اختراعاتعلماء وفلاسفة

الجزري .. المهندس الميكانيكي العبقري

صاحب الكتاب المميز "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل"

توطئة:

يعتبر بديع الزمان الجزري (1136-1206م) أحد أشهر المهندسين الميكانيكيين ليس في عصره فحسب؛ بل وفي التاريخ برمته.

 أبو العز، بديع الزمان بن إسماعيل بن الرزاز الجزري ، وُلِدَ في منطقة ديار بكر (تقع اليوم في تركيا) وذلك خلال القرن السادس للهجرة والذي يوافق الفترة الواقعة بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين.

بديع الزمان الجزري
الشكل (1) يوضح حوض غسل على شكل طاووس تبعاً لما وصف في كتاب معارف الحيل الهندسية للجزري، وهي صورة من مخطوطة منسوخة (نسخت في شهر شعبان 602 هـ، آذار مارس 1205 م)
بديع الزمان الجزري
الشكل (2)، الجزيئان (a, b)

لُقِّبَ بالجزري نسبةِ إلى طبيعة مكان نشأته في منطقة الجزيرة التي تقع بين نهري دجلة والفرات، في بلاد ما بين النهرين كما عُرفِت منذ الأزل.

اتبع خطوات والده وعمل معه في خدمة بلاط ملوك الأرتقية التركمانية التي حَكمت ديار بكر، فعملا في البلاط كمهندسي ميكانيك في الفترة الممتدة بين (570 إلى 597هـ) والموافقة لتاريخ (1174 إلى 1200م).

مشوار الجزري مع الحيل:-

وفي سنة 1206 للميلاد؛ قام الجزري بإنجاز كتابه المتميز في الهندسة والذي كان بعنوان “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل” والذي كُتب باللغة العربية.

 هذا الكتاب المميز؛ تضمن بين صفحاتهِ خُلاصة وافية للميكانيك، حيث يخبرنا المؤرخ البلجيكي جون سارتون عن أطروحة الجزري قائلاً: “إن هذه المخطوطة تعتبر الأطروحة الأكثر تفصيلاً من بين شبيهاتها والتي يمكن أن تعتبر ذروة الإنجاز الإسلامي في الميكانيك”.

بديع الزمان الجزري
الشكل (3): يُظهر نموذجا لفصد الدم كما تم توصيفه من قبل الجزري، هذا النموذج تم إعادة تكوينه في عام 1977م، وبالفعل لقد قاس بديع الزمان حجم الدم المفقود خلال جلسات الفصد هذه، كان هذا العلاج شائعاً في العالم الإسلامي خلال فترة العصور الوسطى، حيث كما في الشكل يجلس شخصان فوق الجهاز موضحان كمية الدم التي كان يجب إخراجها فحسب. وهذا الجهاز معروض حالياً لدى معرض العلوم وفنون العلاج).

في الواقع يتميز كتاب الجزري بما فيه من جوانب عملية وذلك لأن بديع الزمان كان صانعاً ومهندساً بالغ المهارة، فقد كان يصف الأجهزة المختلفة في كتابه بتفاصيل دقيقه، مما ساهم بشكل فعّال وكبير في تاريخ الهندسة.

التذكير بمنجزات الجزري:-

ويذكر أن دونالد هيل المهندس والمستشرق البريطاني (1922-1994 م) المهتم بإنجازات الجزري قد قال:

 “من غير الممكن ألا يتم التأكيد على أهمية عمل الجزري في تاريخ الهندسة، فهو يقدم مجموعة كبيرة من التعليمات التفصيلية التي تساعد في تصميم، تصنيع وتجميع الآلات الميكانيكية”.

الشكل (4): بعد مرور (400) عاماً؛ تم إعادة الساعة التي تعمل بالماء إلى الحياة، وذلك من قبل “FSTC” هذه الساعة التي يبلغ ارتفاعها متراً واحداً ويصل عرضها لحدود نصف المتر، حيث يمثل الشخص الكاتب بالقلم عقرب الساعات الحديثة.

لقد وصف الجزري في مخطوطاته قرابة الخمسين جهازاً ميكانيكياً، حيث كان كل منها يندرج ضمن 6 فئات مختلفة، تبدأ من الساعات المائية، جهاز لغسل اليدين (آلة تساعد على الوضوء)، آلات تعمل لضخ ورفع المياه وغيرها.

الشكل (5): عبارة عن صورة لهيكل داخلي لميكانيك صرف السوائل.

كل هذه الأعمال كُرم الجزري عليها في عصرنا هذا بعد مهرجان عالم الإسلام الذي نُظِّمَ في المملكة المتحدة سنة (1976م) حيث تم إعادة تكوين نموذجه الخاص بساعة المياه وإنجازه بنجاح ليعرض في متحف لندن للعلوم.

الشكل (6): الرسم الأصلي للمضخة مزدوجة الحركة أو التي تعرف بالمضخة الترددية والمقتبسة من كتاب الجزري (من مكتبة متحف قصر توبكابي، أحمد الثالث، MS 3472)

لقد قام دونالد هيل بترجمة كتاب الجزري ونقله إلى اللغة الإنجليزية في سنة 1974م وذلك بعد حوالي سبعة قرون كاملة و68 سنة من كتابته للمرة الأولى من قبل بديع الزمان.

الفئات الرئيسية للآلات:-

 وتتضمن مخطوطتهُ الموسوعية 6 من الفئات الرئيسية الموضحة للآلات والأجهزة. والتي تُظهر مجموعة متعددة من الآلات.

تم الحديث عن الآليات والتقنيات في بداية المخطوطة، لتدخل فيما يليها بمفردات الهندسة الميكانيكية.

من بين الابتكارات التي نجدها في مخطوطة الجزري؛ هي المضخات الثنائية الموصولة مع أنابيب الشفط، الاستعانة بأعمدة الدوران في الآلة، وضع معايير دقيقة جداً لفوهة الآلة، توجه إلى تصفيح الخشاب بهدف تقليل التوائها، جعل توازن العجلات ثابتاً، مع استعمال نماذج ورقية تساعد في تكوين التصميم، ثم صب المعادن ضمن صناديق مغلقة بالرمال الخضراء وغير ذلك.

كما أن الجزري تطرق إلى وصف أساليب تكوين، بناء وتجميع الآلات بتفاصيلها الدقيقة وذلك حتى يتمكن
المهندسون والحرفيون في المستقبل من إعادة تصنيعها.

الشكل (7): نموذج ثلاثي الأبعاد لمضخة الجزري المزدوجة والذي تمت إعادة تصميمه من بشكل كامل

 لأن العديد من الآلات والأجهزة التي تم ذكرها قد شيدت وفقاً لتعليمات الجزري فهذا يجعل منه مهندساً
وعالماً فريداً من نوعه ولا يماثله أحد، خصوصاً مع فشل الكتاب في طرح التفاصيل الكافية في كتاباتهم،
وذلك لكونهم إما يحتفظون بأسرارهم لأنفسهم، أو لأن الحرفية تنقصهم، هذا إلى جانب عوامل أخرى.

أطروحة الجزري ثروة خالصة:-

أعمال الجزري كشفت النقاب عن تميزها وقيمتها العالية، ما جعل أطروحته ثروة خالصة من الهندسة الميكانيكية الإسلامية.

في إحدى الأوراق البحثية التي قامت بدراسة الهندسة خلال الفترة الإسلامية المبكرة، يُظن أنه من الممكن
أن يكون هناك المزيد من المخطوطات والأطروحات التي تتعلق بهذا المجال البحثي والتي لم يتم اكتشافها
بعد.

 وهذه ناحية أشار إليها المهندس والمترجم هيل حيث تطرق إلى قضيتين أساسيتين هما: تاريخ الهندسة
وتاريخ التكنولوجيا الدقيقة، معتبراً أن هذا المجال كبير وواسع جداً، وإلى اليوم لم يتم اكتشافه بشكل جيد.

الشكل (8): يُظهر الشكل ساعة الفيل المرسومة على ورقة من مخطوطة الهداية الهندسية للجزري المؤرخ بتاريخ (715هـ، 1315م)

ومن جهة ثانية بالنسبة للتقنية الدقيقة؛ يلاحظ أن إحدى النقاط الختامية فيما قدمه المؤرخ هيل تقول:
“من الممكن مع تقدم الأبحاث أن يتم تقديم دليل أكثر ثباتاً يفيد بأن التقنية الإسلامية الدقيقة قد نقلت
إلى أوروبا”.

كيف وصلت إلى أوروبا؟

 وبالتفكير في ذلك؛ يُلاحظ أن أكثر الطرق احتمالياً في وصول هذه التقنية إلى أوروبا هي عن طريق إسبانيا (الأندلس)، وهذا الأمر يمكن القياس عليه وذلك من خلال تتبع نفس المسار الذي وصل فيه الإسطرلاب إلى أوروبا (وهو أداة تعتبر بحد ذاتها من التقنيات الدقيقة).

ولكن إلى جوار إسبانيا؛ يوجد هناك العديد من المنافذ التي يمكن للمخطوطات والآلات الإسلامية أن تسلكها نحو أوروبا مثل صقلية، المناطق الجنوبية لفرنسا، عبر إيطاليا، وبالطبع من سوريا خلال الحملات الصليبية.

ويرى المؤرخون في عصرنا هذا أن هذه الأعمال القليلة التي نراها هي جزء من منظومة هندسية متكاملة
كانت معروفة في العصر الإسلامي، والتي لم يتم اليوم اكتشاف سوى القليل منها.

 وبالعودة إلى الشكل (7) ؛ نجد نموذجاً مفترضاً لمضخة مائية والتي تم الحصول عليها وعلى تفاصيلها من مخطوطة الجزري والمؤرخ المترجم هيل.

 وفيها يظهر مضختين تعملان بالتناوب على سحب المياه ضمن حركة متزامنة مع العجلة التي تدار عبر المجرى المائي.

الشكل (9) يوضح نموذجاً ثلاثي الأبعاد تم إعادة تكوينه لساعة الفيل المائية، تم إنجازه من قبل (FSTC)

ملاحظة: كل هذه الرسوم ستجدها بتفاصيلها الكاملة التي قام المؤلف والكتاب بجمعها في كتاب (1001)
اختراع: التراث الإسلامي في عالمنا وضمن المقالات التي يمكن أن يتم الرجوع إليها من خلال شبكة الإنترنت. www.MuslimHeritage.com

بديع الزمان الجزري
الشكل (10): يظهر لنا شكل جهاز آلي صُمم من قبل الجزري وهو من المخطوطة التي تم تأريخها في عام (1315م) ونُسخت من قبل الفاروق بن عبد اللطيف في سوريا باستخدام ألوان غير شفافة، مع استعمال الحبر والذهب.
تصاميم الجزري
الشكل (11): إبريق كبير تُمسكه المضيفة الراكعة، أحد تصاميم الجزري، وتبعاً للوصف؛ فبمجرد أن يصدر الطير صوتاً يتم صب الماء في الحوض الذي تشربه البطة وتعيده من خلال ذيلها إلى حاوية مخبأة تحت المنصة التي تجلس عليها المضيفة.

المصادر:.

https://images.metmuseum.org/CRDImages/is/original/sf55-121-12a.jpg

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى