الإيضاح في علم النحو»، في ثلاثين مجلداً.
  2. المقتصد، وهو مختصر كتاب «المغني».
  3. أسرار البلاغة.
  4. دلائل الإعجاز في علم المعاني.
  5. دَرْجُ الدُّرر في تَفِسيِر الآيِ والسُّوَر.
  6. إعجاز القرآن.
  7. العوامل المائة، في النحو.
  8. الجمل، في النحو.
  9. المفتاح في الصرف.
  10. العمدة في تصريف الأفعال.

حياة بسيطة متواضعة:-

ومع هذا العلم الغزير، والإنتاج القيِّم؛ يتضح بأن عبد القاهر عاش حياة بسيطة متقشفة نسبياً لم يرضها لنفسه، حيث ظهر شاكياً الزمان وأصحابه في بعض أشعاره.

ولم يصل المؤرخون إلى معلومات دقيقة حول مصادر دخل الجرجاني ، ولكن ما خلَّفه لنا من أشعار كثيرة في ذم الزمان وأهله، يمكن أن يعطينا صورة عن نمط حالته المعيشية، لا سيما وأنه حينما كان لا يجد راحة ممن جمع لهم وألَّف، فقال:

أي وقتٍ هذا الذي نَحنُ فيهِ قد دجَا بالقياسِ والتشبيهِ

كلما سارت العقولُ لكي تقطَع تيهاً .. توغَّلت في تيهِ

ولعلهُ أيضاً كان يرى بأن الناس لا يرتقون إلى المناصب التي تضمن لهم رغد العيش؛ إلا على حساب العِزَّة والأنفة، فيسخط ويقول:

هذا زمـــــــــانٌ لـــيس فـيه … سوى النــذَّالةِ والجـــهَالة

لم يَـــــرقَ فيهِ صــــــاعدٌ … إلَّا وســـــُلَّــمُهُ النَّـــذَالة

ذلك لأنه ما كان يرضى أن يغيِّر من طبيعته، أو أن يذل نفسه لأناس آخرين، سواء استحقوا ذلك أم لم
يستحقوا، فهو يكرة التملق والنفاق.

ومع ذلك؛ فقد عاش الجرجاني في مدينته الرائقة ذات الطبيعة الجميلة، المتنوعة المناظر، والتي كان
أهلها يعيشون على أسس وتقاليد خلقية حميدة، هذه المدينة “جرجان” التي خرج من رحِمها عدد كبير من
العلماء والفقهاء والمفكرين، الذين كان عبد القاهر أحد أكثرهم شهرة وصيتاً.

وفاة الجرجاني:-

قال الحافظ الذهبي في تاريخه “دول الإسلام”: و”في سنة أحدى وسبعين وأربعمائة؛ مات إمام النحاة أبو
بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني ، صاحب التصانيف”، وقال السبكي في الطبقات : “..وقيل 474
هجرية”.

إحدى قرى جرجان الواقعة في إيران المعاصرة - عبد القاهر الجرجاني
إحدى قرى جرجان الواقعة في إيران المعاصرة

المصادر:

الأعلام (4/84).

بغية الوعاة (2/106/رقم 1557).

الجرجاني ، د. أحمد أحمد بدوي.

مقدمة كتاب أسرار البلاغة للجرجاني، قراءة وتعليق محمود محمد شاكر.

درج الدرر في تفسير القرآن العظيم، تحقيق: الفرحان وشكور.

انباه الرواة على أنباه النحاة – ج 2

سير أعلام النبلاء (18/432/رقم 219).

طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (1/252/رقم 215).

وفيات الأعيان (2/244/رقم 220).

Image by Pezibear from Pixabay 

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/8/8a/Ziyarat_Village_-_Gorgan_-_Iran_%28pano%29_-_panoramio.jpg

https://www.tasnimnews.com/en/news/2018/12/24/1904634/gorgan-in-autumn-perfect-destination-for-nature-lovers

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق