أعلام

أبو عبد الله الثغري التلمساني .. شاعر السلطان أبي حمو موسى الثاني

كتب الرسائل الديوانية والمراسلات مع الملوك والسلاطين في المغرب والأندلس

أبو عبد الله الثغري هو محمد بن يوسف القيسي التلمساني ، فقيه وكاتب وعلامة نّاظم من أشهر شعراء تلمسان وبلغائها المقدمين لدى سلاطينها.

أبو عبد الله التلمساني ونشأته:

ولد أبو عبد الله الثغري بمدينة تلمسان ، ولا يعرف بالتحديد تاريخ مولده، ولكن الذي لا شك فيه أن نشأته كانت بهذه المدينة، كبر فيها وتعلم عن علمائها وشيوخها مثل العلامة «أبي عبد الله الشريف التلمساني» (توفي سنة 771هـ) وغيره.

عصر الثغري التلمساني :-

عاش أبو عبد الله الثغري التلمساني في عصر يعتبر من أزهى عصور الدولة الزيانية، وعاصر واحداً من أهم سلاطينها وهو «أبو حمو موسى الثاني» (760- 791هـ/ 1359- 1389م)، فخلال هذه الفترة استعادت الدولة الزيانية شيئاً من قوتها، بعد أن أنهكتها الصراعات مع جيرانها الحفصيين بتونس والمرينيين بالمغرب، وحظيت مدينة تلمسان بنصيب من الهدوء والاستقرار، ساعد على انتعاش حركة علمية وثقافية بها، فتبوأت مكانتها مجدداً كحاضرة من حواضر العالم الإسلامي.

وعليه؛ عرف الأدب ازدهاراً كبيراً وتطوراً محسوساً من حيث الكم والكيف، خاصة إذا علمنا أن سلاطين تلمسان ذاتهم كانوا من العلماء والأدباء والشعراء، فقربوا إليهم أهل الأدب والعلم من مختلف الطبقات وأحاطوهم برعايتهم وعنايتهم، حتى غدا البلاط الزياني زاخراً بالمجالس الأدبية والعلمية، ووجد فيه الشعراء الأرض الخصبة لمواهبهم.

ويعدّ السلطان أبو حمو موسى الثاني من الشعراء الموهوبين في الدولة الزيانية، فكان يقرض الشعر وينظم القصائد الطوال، ويستمتع بالمجالس الشعرية، ويشجع الشعراء على النظم والإلقاء، حتى التفت حوله فئة من الشعراء جادت قريحتها بإنتاج أدبي غزير.

أبو عبد الله الثغري التلمساني في البلاط الزياني:-

كان أبو عبد الله الثغري التلمساني واحداً من أبرز هؤلاء الشعراء الذين صنعوا لنفسهم مكانة في بلاط السلطان أبي حمو موسى الثاني، ويُحسب من المقربين منه فقد كان إلى جانب ذلك كاتبه الخاص، يكتب الرسائل الديوانية والمراسلات مع الملوك والسلاطين في المغرب والأندلس، إلا أن هذه الرسائل ضاعت للأسف، فلم تحفظ لنا كتب التاريخ منها شيئا، ولم يتبقَّ سوى شهادات من اطلع عليها وأدرك براعة الثغري في النثر التي تضاهي براعته في الشعر، حيث وصفه المازوني بـ «الإمام العلامة الأديب الأريب الكتاب»، كما وصفه أبو عبد الله المقري: بـ «العلامة النّاظم الناثر».

الثغري التلمساني ينتمي لمدينة تلمسان العريقة .

شعره:-

نظم الثغري التلمساني القصائد الغرَّاء الطُوال بمناسبة الاحتفال بليلة المولد النبوي الشريف، فقد كانت هذه ليلة خاصة يجري التحضير لها والاستعداد لإحيائها على قدم وساق، فكان الشعراء يتنافسون في تجهيز قصائدهم لإلقائها في حضرة السلطان، وفي طليعتهم شاعرنا الذي كان يجدد النظم في كل سنة.

ويقول في إحدى قصائده في مدح الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم):

وليلـة ثنتي عشــرة منك شــرّفت .. ففيهــا بدا بدر الهدى وهو كامل

بها لأميــــر المـؤمنيــن مشــــاهـــد .. لنـا منه فيها أنعم وفواضل

عوائدك إحســـان وحســى عوائد .. تنــال بها منه هسات حلائل

فمـا مثلها فــي الدهـــر ليلــة مولد .. ولا مثله للدين كاف وكافل

هو الملك المنصور موسى بن يوسف .. إذا احتفلت يوم الفخار المحافل

إمام الهدى سافي العدى أكؤس الردى. غمام الجدى عبث الندى المتراسل

وكذا ما نظمه في مطلع قصيدته التي أنشدها ليلة مولد سنة 717هـ/ 9 أكتوبر تشرين الأول 1369م:

اقصر فإن نذير الشيب وافاني .. وأنكرتني الغواني بعد عرفان

وقد تمــاديت في غــيٍّ بلا رشـد .. والنفـس تأمرني والشيب ينهاني

فقلت للنفـس إذ طـــالت بطالتها .. مهـلا ألم بأن أن تخشى ألم يان

كم من خطا في الخطايا قد خطوت .. ولم تراقب الله في سر وإعلان

فلا تغـــرَّنك الدنيـــا بزخــــرفهـــا .. فيـــا ندامة من يغتر بالفانــي

وإلى جانب المديح؛ نجد الثغري التلمساني قد نظم في شتى الأغراض الشعرية، منها الوصف حيث تغنَّى بجمال مدينته تلمسان قائلاً:

أيهــا الحاضــرون عهــد الــوداد .. جــدّدوا أنسنا بباب الجياد

وصلــوهــــا أصـــــائلا بليـــــال .. كــــــــلآل نظمن في الأجياد

فـي رياض منضـدات المجـــــانــي .. بيـن تلك الربي وتلك الوهاد

وبروج مشيـدات المبـــــــــاني .. باديــات السنا كشهب بواد

وفي قصيدة أخرى تجمع بين مدح السلطان ووصف عاصمته تلمسان؛ قال الثغري التلمساني :

سلطـانها المـولى أبو حمــو الرضــى .. ذوي المنصب الرفيع المعتلى

تاهـت تلمســـــان بدولتــــه على .. كُـــل البلاد بحسن منظرها الجلي

آثاره:-

خلَّف الثغري التلمساني قصائد كثيرة، أورد يحيى بن خلدون بعضاً منها في كتابه «بغية الرواد»، كما أورد شهاب الدين المقري بعضاً آخر في كتابه «أزهار الرياض في أخبار عياض»، بالإضافة إلى ما جمعه أبو العباس أحمد ابن عمار شيئاً من أشعار في رحلته «نحلة اللبيب في أخبار الرحلة إلى الحبيب».

وللأسف لم تجمع بعد في ديوان خاص به.

أبو عبد الله الثغري التلمساني أحد أبرز أعلام مدينته العريقة .

وفاته:-

وعلى غرار مولده؛ لم تذكر المصادر تاريخ وفاة أبي عبد الله الثغري التلمساني ، إلا أنه يرجَّح أنه توفِّي أواخر قرن 8هـ/ أوائل قرن 15م.

تعرف هنا على بجاية .. عاصمة الدولة الحمادية

المصادر:-

• أبو زكرياء يحيى ابن خلدون، بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، تحقيق عبد الحميد حاجيات، ج1.
• عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج2، دار مكتبة الحياة.
• عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض الثقافية.
• أحمد بن محمد المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج6، تحقيق إحسان عباس، دار صابر.

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى