نوادر العرب

الجاحظ يُسهِب في ذكر مآثِر الكِتاب

قال : الكتابَ نِعمَ الظَّهرِ والعُمدة، ونِعمَ الكَنزِ والعدةُ، ونِعمَ الذُخرِ والعقدةُ، ونعمَ النُزهةِ والعِشرة، ونعم الشغلِ والحِرفة

توطئة:-

يُعد الجاحِظ من أئمة الأدب في العصر العباسي الذين لا يُختلف بشأنهم، حتى من قِبل أولئك الذين يعترضون على فلسفتهِ ومنهجه الفكري المُعتزلي.

 فقد تأدَّبَ الجاحظ بآداب الفرس، وحِكمة الهند، وفَلسفة اليونان، ففصِح لسانه، ووضَح بيانه، وغزر علمه، وقَويت حجته، وسلِم منطقه بانتهاجه أسلوباً بحثياً عِلمياً، اعتمد فيه على: الشك والنقد، التجريب والمعاينة، تمييز الحلال من الحرام.

الجاحظ عمل في مهنة بسيطة

كثيرون يعتبرون بأن الجاحظ إلى جانب ابن المقفع؛ أكبر أدباء العربية على الإطلاق، رغم أن الثاني ينتمي إلى جذور فارسية وقد تم قتله وهو في ريعان شبابه.

الجاحظ رفيق الكتاب:-

وقد وصف الجاحِظ، الأديب الموسوعي، الكِتاب وصوَّر محاسنه، فأجاد وأبدع كعادته، وقد أورَدَ أبو منصور الثعالبي في مؤلَّفهِ “الظرائف والطرائف واليواقيت”، ذلك الوصف المتكامل للكتاب الذي صاحَبَ الجاحِظ طيلة حياته، قبل أن يكون سبباً في وفاته، حيث وافته المنية بعد أن سقطت عليه المُجلَّدات المتراصَّة على أرفف مكتبة منزله بالبصرة، وكانَ قبلَ ذلك قد أُصيب بالفالج (الشلل النصفي).

وصف مآثر الكتاب:-

وهنا يشرَع الجاحِظ في وصِفِ الكِتاب بقوله:

الكِتابُ وعاءٌ مُلِيءٌ عِلماً وظَرفٌ حُشِيَ ظَرفاً، وإناءٌ شُحِنَ مُزاحاً وجِدَّاً، إن شئتَ كان أعياً من باقِلٍ، وإن شئتَ كان أبلَغَ من سحبان وائلٍ، وإن شِئتَ ضَحِكتَ من نوادِرِهِ، وإن شِئتَ عَجِبتَ من غرائبهِ، وإن شئتَ ألهَتكَ مَضاحِكُهُ، وإن شِئتَ أشجَتكَ مَواعِظُه.

فالكتابَ نِعمَ الظَّهرِ والعُمدة، ونِعمَ الكَنزِ والعدةُ، ونِعمَ الذُخرِ والعقدةُ، ونعمَ النُزهةِ والعِشرة، ونعم الشغلِ والحِرفة، ونِعمَ الأنيسِ ساعة الوِحدةِ، ونِعمَ المعرفةِ ببلادِ الغُربةِ، ونِعمَ القرينِ والدَّخيل، ونِعم الوزير والنَّزيل، وهو الجليسُ الذي لا يُطريكَ، والصَّديقُ الذي لا يُغريكَ، والرَّفيقُ الذي لا يَملّكَ، والمُستَميحُ الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يَستبطِئك، والصاحِبُ الذي لا يريدُ استخراج ما عِندَك.

الجاحظ الأديب المتهكم اللاذع والفيلسوف المعتزلي
الجاحظ.. الأديب والفيلسوف

وهوَ الذي يُطِيعُكَ بالليل طاعةَ النَّهار، ويُفيدَكَ في السَّفرِ إفادتهِ في الحَضَر، ولا يَعتلَّ بنومٍ ولا ضَجَرٍ ولا يعتريهِ كلالُ سَهَرٍ، وهو المعلمُ الذي إذا افتقرتَ إليهِ لم يَحتقرَك، وإذا قَطَعتَ عنّهُ المادَّة والمائدة؛ لم يقطع عَنكَ العَادَةَ والعائدة، وإذا هبَّت ريحُ أعدائكَ لم ينقلب عَليكَ، وإن قلَّ مالكَ لم يترك زِيارتَكَ.

ثمَّ قال : متى رأيتَ بُستاناً يُحملُ في رُدنٍ وروضةً تُقلبُ في حِجرٍ ينطقُ عن الأمواتِ ويُترجِم كلامَ الأحياء، ومَن لك بواعظٍ مُلهٍ، وبزاجرٍ مغرٍ، وبناسكٍ فاتكٍ، وبساكتٍ ناطقٍ، وبِحَارٍ باردٍ، وبطبيب أعرابيٍّ وبروميٍّ هِنديٍّ وبفارسيٍ يونانيٍ وبقَدِيمٍ مولَّدٍ وبِميتٍ مُمتِع.

ثم قال: “ولولا ما وسَمَت لنا الأوائل في كُتبِها وخلَّدت مِن عجائب حِكمتها ودوَّنت من مَحاسِن سِيَرِها وفَنَنت من بدائعِ أثرها حتَّى شاهدنا كل ما غابَ عنَّا وفَتَحنا كلَّ مستغلقٍ علينا، فجَمَعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نُدرِكه إلَّا بِهِم، لقد كان يبخسُ حظّنا من الحِكمةِ، وتضعفُ أسبابنا عن المعرفة والفِطنة”.

ثم قال الجاحِظ: “ولولا الكُتُبُ المدوَّنة والأخبار المُفننة؛ لبَطَلَ أكثرُ العِلمِ ولغلبَ سُلطانُ النسيانِ سُلطانَ الذِّكر”.

وصف المسعودي للجاحظ:-

لقد تحدَّث الجُغرافي والرحَّالة والكاتِب أبو الحسن المسعودي صاحب الكتاب الشهير “مُروج الذَّهب”، عن الجاحِظ ومؤلَّفاته قائلاً : ” وكُتب الجاحظ، تجلو صدأ الأذهان، وتكشِف واضح البرهان، لأنهُ نَظَمها أحسَنَ نَظم، وصفها أحسَن رصف، وكَساها من كلامِه أجزَل لَفظ، وكان إذا تخوَّف مَلَلَ القارئ وسآمة السامع؛ خَرَج من جدٍ إلى هَزل، ومن حِكمةٍ بليغةٍ إلى نادرةٍ ظريفة”.

المسعودي .. أحد أكبر المؤرخين والجغرافيين في مسيرة الحضارة الإسلامية

المصدر:-

الظرائف واللطائف واليواقيت لأبي منصور الثعالبي، جمعها أبو نصر المقدسي، تحقيق ناصر محمدي محمد جاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى