نوادر العرب

مُناظرة بين الجمل والحِصان

قال الجمل: أنا أحمِلُ الأَحمَالَ الثِّقال، وأقطع بها المراحل الطُوال، وأُكابد الكلال، وأصبرُ على مُرِّ النِّكال، ولا يعتريني من ذلك مَلَال، وأَصُول صَولة الإِدلال، بلى أَنقادُ للطِّفل الصغير، ولوشئت استصعبت على الأمير الكبير، فأنا الذَّلول، وللأثقالِ حَمُول، لستُ بالخائِن ولا الغلول، ولا الصائل عند الوُصُول، أقطعُ في الوُحُول ما يَعجَزُ عنهُ الفُحول، وأُصابِر الظلماءَ في الهواجِر ولا أَحُول.

 فإذا قضيتُ حَقَّ صَاحبي، وبلغتُ مآربي ألقيتُ حَبلي على غارِبي، وذهبتُ في الوادي أكتسبُ من الحَلال زادِي، فإِن سَمِعتُ صَوتَ حَادِي سلمتُ إليهِ قيادي، وواصلتُ فيه سُهَادي، وطلقتُ طِيّبَ رُقَادِي، ومددتُ إليهِ عنُقي لبلوغِ مُرادي، فأنا إِن ضَللتُ فالدليلُ هادي، وإن زللتُ آخَذَ بيدِي مَن إليهِ انقيادي.

وإن ظمِئتُ؛ فذِكرُ الحبيبِ زادي، وأنا المُسخَّر لكم، بإِشارة “وتَحمِلُ أثقالَكُم”، فلم أزل بين رحلة ومقام، حتى أصِلَ إلى ذلك المقام.

الفرس حظيت بمكانة كبيرة في الشعر العربي
الفرس حظيت بمكانة كبيرة في الشعر العربي

فقال الحصان: أنا أَحمِلُ صاحبي على كاهلي فأَجتهدُ به في السير، وأنطلقُ به كالطير، وأَهجِم هجومَ الليل، وأقتحمُ اقتحام السيل، فإن كانَ طالباً أَدرَك بي طلبه، وإن كانَ مَطلُوباً قطعتُ عنهُ سببه، وجعلت أسبابَ الرَّدى عنه محتجبة، فلا يُدرَك مِنَّي إلَّا الغبار، ولا يُسمع عَنِّي إلَّا الأخبار.

وزاد : وإن كانَ الجملُ هو الصابر المُجرَّب، فأنا السابِق المُقرَّب، وإن كانَ هو المقتصد اللاحق؛ فأنا المُقرَّب السابِق، فإذا كان يوم اللقاءِ قدمتُ إِقدام الوَالِه، وسبقت سبق نبالِه، وذلِكَ مُتخلفٌ لثقل أحمَاله، وإِن أوثَقَ سائسي قيدي وأَمِنَ قَائِدِي كيدي أوثِقت بِشكالي، لِكَيلا أحُول على أَشكالي، وأُلجِمتُ كيلا أكِل عن إِقدَامِي، فأنا الموعُود بالنَّجاة، المَعدودُ لِنَيلِ الجاه، المَشدود للسَّلامة، المقصودِ للكرامة، قد أُجزِل المُنعِم على إنعامه، أمضي بالعناية الأزليَّة أحكامه “فإن الخير معقودٌ بنواصي الخيل إلى يوم القيامة” خُلِقتُ مِنَ الرِّيح، وأُلهِمتُ التسبيح، وما برِحَ ظهري عِزاً، وبَطني كنزاً ، وصَهوَتي حِرزاً، فكَم رَكَضت في ميدان السباق وما أبديتُ عَجزاً، وكم حززتُ رؤوسَ أهل النِّفاق حَزَّا، وكم أخليتُ مِنهُم الآفاق ( هل تُحِسُّ منهم من أحدٍ أو تَسمَعُ لهُم رِكزا).

المصدر:-

للمقدسي المتوفي سنة 875 هجرية.

جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، تأليف المرحوم السيد أحمد الهاشمي.

Photo by Shivam Garg on Unsplash

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى