أعلام

الجرجاني .. مؤسس علم البلاغة ومُبدع نظرية النَّظم

شيخ العربية في زمانه، كان إماماً بارعاً متفنِّناً، انتهت إليه رياسة النحاة في عهده

تمهيد:

كانت البيئةُ العربيّةُ ضامنةً لحفظِ أصالةِ اللغةِ وإثرائها، لكن إتساعَ رقعة الدين الإسلاميِّ ضمَّتْ شعوبًا لم تنطقْ العربيةَ قطّ، فكانت الحاجة لِفوارِسِ اللغةِ وأعلامِ البلاغةِ أن يبزغوا من بين تلك الشعوب لِيحملوا على عاتقهم أمانةَ حفظِ التراثِ اللغويِّ، ونشر علوم اللغة بين شعوبٍ لم يكن لهم إليها يومًا من سبيلٍ، ولعلّ من أبرزِ هؤلاء الفوارس إمامَ البلاغةِ وعَلَمَ اللغةِ عبد القاهر الجرجاني.

مولده ونشأته:-

هو أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني (400 – 471 هـ)، وُلِدَ في مدينةِ جرجان إحدى أشهر المدن ببلادِ فارس، عاش ومات بها لم يفارقها قط طيلة حياته، وقد نشأ فقيرًا مُعدمًا وهذا ما حال بينه وبين الخروجِ والسفرِ لِطلبِ العلمِ، لكنه كان نهمًا للتعلُّم عاكِفًا على ما يصلُ إليه من كتبٍ ومؤلَّفاتٍ في شتَّى العلومِ، وكان أكبرُ شغفه بالنَّحوِ والأدبِ والبلاغةِ[1].

قال ياقوت الحموي (توفي سنة 1225 م ) عن جُرجان في “مُعجم البلدان”: مدينةٌ مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان، .. وقيل: إن أول من أحدَثَ بناءها يزيد بن المُهلَّب بن أبي صفرة، وقد خَرجَ منها خلق من الأدباء والعلماء والمحدِّثين”.

الاصطخري يتحدث عن عبد القاهر الجرجاني
الإصطخري الذي جال في أرجاء العالم القديم

أمَّا الإصطخري الرحالة والجغرافي المعروف (توفي 957 م)؛ فيقول عنها: ” وأمَّا جُرجان؛ فإنَّها أكبر مدينة بنواحيها، وهي أقل ندىً ومطراً من طبرستان، وأهلها أحسن وقاراً وأكثر مروءة ويساراً من كبرائهم”.

أخذه للعلم:

بالرَّغمِ من بُعدِ الجرجاني عن مركزِ الحواضرِ العربيةِ، وقلةِ ذاتِ يده، غيرَ أن ذلك لم يَحُلْ بينه وبين شَغفِه لتحصيلِ العلمِ، فقد حَالَفته الأقدارُ بوجودِ عَلَمَين من أعلامِ اللغةِ والأدبِ بأرضِ جرجان أخذَ العلمَ عنهما وتتلمذَ على أيديِهما وهما أبو الحسين بن الحسن بن عبد الوارث الفارسيّ النحويّ، وأبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني، فأخذ عنهما فنون العلومِ واللغةِ والأدبِ، ولم يكتفِ بذلك بل ظلّ ينهلُ من فيض علماء اللغة والأدب ويقتفي آثارَهم ويَتتبعُ مُؤلًّفاتهم ويسلُك مذاهبهم وينقلُ عنهم ومنهم:

سيبويه يتحدث عن عبد القاهر الجرجاني
سيبويه.. أكبر النحاة على الإطلاق

مَذْهَبُ الجرجاني:

كان الجرجاني وَرِعًا تَقيًّا، ذا نُسُكٍ و دينٍ، قانِعًا زاهدًا، سَلَكَ المذهبَ الشافعيَّ، وكان مُتكلمًا على طريقةِ أبي الحسن الأشعريّ.[3]

الجرجاني إمامُ البلاغةِ:-

كان هذا العلامةُ نادرةَ عصره ومُعجزةَ دهرِه، وكان صاحبَ السبقِ لتأسيسِ علمَ البلاغةِ ووضعِ أصولها؛ فقد كان هذا العلمُ من قبله عبارة عن شظايا مُتبعثرة وأفكارٍ مُتناثرةٍ، فقدَّم للأمِّةِ كتابين فريدَين كانا هما القالَبَ الذي شكّلَ كينونةَ وماهيةَ هذا العلم وهما “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”، وقد ألفهما الجرجاني بالأساس لبيان وتفنيدِ إعجازَ القرآنِ الكريمِ وفضله على سائرِ النُّصوصِ الأخرى من شعرٍ ونثرٍ، وضمَّن فيهما معظمَ آرائه في علومِ البلاغةِ العربيَّةِ.

هو بلا شك؛ شيخ العربية في زمانه، كان إماماً بارعاً متفنِّناً، انتهت إليه رياسة النحاة في عهده، كما قال ابن تغري الأتابكي.

عبد القاهر الجرجاني

نظرية النظم:-

يرى الجرجاني أنَّ الكلمةَ المفردةَ مهما كانت بليغةً فإنها صامتةٌ خرساءٌ، وأنَّ الإعجازَ والبيانَ يَنتُجان عن السياقِ البلاغيِّ الذي تُوضعُ فيه هذه الكلمةُ، فإنَّ البراعةَ تَكمنُ في القُدرةِ على استخراج الخواطرِ والصورِ اللامحدودة من الكلمةِ عن طريقِ السَّبكِ والرَّصفِ المُحكمِ بينها وبين أخواتِها في الجُملةِ، وهذا هو مفهوم نظريَّة النَّظمِ التي فنَّدها وتبنَّاها الجُرْجَانيُّ في كتابَيْه “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”.

إنَّ ابتكارَه لنظريَّةِ النظمِ قد أبطلَ فكرةَ الفصلِ بين اللفظِ والمعني؛ فاللفظ لن يبلغَ مَبلغه من الفصاحةِ إلّا من خلالِ إتقانِ نظمه مع ما جاوره من كلماتٍ، وهكذا تتجلَّى قيمةُ المعاني وتظهرُ براعةُ التصويرِ، مع مراعاةِ توخِّي معاني النحو أثناءَ النَّظم.

يُعرِّفُ الجرجاني النَّظمَ فيقول : “هو تعليقُ الكَلِم بعضها ببعضٍ، وجعلُ بعضها بسببٍ من بعضٍ، والكَلِمُ ثلاثٌ:اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ، ولِلتعليقِ فيما بينها طرقٌ معلومةٌ، لا يَعْدُو ثلاثةَ أقسام: تعلُّق اسم باسم، تعلُّق اسم بفعل، تعلُّق حرف بهما”.

ثمَّ يَسْتطردُ قائلًا : “واعلمْ أنْ ليس النَّظمُ إلا أنْ تضعَ كلامَك الوضع الذي يقتضيه علمُ النَّحو، وتعملَ على قوانِينه وأصولِه، وتعرفَ مناهجَه التي نَهَجتَ، فلا تزيغ عنها، وتحفظَ الرُّسومَ التي رَسَمتَ فلا تبخل بشيء منها”.[4]

ويُدلِلُ على ذلك في كتابه دلائل الإعجاز قائلًا: “هل تَشكَّ إذا فكرتَ في قولِه – تعالى -: ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 44]، فتجلَّى لك منها الإعجازُ، وبَهَركَ الذي ترى وتسمع، أنَّك لم تجدْ ما وجدتَ من المزيَّةِ الظاهرةِ، والفضيلةِ القاهرةِ، إلَّا لأمرٍ يرجعُ إلى ارتباطِ هذه الكَلِم بعضها ببعضٍ، وأن لم يُعرض لها الحسنُ والشرفُ إلا من حيث لَاقَت الأولى بالثانيةِ، والثالثةُ بالرابعةِ، وهكذا، إلى أن تَستقريها إلى آخرِها، وأنّ الفضلَ تَناتَجَ ما بينها وحصل من مجموعها؟

من مؤلَّفاتِه:-

كَثُرَت مُؤلَّفات الجرجاني ، وبلغَ مبلغه من العلومِ، فطافتْ شهرته الآفاقَ، وشُدَّتْ إليه الرحالُ من كل حَدَبٍ وصَوبٍ؛ لِينهلَ الطالبون من عِلمه البالغِ، وفكره الفذِّ، ومنها:

  • إعجاز القرآن.
  • الرسالة الشافية في الإعجاز ( في علوم القرآن).
  • أسرار البلاغة.
  • الجُمَل، أو الجُرجانية في النَّحو.
  • كتاب في العروض
  • الإيضاح في النحو.
  • المُغني: وهو شرح لكتاب الإيضاح لصاحبه النحوي الشهير أبي علي الفارسي، ويقع في ثلاثين مجلَّداً.
  • الإيجاز، وهو عبارة عن شرح مختصر لكتاب الإيضاح في النحو لأبي علي الفارسي.
  • المُختار من دواوين المتنبي والبحتري وأبي تمّام.
  • العمدة في التصريف ( علم الصَّرف).
  • العوامل المئة في النحو، وهو كتاب صغير متداول ومشهور، لقِيَ عناية كبيرة حتى من قبل النَّاطقين بالتركية والفارسية.

وفاة الجرجاني:-

تُوفي إمامُ البُلَغَاءِ عبد القاهر الجرجاني سنة 471 ھ، وقد ترك بصمةً في التراثِ العربيِّ، ووضعَ حجرَ الأساسِ لعلمِ البلاغةِ والبيانِ، وبيَّنَ معالمَ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ سابقًا عصره بنظريةِ النّظمِ، وواهبًا نفسَه التي بين جَنبَيه للعلمِ واللغةِ.

هذه البصمة التي تركها في التراث العربي؛ دفعت الباخرزي للقول: ” هو العَلَمُ الفرد في الأئمة المشاهير”.

جرجان مسقط رأس الجرجاني
جرجان مسقط رأس الجرجاني

المصادر:-

[1] الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، ج1، ط4؛ تحقيق: عبدالسلام هارون، الخانجي، القاهرة، 1975 م.

[2] عبدالقاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز، ط5؛ قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، الخانجي، القاهرة، 1424 هـ- 1998 م.

[3] ابن كثير: طبقات الشافعيين، تحقيق: أحمد عمر هاشم/ محمد زينهم محمد عزب، مكتبة الثقافة الدينية، 1413هـ= 1993م،

[4]دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني ،مكتبة القاهرة الطبعة الأولى

معجم البلدان، ياقوت الحموي.

الرسالة الشافية في إعجاز القرآن للجرجاني، تحقيق جهاد النصيرات.

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى