أعلام

من كتابات نصر الله الجزري النثرية

أُصلِح الإفساد، ورُدَّ البلادُ، وقد استذأبت نقادُها، واستجلبَت وهادُها، ووردت وُعُولُها بحيثُ ترد آسادُها

كان نصر الله بن محمد بن محمد ، ضياء الدين ، أبو الفتح، ابن الأثير الجزري ، كاتباً مُطَّلِعَاً، مُترويِّاً بالعلومُ مُضطلِعاً، إلَّا أنَّهُ كان مُتكلِّفاً مُتطبِّعاً، ومُتعجرفاً مُتَصَنِّعاً، وكان يتعاطى أكثر مما يستحقُّ.

هو شقيق لكلٍ من مجد الدين النحوي ، وعز الدين صاحب التاريخ، ولدى ضياء الدين مصنَّف كتاب “المثل السَّائر”. ولِدَ ضياء الدين في جزيرة ابن عمر الفراتية  الواقعة على الحدود العراقية السورية التركية ، وذلك سنة 558 هجرية (1163 م)، ووافته المنية  في بغداد سنة  637 هجرية (1239 م)، وقد زار الموصل وبغداد وحلب ودمشق وأهم حواضر المنطقة، وقد ولَّاه السلطان صلاح الدين الأيوبي منصب الوزارة.

وفيما يلي بعضاً من أبرز كتاباته ذات الطبيعة النثرية:-

  • قوله في وصف كريم: فلانٌ يغارُ من جُودِ غيرهِ إِذا جَاد، ويرى الأفضلية في المكارِمِ إلَّا في وحدةِ الانفرَاد، فصديقُكَ الذي يُحبُّ محبَّة الله في ودِّه، ولا يتعدَّى الخجَلَ إلى الثِّقَة بعهدِه؛ ولو أعطينا الرُّشدَ كما كُنَّا نأسى على ما يختلفُ على تغييرهِ المساءُ والصَّباحُ، وكانَ ” كماءٍ أنزلناهُ من السَّماءِ فاخْتَلَطَ بهِ نباتُ الأرضِ فأضبَحَ هَشيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ.
  • قال في وصف البلاغة: إذا نَزَلَ من سماءِ فكري ماءٌ، سالت أوديةٌ بقدَرِهَا، واهتزَّت رياضُ بزهرها، وليست الأوديةُ إلَّا خواطِرُ الأفهامِ، ولا الرِّياضُ إِلَّا وشائعُ الأقلام.
  • وقال: وفي الآباء عوضٌ عن الأبناء، وفي الأسِّ خلفٌ لما يستهدمُ من شُرفاتِ البناء، وقد قيل: إِنَّ في سلامةِ الجلَّة هدرُ للنيب، وإذا سلمت طلعهُ البدر، فأهون بالأنجُم إِذا انكدَرَت للمغيب؛ وما دامَ ذلك المعدنُ باقٍ، فالقُضبُ كثيرةٌ وإِن أودَى منها قضيبٌ.
  • وقال: وفُلانٌ قد خبِرَ الدَّهرَ في حلب أفاويقهِ، ونقض مواثيقِه، فهُوَ لا يردُ الماء إِلَّا بماءٍ، ولا يهتدي في مسرى أرضٍ إِلَّا بنُجوم سماءٍ؛ ومن شأنهِ أن يَرِدَ الأمُور برأيهِ ولا يبعثُ فيها رائداً، وإذا قيل: إِنَّ فُلاناً ذو كيدٍ، قال: من الكيدِ أن لا يُدعى كائداً.
  • لقُونا وقد أشرعوا الأسِنَّةِ التي شاركتهُم في الأسماء وإذا أوردْت أروتهُم من غليل الحِقْدِ كما يُتروى من شُرب الدِّماء لكن ذادها عن الورد ما هُوَ أصلبُ منها عُوداً، في يد من هو أمضى منهُم جداً وأسعدُ جدوداً، وإِذا لاقت الرِّيحُ إعصاراً، زالت عن طريقه، وضاق ذرعُها بمضيقه.
  • رأيتُ أجمةً ولا ليث يحمي تلك الأجمة، بل رأيتُ بيض عُقابٍ تحضُنهُ رخمةٌ، وليسَ المُشارُ إِليهِ إِلَّا نائماً في صورة يقظان، وهُوَ كزيدٍ وعمرو إِذ تجري عليهم الأفعالُ وهُما لا يشعُران.
  • وفُلانٌ قد جعل الرَّأي دُبُر أذُنُه، ووضع جفير السَّيفَ تلقاء جفنه، ولم يُعرِّج على لهوٍ فيقول: اليومَ خمرٌ وغداً أمرٌ، ولا يُصغي إِلى مسيرٍ فيأخُذُ بقولِ زيدٍ ولا عمروٍ، فهُوَ مُطلٌّ على مُغيبات الأمور، غير غافلٍ بتمام الأعاقب إِذا تمت لهُ الصُّدورُ.
  • الغناءُ يخفُّ بكثير من الأوزان، والنَّظَرُ في هذا إلى الأثر  لا إلى العَيَان، ولا عجَبَ أن يُوزَنَ الواحِدُ بجميع الورى، ولهذا قيل: كُلُّ الصَّيدِ في جوف الفرا.
  • كم في الأرضِ من شمسٍ تخجلُ لها شمسُ السَّماءِ، وتتضاءلُ إِليها تضاؤل الإِماء، وتعلم أنَّ ليسَ لها من محاسِنها إِلَّا المُشاركة في الأسماء؛ فلربَّما طلعت في الليل فقال النَّاسُ: هل يستوي بياضُ النَّهار وسوادُ الظُّلمات، ولا عجب للعيون إذا رأتها أن تظُنّ ذلكَ في أحلام النوم، أو يُخيَّل لها أن يوشع في القوم.
  • ولقد رأيتهُ فرأيتُ العالَمَ في واحدٍ، وعلمتُ أنَّ الدَّهرَ للنَّاسِ ناقِدٌ، وما أقولُ إِلَّا أنّ اللهَ ردَّ بهِ الأفاضلَ إلى مَعَادٍ، ثمَّ وضعهُ موضعهُ، فلذلكَ من جُملةِ الأعداد في الاعتداد، لكن إن كان ذنبي خطأً ، فقد جاءت معذرتي عمداً، ولا عُقوبة مع الاعتذار، ولو كان الذَّنبُ شيئاً إِدَّاً، والمقدرةُ لا تسيغُ للكريم أن يُمضي غيظاً أو يطيع حقداً.
  • الأحوالُ شبيهةٌ بالأبدانِ في عوراض سقمها، وكلُّ داءٍ من أدوائها لهُ علاجٌ إِلَّا ما كانَ من سأمها وهرمها، وقد قيل: إِنَّ الطِّب هو مُعالجة الأضداد بالأضداد، ولهذا لا يُطبُّ مرضُ الآمال إِلَّا بحودِ الأجواد، وفي شُهودِ الجناية من الأشراف ظُلمٌ للسَّادات لا تعُدُّه النُّفوس من ظُلمها، ولربَّمَا كلم السِّوار يداً فذهب فخرُ زينتها بألم كلمها، ولهذا هانت جنايةُ بني عبد المدان، وضُرِبَ بها المَثَل في شرفِ المَكَان، والنَّاسُ في المنازِلِ أطوارٌ، فمنهُم أنجادٌ ومنهم أغوارٌ.
  • وانحلَّ بها خيطُ السَّماء، حتى استوى ريُّ بُطونها للظِّماء، ولكنّهُ للريح التي حبتهُ بما حبا، ولم يكُن مسك طلِّه معتصراً إِلَّا من كافُورِ الصِّبا.
  • أُصلِح الإفساد، ورُدَّ البلادُ، وقد استذأبت نقادُها، واستجلبَت وهادُها، ووردت وُعُولُها بحيثُ ترد آسادُها.
  • لو ذَهَبَ الحُزْنُ بالدَّمْعِ وانهمالِهِ؛ لكانَ الصَّبْرُ بصاحِبِه أحرى، ولو لم يَنلْ بهِ أجراً، فكيفَ وصلواتُ الله ورحمتِهِ من ثوابِهِ، وما اعتاضَ المرءُ صبراً عن المُصَاب، إِلَّا فيهِ عوضٌ عن مُصابِهِ.

المصدر:-

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى