معلومات تاريخية

الجزائر.. عروس البحر المتوسط

بنيت المدينة على سفح جبل بوزريعة شمال البلاد مواجهة للبحر

تمهيد:-

تعدّ مدينة الجزائر عاصمة الجمهورية الجزائرية وأكبر مدنها، وتلقب بعروس البحر الأبيض المتوسط، وتعرف بالمدينة البيضاء لكون مبانيها مطلية بالأبيض فتتراءى للناظر إليها من بعيد كأنها قطعة بيضاء.

بنيت مدينة الجزائر على سفح جبل بوزريعة شمال البلاد مواجهة للبحر، وهي على شكل مثلث تمتد قاعدته على الساحل ورأسه إلى الأعلى.

تأسيس مدينة الجزائر:-

يمكن القول إن تأسيس مدينة الجزائر قد مرّ على فترتين متباعدتين ومنفصلتين، فالتأسيس الأول كان على يد الفينيقيين حوالي القرن 9ق.م، وأطلقوا عليها اسم «أيكوسيم» ومعناه جزيرة الشوك أو جزيرة الطير، وكانت عبارة عن مرفأ صغير يرتاده البحارة،  وفي القرن 2ق.م استولى عليها الرومان الذين احتلوا شمال أفريقيا، وأطلقوا عليها اسم «إيكوزيوم» الذي يبدو أنه مشتق من التسمية الفينيقية، وقد توسعت المدينة أكثر في عهدهم.

لكن المدينة فقدت قيمتها منذ تعرضها للتخريب من قبل الوندال الذين احتلوا شمال افريقيا في القرن 5م.

جزائر بني مزغنة:-

ومنذ ذلك الوقت بقيت المدينة مهمشة إلى أن شهدت تأسيسها الثاني الذي بفضله دخلت مسرح الأحداث دون انقطاع إلى يومنا هذا، وكان ذلك على يد بلكين بن زيري الصنهاجي، وهو ابن زيري بن مناد والي الفاطميين على ولاية المغرب الأوسط، ولما كان زيري بن مناد كثير الاهتمام بالتعمير أمر ابنه بلكين بتأسيس ثلاث مدن كان من بينها مدينة الجزائر، فشرع في اختطاطها سنة 376هـ.

كان يسكن منطقة الجزائر في تلك الفترة قبيلة بني مزغنة (منذ حوالي القرن 3هـ) وهي إحدى فروع قبيلة صنهاجة البربرية، وإليهم نسبت المدينة فعرفت بـاسم «جزائر بني مزغنة»، وأما لفظ «جزائر» فيعود ذلك إلى أربع جزر صخرية تقع بمحاذاة ساحل المدينة، وقد قيل إن أهل المدينة كانوا يحتمون إليها كلما تعرضوا إلى خطر ما.

وبتلك المنطقة أسس بلكين بن زيري قلعة حصينة على سفح الجبل، وأحاطها بسور به عدة أبواب لحمايتها، وهو ما عرف بـ «القصبة»، وتعتبر تلك القلعة النواة الرئيسية التي توسعت حولها المدينة فيما بعد.

مدينة الجزائر في عهد الحماديين والموحدين:-

أصبحت مدينة الجزائر جزءًا من مملكة الحماديين الذين انشقوا عن الدولة الزيرية في مطلع القرن 5 هـ، وفي عهدهم اكتسبت المدينة أهمية تجارية وأصبح ميناءها مرفأ بحريا ممتازا، وفي سنة 474 هـ استولت دولة المرابطين على المدينة إلا أن تواجدهم فيها كان لفترة قصيرة، قام فيها الأمير يوسف بن تاشفين ببناء الجامع الكبير، ومن ثم غادرها بفعل زحف الموحدين عليها …الذين استمرت تحت حكمهم حتى بدايات القرن 7هـ، وفيه نعمت المدينة بالرخاء والازدهار الاقتصادي، وتوافد عليها الأساطيل من الأندلس والدويلات الأوروبية.

مدينة الجزائر في عهد الحفصيين والزيانيين: –

بعد سقوط دولة الموحدين وانقسام المغرب إلى ثلاث دويلات متصارعة (حفصيين، وزيانيين، ومرينيين) خضعت مدينة الجزائر بداية الحفصيين بتونس، إلى غاية بدايات القرن 8هـ، ثم انتزعها منهم ملوك الزيانيين بتلمسان، وبعدها عادت مجددا سلطان الحفصيين وهكذا استمرت مدينة الجزائر تخضع للحفصيين تارة وللزيانيين تارة أخرى، بحسب قوة ونفوذ كل طرف.

مشيخة مدينة الجزائر:-

تمكنت قبيلة الثعالبة التي كانت تسكن سهل متيجة بجوار مدينة الجزائر من الاستحواذ على المدينة في النصف الثاني من القرن 8هـ/ 14م وأخضعتها لسلطانها، وكونت فيها حكما محليا مستقلا، يترأسها حاكم من أسرة بني التومي الثعالبية ويساعده في إدارتها مجلس الأعيان.

ويعدّ الشيخ العلامة عبد الرحمن الثعالبي (توفي سنة 875ه)، أحد الذين أسند إليهم حكم المدينة فأحسن إدارتها، وقد بلغت شهرته أقصاها حتى صارت المدينة تعرف باسمه وتنسب إليه فيقال «مدينة سيدي عبد الرحمن».

وشهدت مدينة الجزائر خلال حكم الثعالبة ازدهارا اقتصاديا، فكانت أسواقها تعج بالمنتجات والسلع الأفريقية والأندلسية والأوروبية، خاصة سوق النخاسة الذي كان من أهمها، واتصلت بأساطيل البحر الأبيض المتوسط خاصة أساطيل مدينتي فلورنسا والبندقية.

الخطر الإسباني:-

تعرضت مدينة الجزائر كسائر مدن الساحل الأفريقي لهجوم الإسبان في مطلع القرن 10هـ/ 16م، الذين قاموا ببناء قلعة البنيون على جزيرة الصخرة، لمراقبة المدينة وضربها بالمدافع إذا ما تأخر حاكمها في دفع الجزية المقررة عليه. فكانت القلعة كالشوكة في حلق أهل مدينة الجزائر تهدد أمنهم وسلامتهم، ولهذا اضطر حاكمها سالم التومي للاستنجاد بالإخوة بربروس لتخليصهم من تهديد الأسبان.

طفقت سيرة الإخوة بربروس المنطقة كلها بفضل انتصاراهم المتكررة على الإسبان، فقصدهم سالم التومي رفقة وفد يطلبون نجدتهم، وكان لهم ذلك، حيث أبحر أسطولهم باتجاه المدينة وأحكم السيطرة عليها فتراجع عنها الاسبان وعلى إثر ذلك ألحقت مدينة الجزائر مع كامل البلاد (المغرب الأوسط) بالدولة العثمانية وأصبحت رسميا ثاني إيالاتها في إفريقيا بعد مصر، وأطلق عليها إيالة الجزائر، وكانت القاعدة الرئيسية للعثمانيين التي ساهمت في طرد الاسبان من تونس وليبيا.

مدينة الجزائر في العهد العثماني:-

شهدت مدينة الجزائر أكبر عصور ازدهارها خلال الحكم العثماني، الذي دام 323 سنة، ففيه غدت هذه المدينة عاصمة للقطر الجزائري كله، وأصبحت من أهم مدن الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، فقد كان أسطولها يهيمن على المنطقة كلها، وتصدى للأساطيل الأوروبية وتمكن من رد لالعديد من الحملات التي شنتها أوروبا على المدينة.

هذا فضلا عن الأهمية الاقتصادية والتجارية خاصة لمدينة الجزائر التي اكتسبتها بفضل هيبة أسطولها، فنعمت بالرخاء الاقتصادي خلال الحكم العثماني وعاش أهلها حياة الرفاه والترف، فكانت تقترب في ذلك من مدينة اسطنبول حتى لقبت بـ «إسطنبول الصغرى».

أما من حيث العمران فقد توسعت المدينة كثيرا، وامتد نسيجها العمراني نحو الأعلى (أعلى السفح) وهي ما يعرف اليوم بالقصبة العليا (تمييزا لها عن القصبة السفلى التي بناها بلكين) وقد كانت المنطقة السلفى المواجهة للبحر مخصصة لسكنى الباشا أو الداي وكبار الشخصيات ( رياس البحر، الأثرياء، وقناصل الدول الأوروبية) وبها أيضا أجهزة السلطة ومختلف الدواوين، أما الجهة العليا فسكنها عامة الشعب.

وأحيطت القرى والضياع والبساتين بالمدينة من كل جانب، وهي تمثل ريف العاصمة وخزانها الغذائي، وفيها شيد الأثرياء من الأتراك والتجار قصورهم الفخمة لقضاء فصل الصيف.

تعتبر هذه الخريطة المطبوعة لمدينة الجزائر الأقدم من نوعها على الإطلاق، إذ تعود للعام 1575 م ، وقد قام برسمها كلٌ من جورج براون وفرانز هوغنبرغ، حيث نشراها في أطلسهما المعروف بـ ” سيفيتاتيس أوربيس تيراروم” أي مُدن العالم.

مدينة الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي:-

وفي عام 1830م احتلت فرنسا الجزائر، وبقيت تحت نير الاحتلال لمدة 132سنة، حتى نالت استقلالها سنة 1962م بعد سبع سنوات من الثورة، كانت مدينة الجزائر إحدى أهم مسارحها ففيها عقدت اجتماعات قادة الثورة ، وفيها كان إضراب 8 أيام، وهناك أيضا كانت معركة الجزائر التي قام فيها شباب المدينة بعمليات فدائية بطولية.

الجزائر العاصمة بداية القرن العشرين

وخلال فترة 132 سنة من الاحتلال الفرنسي تغيرت ملامح مدينة الجزائر كثيرا، فقد كبرت مساحتها وتوسع عمرانها إلى خارج القصبة حيث المناطق الريفية والضواحي، وقامت فرنسا بشق وتهيئة الكثير من الشوارع والساحات والبنايات على الطراز الأوروبي، الذي ما زال يطبعها إلى اليوم، وجعلها أشبه بعواصم الغرب الكبرى.

معالم المدينة:-

تحتوي مدينة الجزائر على العديد من المعالم الأثرية التي تعود أغلبها للفترة العثمانية، ونذكر منها:

القصبة: وهي المدينة العتيقة التي كانت مركز الجزائر وقلبها النابض لعصور، بناها الزيريون ووسعها العثمانيون، وكانت القصبة محاطة بسور كبير به عدة أبواب في مختلف الاتجاهات (باب عزون، باب جديد، باب الوادي، باب الجزيرة) لكنها اليوم اندثرت ولم يبق منها سوى أسماءها التي أطلقت على الأحياء المجاورة لها، أما في الداخل فبالرغم ما مرّ عليها من عوامل الزمن إلا أنها لا تزال تحتفظ بالكثير من مبانيها وأزقتها بما فيها من دكاكين ودور وحمامات، وحتى بعض العادات والتقاليد لسكانها، وفي عام 1992م صنفتها منظمة اليونيسكو كتراث عالمي.

القصور: لازالت مدينة الجزائر تحتفظ على عدد كبير من القصور العثمانية، لعل أشهرها:

قصر الداي مصطفى باشا الذي بني عام 1214هـ، وهو من أجمل القصور وأكبرها، تم تصنيفه من المعالم التاريخية منذ عام 1887.

قصر حسن باشا الذي بني أواخر القرن الثامن عشر، وهو الآخر واحدا من أفخم القصور بالمدينة (قامت فرنسا بفتحه للزوار سنة 1949).

قصر رياس البحر (يسمى أيضا باسيون 23) وهو من أهم المعالم التاريخية بالمدينة، يحتوي على ثلاثة قصور وست دويرات (منازل الصيادين)، وهو القصر الوحيد الذي يقع على الساحل.

المساجد والزوايا: ومن أشهر المساجد نذكر:

الجامع الكبير: شيده الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين عندما تملّك مدينة الجزائر سنة 474هـ/ 1081م، ويعتبر أقدم الآثار المرابطية الباقية، وهو أهم مساجد المدينة وأقدمها، وفيه تقام صلاة الجمعة والعيدين بحضور شخصيات الدولة.

مسجد كتشاوة: وهو مسجد حنفي بناه العثمانيون أوائل القرن 11هـ/ 17م، ثم جدده ووسعه الداي بابا حسن باشا عام 1794 وهو الآخر من أكبر وأجمل مساجد المدينة.

بالإضافة إلى مسجد علي بتشين، مسجد سيدي رمضان وجامع اليهود (مسجد ابن فارس) وغيرهم.

أما الزوايا فمدينة الجزائر تحتوي على الكثير منها، لكن أشهرها على الاطلاق هي:

زاوية سيدي عبد الرحمن الثعالبي: بناها الباشا الحاج أحمد بن الحاج المصلي سنة 1108هـ/1696م على ضريح الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، فقد درج الحكام العثمانيين في الجزائر على تعظيم هذه الشخصية، وتحتوي الزاوية الواقعة في أعالي القصبة على مسجد صغير وقبة فيها تابوت الشيخ الثعالبي وبجوارها قبور لعمر باشا ومصطفى باشا ( وهم دايات حكموا الجزائر أواخر القرن 18م)، ومعهم أيضا قبور لعلماء جزائريين (ابن زكري، وعمر راسم، وعبد الحليم بن سماية، ومحمد بن شنب) وكذا قبر أحمد باي (آخر بايات قسنطينة المتوفي سنة 1850م).

بالإضافة إلى زاوية سيدي أحمد بن عبد الله الزواوي الجزائري، وزاوية الأندلس، وزاوية سيدي محمد بن عبد الرحمن وغيرها كثير.

أهم المصادر:-

  • عبد الرحمن الجيلالي، تاريخ المدن الثلاث الجزائر المدية مليانة؛ تاريخ الجزائر العام، ج2.
  • مهدي البوعبدلي، تاريخ المدن.
  • نور الدين عبد القادر، صفحات من تاريخ الجزائر.
  • محمد الطيب عقاب، قصور مدينة الجزائر.

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى