أعلام

الجواهري .. الشاعر الكبير المتضامن مع قضايا أمته

قفْ بالمعرّة وامسَح خدَّها التَرِبا.. واستوح من طوق الدنيا بما وهبا

اسمه ونشأته:-

محمد مهدي الجواهري ، من أبرز الشعراء العراقيين، ولد في مدينة النجف الأشرف سنة 1317هـ-1899م، ونشأ في أسرة لها باع طويل في الأدب والدين، كان لجده محمد حسن مكانة دينية وفقهية مرموقة، ألَّف موسوعة فقهية شهيرة تدعى «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام».

جانب من مدينة النجف حيث ولد الجواهري
جانب من مدينة النجف في العام 1932 م

مكانته الشعرية:-

تعلم النحو والصرف والبلاغة، والفقه، ونظَّم الشعر وعمره 16 عاماً، ونشر أولى قصائده «الشاعر المقبور» سنة 1920م، ولُقِّب «نابغة النجف»، كما ألَّف قصيدة «الثورة العراقية» في الذكرى الأولى لثورة العشرين:

لعــلَّ الذي ولـى من الدهــر راجــع .. فَــلا عيش إن لم يبق إلاّ المطامــع

غُـرور يمنينــا الحيــاة: وصفوهـــا .. سـراب وجنــات الأماني بلاقع

نَظَمَ هذه الأبيات بمناسبة ثورة 1921 م أيضاً:

إِن كانَ طالَ الأمَدُ.. فبعدَ ذا اليومِ غَدُ

مــــا آن أن تجلـــــو القَـــــذى … عَنهـــــا العيونُ الـرَّمَدُ

أسيافُــــكُــــم مُــــرهَــــفةٌ.. وعَـــزمُــــكم متَّقِـــــدُّ

هُبُّوا كَفَتكُم عِبرةً.. أخبارُ من رَقَدُوا

هُبـوا فعن عرِينهِ.. كيف ينام الأسـدُ ؟

وثورةٌ بل جَمْـرةٌ.. ليَعـْـرُب لا تخمدُ

أجَّجَهـا إبـاؤهــم.. وَالحُـرُّ لا يستعبدُ

لا تنثني عـن بلـدٍ.. حتى يُشبَّ البلـدُ

تتابعت بعد ذلك أشعار وقصادئده التي دعاء فيها إلى نبذ الظلم والتخلف، وحب الوطن، ومواساة البائسين والمحتاجين، فكان شعره يروي لسان حال شعبه وأمته.

سلامٌ على أرض الرُّصافة للجواهري

وفيما يلي بعضاً من أبيات قصيدته “سلامٌ على أرض الرُّصافة” والتي نشرتها مجلة العرفان في مطلع العام 1923 م:

صبـوتُ إلى أرضِ العِــــراق وبَـرْدِهـــا .. إذا ما تصــابى ذو الهوى لِرُبَى نَجْدِ

بلادٌ بها استعــذبتُ مـــاء شبيبتي.. هوىً ولبست العزَّ بُـرداً على بُــردِ

وصلتُ بها عُمرَ الشَّبـــابِ وشَـرْخَـهُ.. بذكـــرٍ على قُرْبٍ وشوقٍ على بُعـدِ

بَـذلتُ لهـــا حـقَّ الـــوِداد رِعـــــــايةً.. وما حفــظ الودَّ المُقيــــمَ سِوَى الودِ

سَلامٌ على أرضِ الرُّصـــافـــة إنَّهــــا.. مَراحُ ذوي الشَّكوى وسَلوى ذوي الوَجْدِ

لَهـــا اللـــه ما أبهى ودِجلـــةُ حولــها.. تَـلُفُّ كما التــفَّ السِّوارُ على الزِّندِ

يُعطِّرُ أرجــاهــا النَّسِــيمُ كأنَّمـــا.. تنفَّسَ فيها الــرَّوضُ عن عابِـقِ النَّدِ

هواؤكِ أم نشرٌ من المِسك نــافـحٌ.. وأرضُـــكِ يا بغــداد أم جنَّـةُ الخُلـدِ

أحبـــاي بالزَّوراء كيــفَ تغيَّرت.. رســـوم هوىً لم يُرْعَ جانبــِهِ بَعدي

رَضِينـــا بِحُكـمِ الدَّهرِ لا جـوُّ عيشنـا.. بِـصـافٍ ولا حبل الــوداد بممتـدِّ

كأن لم نحمِّــــلْ بينَنـــا عاتقَ الصِّبـــا.. رَسائلَ أعيتـهُ من الأخـذِ والـرَّدِ

جفـوتُـمْ ولَـمْ أُنْكِـر جفاكم فلسـتُم.. بأوَّل صَحْبٍ لَـمْ يدومـوا على العَهدِ

التحق بالسلك التعليمي سنة 1927م، وبقي فيه ثلاث سنوات، وأصدر بعد ذلك أول دواوينه «حلبة الأدب»، ومن ثم «بين الشعور والعاطفة»، وهنا لمع نجمه وذاع صيته، وتم اختياره للعمل في البلاط الملكي، ولكنه استقال بعد استياء الأوضاع السياسية.

دافع الجواهري عن حق المرأة في التعليم ودعا إلى فتح مدارس للبنات، وأنشد في ذلك:

عَلِّموها فقد كفاكُم شَنار ..

وكَفَاهَا أَنْ تَحسبَ العِلمَ عَارا

له قصائد غزلية تفوح بالحب والجمال والرقة، والجرأة والتمرد، أثير حولها الكثير من الكلام؛ منها قصيدة «جربيني» التي يقول فيها:

جــرّبينــي منْ قبـــلِ انْ تــزدَرينــي .. وإذا ما ذممتِني فاهجرِيِني

ويَقينـــاً ستنـدميــنَ علـــى أنَّـــكِ .. مــن قبلُ كنتِ لمْ تعرفيني

أنا لي في الحيـــاةِ طبـــعٌ رقيـــقٌ .. يتنــافى ولونَ وجهي الحزين

الجواهري يمر بمراحل نفسية مختلفة:-

مرَّ الشَّاعر الكبير بأطوار نفسية متأرجحة بين التفاؤل والتشاؤم، وقد نَظَمَ قصيدة “المحرقة” في عام 1931 م وذلك بعد أن عايشَ أزمة نفسية حادَّة على خلفية معاصرته لظروف خاصة عنيفة، وملابسات سياسية واقتصادية، حيث أنشد قائلاً:

أُحَـاولُ خَرْقــاً في الحيــاةِ فــما أجــرا.. وآسَفُ أن أمضي ولم أُبــقِ لي ذِكـرا

ويُــؤلمني فَــرْطُ افتكــــاري بأنَّــــني.. سأذهبُ لا نفعــاً جَلَبْــتُ ولا ضُــرَّا

مضتْ حِججٌ عشْرٌ ونفسي كأنــهـــا.. مِنَ الغيظِ سيلٌ سُـدَّ في وجهِهِ المَجرى

خَبَرْتُ بهـــا ما لــو تخلَّـــدتُ بعدَه .. لمــا ازدَدْتُ عِلمـــاً بالحيــاةِ ولا خُــبرا

ألم ترني من فَـــرطِ شـــكٍّ ورِيبـــــةٍ.. أري النَّاسَ، حتى صاحبي، نظــراً شزرا

توفي الشاعر المصري الكبير حافظ إبراهيم بالقاهرة سنة 1351هـ-1932م، وقد رثاه الجواهري قائلاً:

نَعَــوا إلى الشِّعر حُـرَّا كــان يرعـاهُ.. ومَـنْ يَشُقُّ على الأحــرارِ مَنعـــاهُ

أَخنَى الزَّمــانُ على نــادٍ “زها” زَمَــناً.. بحافِــظٍ واكتسى بالحُــزنِ مغنـاهُ

واستُدْرِجَ الكَوكَــبُ الوضَّاءُ عن أفُقٍ.. عالي السَّنــا يُحسِرُ الأبصارِ مَرقــاهُ

حــوى التُّـــراب لِســاناً كُـلُّــــهُ مُلَـحٌ .. ما كُـلُّ محترفٍ للشِّعـرِ يُعطــاهُ

للأريحيــَّة مَنْشــــاهُ، ومَصْــدَرُهُ.. وللشَّجــاوةِ والإينــــاسِ حَـدَّاهُ

جَمُّ البَدَائِهِ ، سَهْــلُ القـولِ، ريِّضُهُ.. وطالمـــا أعوزَ المِنطيقَ إبداهُ

إنَّــا فَقَـدنـــاه فَقْـدَ العَيــن مُقلَتـهــــا .. أو فَقْـدُ ســــاعٍ إلى الهيجــاءِ يُمناهُ

ما انفَكَّ ذِكـرُ الرَّدى يَجري على فَمـِهِ.. ومَـــا أمــرَّ الــرَّدى ، بل أُحيلاه

وَمَنْ تُبَــرِّحْ تَكَــاليفُ الحيـــَــاةِ بهِ.. ويَلمِسُ الــرُّوحَ في مَــوتٍ تمنَّــاهُ

إنّــي تعشَّقْتُ مِنْ قَبــلِ المُصــابِ بهِ.. بيتــاً لَــهُ جاءَ قَبــلَ الموتِ يَنعاهُ:

لبستـــه ودُموعُ الـــــعَينِ فائضــةٌ.. والنَّفـــسُ جيَّاشــةٌ والقَــلبُ أوَّاهُ

الجواهري يرثي أحمد شوقي

نَظَمَ قصيدة لرثاء أمير الشعراء أحمد شوقي وقد ألقاها في الحفل التأبيني الذي نظَّمته الدائرة العربية في المدرسة الأميركية في بغداد يوم 11 تشرين الثاني نوفمبر من العام 1932 قائلاً:

طوى الموتُ ربَّ القوافي الغُـــرَرْ.. وأصبَحَ شوقي رهينَ الحُفَــرْ

وأُلقِــِيَ ذلـكَ التــرُّاثُ العظيـــــمُ .. لِثقــلِ الترُّابِ وضغـطِ الحَجَـــر

وجِئـــنـا نُعــزِّي بــهِ الحـَــاضِـرينَ .. كـــأنْ لم يَكُنْ أمسِ فيمَــنْ حَضَرْ

خَسِــــرْنـــــاكَ كَنْـــــزاً إلــى مِثـلِـــهِ .. إذا أحْـــــوَجَتْ أزمــــةٌ يُفْتَـقَـــرْ

وَ مـــا كُنْـتَ مـن زَمَـــنٍ واحِــــدٍ .. وَلَكِــــنْ نِتَـــــاجَ قَرونٍ عُقُـــرْ

مَضَــى بالعُروبَــــةِ دهْــــرٌ ولـــمْ .. يَلُــــحْ ألمعِــــيٌّ ومَـــرَّتْ عُصُــرْ

وإنّ النُّـبُـــوغَ على مـا يُحيـــــــطُ.. بِعيـــشِ النَوابِــغِ أمـــرٌ عَسِـــرْ

يُثيــــرُ اهتمـــامــــاً أديبٌ يجـــد .. كَمَــــا قِيـــلَ نَجْــــمٌ جديـــدٌ ظَهَـــرْ

قُـــرونٌ مضتْ لَــمْ يَسُـــدَّ العِــــراقُ.. مِن المتنبي مَكـــانــاً شَغَــرْ

وَلَــمْ تتـــبــدَّلْ سَـــمـــاءُ البــِـــــلادِ .. ولا حـــالَ مِنْهـــا الثَّــــرى والنَّهـــرْ

ولــم يتغيــــرْ عَـــروضُ الخــليــــــل .. ولا العُـــرب قُد بُدّلـــوا بالتَترْ

ولــــكِنَّمــــا تُنْتِـــجُ النــابِهيـــــــنَ .. مــن الشَّـــــاعرينِ دَواعٍ أُخَـــرْ

فـــإنْ فُقـــدَتْ لــم يشــــعِّ الأريــبُ .. الَّا ليخبــــو كلمحِ البَصَرْ

وجِّهت إليه دعوة إلى دمشق سنة 1944م؛ بمناسبة مرور 1000 سنة على وفاة المعري، وألقى في ذلك المهرجان قصيدة بديعة مدح فيها أبي العلاء المعري، قال فيها:

قِفْ بالمعرّة وامسَح خَدَّها التَرِبا.. واستوحِ من طوق الدنيا بما وهبا

واستوحِ مِنْ طبَّبَ الدُّنيــا بحكمَتِهِ.. وَمَــنْ على جُرحِها مِن رُوحِهِ سَكَبَا

وسائل الحُفْرةَ المرمـــوقَ جانِــبُهـــا.. هل تبتغي مَطمَعَـــاً أو ترتجي طلَـــبا

يــا بُــرجَ مفخَـــرةِ الأجــداث لا تَهِنــي .. أن لَمْ تُكـــوني لأبراج السَّــما قُطُبـــا

وهل تصَحَّـحَ في عُقبـــاكَ مُقْتَــرحٌ.. مِمَّــا تفكَّرتَ، أو حَدَّثْتَ، أو كُتِبــا

نَــــــوَّر لنــا، إِنَّنـــا فـي أي مُـدَّلــجٍ .. مِمَّــا تَشكَّكْتَ، إنْ صِــدقاً وإنْ كذِبــا

أبا العلاءِ، وحتَّى اليومِ ما بَرِحتْ.. صَنَّاجـــةُ الشِّعرِ تُهدي المترفَ الطَّرَبــا

يستنزِلُ الفكرَ من عَليـــا مَنــازِلــهِ.. رأسٌ ليمسَحَ من ذي نعمـــةٍ ذنبا

أبو العلاء العمري

نضال الجواهري:-

ناضل العراقيون ضد معاهدة بورتسموث الجائرة بحقهم واستقلالهم، واشتعلت إثر ذلك وثبة كانون المجيدة سنة 1948م، ونشبت مواجهة بين الجماهير وأعوان النظام الملكي، استُشهِد على أثرها شقيقه جعفر، فانبرى الجواهري ليصب غضبه على القتلى المجرمين في قصيدته البديعة «أخي جعفر»، التي قال فيها:

أتَــعْلَــــــمُ أمْ أنــتَ لا تَعْـلَــــــمُ … بـــأنَّ جِـــراحَ الضحايا فمُ

يصيــحُ على الـمُدْقِعيــنَ الجـــيـاع … أريقــوا دماءكُمُ تُطعَموا

ويهْتِـفُ بالنَّفَـــر الـمُهطِـعـين .. أهينِــــوا لِئامكمُ تُكْرمَوا

وقد تعرض للاعتقال في سجن أبو غريب سنة 1951م؛ بسبب مواقفه النضالية والبطولية المشرفة، انتقل بعد خروجه من السجن إلى مصر، والتقى هنالك بطه حسين، وألقى هنالك قصيدته الشهيرة «مصر» التي قال فيها:

يا (مصرُ) تَستبق الدُهورَ وتعثرُ..

و(النيلُ) يزخرُ والمسلَّةُ تزهرُ

تعاطف الجواهري مع الهموم العربية، وشاركها أحزانها ونضالها، ولم ينس فلسطين التي خصها بقصيدته «فلسطين الدامية»؛ والتي قال فيها:

يا أمة لخصُوم ضدها احتكمت ..

كيفَ ارتضيتِ خصيماً ظالماً حَكَما؟

وكذلك وقف إلى المغرب العربي في نضاله من أجل الاستقلال، وعندما وحين اندلعت ثورة الرابع عشر من تموز سنة 1958م، نظَّم قصيدة «جيش العراق» ممجداً ومباركاً هذه الثورة التي افتتحت عهداً جديداً في تاريخ العراق المعاصر.

عمل الجواهري في الصحافة:-

أصدر عدة صحف؛ منها:

  1. الفرات: وهي أول صحيفة أصدرها سنة 1930م.
  2. الانقلاب.
  3. الأوقات البغدادية.
  4. الثبات.
  5. الجهاد.
  6. الرأي العام.
أحد أحياء مدينة النجف في العام 1932 م

تكريمه:-

اختير رئيساً لاتحاد الأدباء العراقيين ونقيباً للصحفيين، واستضافته وزارة الثقافة السورية سنة 1978م، وألقى فيه قصيدته «دمشق يا جبهة المجد»:

شَممـتُ تُربـكِ لا زُلفـى، ولا مَلَقــا .. وسِـرتُ قَصدك لا خِباً ولا مَذِقا

يا حــاضِــنَ الفِـكـــرِ خَلاقاً كــــأنَّ بهِ .. مـن نسجِ زَهر الرُبى موشيَه أَنقا

لك القوافي، وما وشت مصارفها.. تهدى وما استنَّ مهديها، وما اعتلقا

كما نال الكثير من الجوائز المشهورة؛ منها:

  1. جائزة اللوتس عام 1975م.
  2. جائزة سلطان عويس عام 1991م.
  3. جائزة جبران خليل جبران عام 1993م.

وفاة الجواهري:-

توفي الجواهري في دمشق سنة 1418هـ-1997م.

الجواهري

المصادر:

الموسوعة العربية (7/771).

الجواهري في العيون من أشعاره.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى