معلومات تاريخية

الجهاد البحري في شمال إفريقيا.. دروس في التخطيط والدهاء

استطاع المجاهدون البحريون تحقيق نتائج باهرة عبر عملياتهم المنتظمة

بدأ ظهور مفهوم الجهاد البحري في الوقت الذي كان المحيط الأطلسي لا يزال مجرد بحر ظلمات؛ كان الأوربيون يعيثون فساداً في سواحل المغرب العربي مستعملين أساليب القرصنة.

 وقد امتدت هذه العمليات حتى حدود مدينة الجديدة المغربية الحالية، الأمر الذي ساهم في إخلاء مجموعة من المدن الساحلية، كما أفضى إلى تراجع الأنشطة البحرية فيها.

سفن حربية
لجأ الأوروبيون إلى استخدام أسلوب القرصنة البحرية

إلا أن المغاربة سرعان ما أصبحوا يردون بالمثل على الاعتداءات الأوروبية، فأصبحت مجموعة من مدنهم منصة للنشاط الجهادي البحري المنتظم.

 وسرعان ما ألحق المغاربة أضراراً بليغة في السواحل الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال)، ناهيك عن التجارة المسيحية في غربي البحر الأبيض المتوسط وفي المحيط الأطلسي.

ضعف الدولة المغربية يغذي حركة الجهاد البحري :

امتدت حركة الجهاد البحري لقرون طويلة بدءاً من القرن 14 م وازدهرت بشكل كبير خلال القرون الثلاثة اللاحقة.

ويعود السبب في ذلك إلى تداخل مجموعة من العوامل، أهمها الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت البلاد إثر وباء الطاعون الأسود بعد سنة 1348 م، وتراجع الاستفادة من تجارة القوافل، وضعف السلطة المركزية بعد اغتيال السلطان أبي عنان المريني سنة 1358 م.

 وأدى احتلال البرتغاليين لمجموعة من الثغور المغربية سنة 1415 م وما بعدها؛ إلى إثارة مشاعر الغضب والحقد ضدهم، فالتجأ المغاربة بذلك إلى تنظيم أنفسهم من أجل مواجهة هذا الغزو عبر عمليات الجهاد البحري.

صورة للمغرب
المغاربة تأهبوا للرد – مكتبة الكونغرس

حقد الموريسكيين :

ويضاف إلى الأسباب السابقة الذكر؛ سبب آخر يتجلى في الحقد الذي حمله الموريسكيون أو المطرودون من الأندلس للأوربيين، فبمجرد استرجاع الأندلس؛ قام الإسبان بطرد المسلمين منها، وذلك بعد أن انتزعوا منهم كل أملاكهم وجردوهم منها.

اقرأ هنا الأندلس: قرون من الحروب المستعرة بين المسلمين والمسيحيين

فالموريسكيون الذين طردوا من ديارهم التي أقاموا بها قرابة ثمانية قرون، لم ينسوا ما تعرضوا له من إهانة وبطش واعتداء من طرف الأوروبيين، الأمر الذي دفعهم إلى تقديم كل الدعم والمساعدة للمجاهدين البحريين رغبة في الثأر والانتقام.

سلا أهم قواعد الجهاد البحري :

تتابعت هجرة الموريكسيين بشكل كبير نحو إفريقيا خلال القرن 16 ميلادي، خاصة بعد إقرار الملك فيليب الثالث (1578– 1621 م) توصية تقضي بالطرد النهائي لجميع المسلمين الذين ما زالوا فوق التراب الإسباني.

 وقد التجأ بعض المسلمين المطرودين من الأندلس إلى المغرب، واستقروا بمدن تطوان وفاس والعرائش.

 بينما اختار عدد كبير منهم الاقامة بمدينتي سلا والرباط اللتان تقعان على مصب نهر أبي رقراق على المحيط الأطلسي، وأنشأوا مجتمعا مصغراً خاصاً بهم تضمن مجموعة من أصحاب الخبرات في الملاحة والميدان البحري.

الرحالة شمس الدين المقدسي يصف اقليم المغرب
الرحالة شمس الدين المقدسي يصف إقليم المغرب

وكانت أسرة الحرناشيين من أشهر العائلات التي تزعمت هذا الميدان، نظرا لكونها من أكثر الأسر الأندلسية المهاجرة من الأندلس ثراءً من جهة، وخشية من بطش سلطات إسبانيا من جهة ثانية.

وبمجرد استقرارها بمدينة سلا؛ تعاونت هذه الأسرة مع عناصر حركة الجهاد البحري الموجودة في المنطقة، مستفيدة من ثروتها الكبيرة ومن مهارات أبنائها الذين عُرفوا بحبهم للقتال وركوب الأهوال.

امتداد الجهاد حتى سواحل بريطانيا وآيسلندا:

استطاع المجاهدون البحريون تحقيق نتائج باهرة عبر عملياتهم المنتظمة، ففي الفترة الممتدة ما بين عامي 1618 و1626 م، تمكنوا من تحقيق مكاسب مالية تجاوزت 15 مليون جنيه، نتيجة بيع الغنائم أو أموال فداء الأسرى الأوربيين.

ولم تقتصر عمليات الجهاد البحري على سواحل البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي، بل امتدت هجماتهم إلى جزر الخالدات (الكناري) وسواحل بريطانيا وآيسلندا وفرنسا رغبة في إضعاف القوة الأوروبية عن طريق الاعتداء على سفنها.

مجسم للكرة الارضية
المعارك وصلت إلى آيسلندا

وأمام تزايد عمليات القرصنة؛ التجأت الدول الأوربية إلى بعث قناصلها لعقد مفاوضات مع عناصر المقاومة البحرية، خاصة بريطانيا التي  فاوضت جمهورية  أبي رقراق  عن طريق ممثلها ماين ورينغ Main waring  وذلك من أجل تحرير الأسرى المسيحيين عموما .

المجاهدون يتبعون نظاماً دقيقاً لتحقيق أهدافهم :

ونظرا لخسائرهم الفادحة؛ لجأ الأوربيون إلى مجموعة من الوسائل لحماية سفنهم من هجمات القرصنة البحرية، كتجهيز بعضها بالمدافع، أو الامتناع عن تصدير السفن إلى المغرب، إضافة إلى عقد اتفاقيات سلام مع المجاهدين البحريين.

ولتجاوز العقبات السابقة الذكر؛ اضطر المجاهدون البحريون إلى اتباع تكتيك ذكي، يتمثل في رفع الأعلام الاسبانية فوق بواخرهم بمجرد الوصول إلى سواحل إسبانيا من أجل خداع السفن الأوروبية، ليقوموا بعدها بتنفيذ عمليات خاطفة ثم يعودون نحو السواحل المغربية محملين بالغنائم والأسلحة والأسرى.

رسم لسفن حربية يعود الى عاد 1700
رسم لسفن حربية يعود إلى العام 1700 م – مكتبة الكونغرس

واعتمد المجاهدون على ترصُّد حركة السفن القادمة من أمريكا خاصة، لكونها تتوفر على حمولات ضخمة من سبائك الذهب، الأمر الذي يوفر لهم أرباحاً طائلة.

وكانت هذه الأرباح تقسم إلى عدة أجزاء، فهناك جزء يقدم إلى الدولة أو بيت المال، و آخر لرب السفينة، بينما الباقي يقسَّم على طاقم السفينة الذي يضم الربان والطبيب والجراح وضباط المدافع وغيرهم.

الخاتمة:

ينبغي القول: إن عمليات القرصنة خلال هذه الفترة كانت تتخذ صبغة جهاد بحري في عصر الانحطاط الإسلامي و ضعف الدولة المغربية، فكانت العمليات البحرية التي تنفذها تمثل عنصر قوة بالنسبة للشمال الإفريقي.

احياء المغرب في عام 1904
أحد أحياء المغرب في العام 1904 م – مكتبة الكونغرس

المصادر :

  • روجي كواندرو، كتاب قراصنة سلا، ترجمة محمد محمود.
  • أحمد بوشارب، قراصنة المحيط الأطلسي

http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/5251

https://www.sasapost.com/muslim-piracy/

Travel vector created by vectorpouch – www.freepik.com

https://www.freepik.com/free-photo/galleon-sailing-by-sea_879694.htm#page=2&query=ship&position=16

https://www.freepik.com/free-photo/paper-boat-sailing-globe_2166115.htm#page=3&query=ship&position=46

https://www.hespress.com/histoire/455989.html

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى