نوادر العرب

نوادر الجمَّاز

هو أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حمَّاد بن عطاء بن ياسر، وقيل: إنه من أسرة من حِمْيَر صليبة نالها سباء في خلافة أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد كان الجماز صاحباً لأبي نوَّاس، فلم يفرِّقهما سوى الموت.

مواقف متنوعة:-

ومن بين المِلح والنوادر التي نُقِلت عنه أن رجلاً قال له: يا أبا عبد الله، أنا رجلٌ جامد العين، لو ماتَ أبي ما بكيت، ولكن إذا سمعتُ الصَّوتَ الفريح من الوجه المليح؛ بكيتُ حتى أُغِميَ عليَ، فعلامَ يدُلُ ذلك؟، فقال: على أنَّك لا تُفلِحُ أبداً.

وقال له رجل: أردتُ أن أحمِلَ أمي إلى بغداد، فخِفتُ إن حملتها في البحر أن تُعطب، وإن حملتها في البرّ أن تتعب، فقال له: خُذها في سفتجة.

وقال له آخر: أشتهي أن أرى الشيطان: فقال له: انظُر في المرآة فإنَّكَ تراه.

وقال له رجل: أنا وجِعٌ من دمل فيّ، قال له: وأين هي؟ قال: في أخسِّ موضع مني، قال: كذبت، لأني لا أرى في وجهك شيئاً.

مع المتوكِّل:-

قال بعض جُلساء المتوكل (الخليفة العباسي): كُنَّا نُكثِرُ عنده ذِكر الجماز حتى اشتاقه، فكَتَبَ في حملهِ من البصرة، فلمَّا دَخَلَ عليه أفحم.

فقال له المتوكِّل تكلَّم فإنني أُريدُ أن استبرئك، فقال: بحيضة أم حيضتين يا أمير المؤمنين؟، فضحك المتوكِّل، ثمَّ قال له الفتح: قد ولَّاك أمير المؤمنين على الكِلاب والقِرَدَة، قال: فاسمع لي وأطِع فأنتَ من رعِيَتي.

فقال له: إذا وهَبَ لك أمير المؤمنين جارية، فما تصنعُ بها؟، فقال: أنا أعرفُ نفسي، ما تحتاج والله جارية، إلَّا أن أقوِّد عليها، فضحك المتوكِل، وأمر له بعشرة الآف درهم، فمات فرحاً، ولم يصل إلى البصرة. وكان مما قاله الجمَّاز في المتوكِل:

قالو امتدحتَ الإمام قلتُ لهُم .. أخــــافُ ألا أحـــــــــــــدّه بصفه

وكيف يعطي على المــــدائح من .. كـــــــان أبو السّمط عند طرفه

كأن إنشادنــــــا مدائحـــــــــه .. أنصــــافُ كُتُبٍ ليست بمؤتلفه

وأبو السَّمط ، هو مروان بن أبي حفصة، شاعرٌ عاليَ الطَّبقة، وحكى عنه الأصمعي، وكان أثيراً عند المتوِّكل.

الضيق:-

وكان الجماز لا يدخُلُ بيته أكثر من ثلاثة لضيقه، فدعا ثلاثةً من إخوانه، فأتاه ستة، ووقف كل واحدٍ على رِجل وقرعوا الباب، فنَظَر من كُوَّةٍ أسفل الباب، وكذلك كان يعمل، فعدَّ ستة أرجُل، فلمَّا فتح الباب دخلوا؛ فقال: اخرجوا عني فإني دعوتُ أناساً ولم أدعُ كراكي (جمع كُركي وهو طائرٌ كبيرٌ طويلُ العُنُق أبتر الذَنَب).

وقال الجماز لبعض المسجديين:

تركتُ المسجد الجامع والتَّركُ لهُ ريبه

فلا نافلةً تأتي ولا تشهد مكتوبه

وأخبارك تأتينا على الأعلام منصوبه

فإن زدتَ من الغيب زدناكَ من الغيبه

البصرة:-

دخل الجماز على بعض ولاة البصرة فأنشده:

أثكلتني البـــــــــــرّ وعنّيتنــــــــــي .. مـــــــــا كان هذا أملي فيكا

لا تتفنّي لعد ما رشــــــــــــــــتني .. فإنني بعض أياديكمــــــا

فضحك، ثم قال: ثم ماذا؟ فقال: ثوب سمرقندي هو، أُنشِدُك إيَّاه مزارعة.

ولم يكُن للجماز حظٌّ في التطويل، وإنمَّا يقول البيتين والثلاثة، وإنمَّا قال بيتاً واحداً:

وقعنـــــــــــا من أبي خــــــــــــــــزيٍ .. على خزيٍ من الخِــــــــــزي

المصدر:-

جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى