معلومات تاريخية

التجارة الصحراوية مع السودان الغربي شكلت مصدر ثروة للمغرب الأقصى

القوافل كانت تنطلق مرتين في السنة؛ واحدة في فصل الربيع وأخرى في بداية الخريف

شكلت التجارة الصحراوية التي كانت تربط المغرب الأقصى ببلاد السودان الغربي مصدر ثروة هام بالنسبة للدول التي تعاقبت على حكم المغرب بدءا من الأدارسة ووصولا إلى العلويين، الأمر الذي جعلها تحظى باهتمام كبير من طرف هذه الدول.

وقد وازدهرت التجارة الصحراوية بشكل كبير خلال القرن العاشر الميلادي، واستمرت إلى بداية القرن العشرين، وذلك قبل وقوع القارة الافريقية تحت نير الاستعمار الأوربي الذي ساهم في تحديث وسائل المواصلات وخلق الحدود بين المغرب الأقصى وبلاد السودان الغربي.

المقدسي

هذا وقد لعبت التجارة الصحراوية دورا مهماً في الربط بين الشعوب الافريقية خاصة بين المغرب الأقصى ودول افريقيا جنوب الصحراء أو ما يسمى بالسودان الغربي، حيث لعبت القوافل التجارية الصحراوية دورا هاما في الربط بين هذين المجالين، الأمر الذي ساهم في التخفيف من العزلة التي تعرفها المناطق الصحراوية.

أهمية التجارة الصحراوية الاستراتيجية :

 ونظرا لأهميتها الكبرى في تقوية الاقتصاد لما توفره من موارد مالية بالنسبة للدولة سواء عن طريق الجبايات المفروضة على القوافل التجارية أو بواسطة تجار السلاطين الذي يستثمرون أموال الدولة في التجارة؛ فإنها نالت اهتماما كبيرا من قبل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب بدءا من الدولة الإدريسية التي تأسست في القرن الثامن الميلادي (الثاني الهجري) وانتهاء بالدولة العلوية التي تأسست خلال القرن السابع عشر الميلادي (الحادي عشر الهجري)، لذلك  كانت الدول المغربية تحرص على وضع يدها على منافذ الصحراء وكان أول شيء تبدأ به هو اخضاع المراكز التجارية المنفتحة على الصحراء كسجلماسة ومراكش.

أحد الأسواق المغربية القديمة في العام 1904 م – مكتبة الكونغرس

القافلة وسيلة التجارة الصحراوية :-

كانت القوافل التجارية بمثابة الرابط الوحيد بين المغرب الأقصى وبلاد السودان الغربي، وذلك نظرا لكونها الوسيلة الوحيدة القادرة على اختراق وعبور المجال الصحراوي الذي يتميز بقساوته وعدوانيته.

ويمكن تعريف القافلة بأنها تنظيم مسبق يقوم به مجموعة من التجار الذين قد تختلف أعراقهم وأديانهم لكن يوحدهم هدف واحد وهو الربح عن طريق ممارسة العمل التجاري، وكانت هذه القوافل تعتمد على الإبل، نظرا لكون الجمل هو الوسيلة الوحيدة الممكنة للتنقل في الصحراء.

وقد كانت هذه القوافل تنطلق عادة مرتين في السنة مرة في فصل الربيع ومرة في بداية الخريف، وتتراوح المدة التي تقضيها في الطريق ما بين ستة أسابيع وشهرين، وكان تتميز باختلاف عدد أفراد القافلة وعدد الجمال بها حسب طول أو قصر المسافة ومدى توفر الأمن ووجود المخاطر في الطريق.

توقيت معين لمواعيد تحرك القوافل وعودتها

تجهيز القوافل لبدأ التجارة الصحراوية :-

وكان تجهيز القافلة يستغرق بضعة أيام من أجل توفير الاحتياجات الضرورية من مؤونة وغيرها، لتبدأ بعدها مرحلة الانطلاق نحو الوجهة المنشودة، و يستمر المسير يوميا لحوالي 14 أو 15 ساعة، تقطع القافلة خلالها ما بين 40 أو 50 كيلومترا، وأحيانا تضطر إلى السير ليلا اذا كانت الرحلة في فصل الصيف تجنبا للحرارة والارهاق.

ونظرا لطول المسافة التي تقطعها القافلة وطول مدة الرحلة وتعدد الأخطار الموجود في الطريق؛ كان لزاما على القافلة أن تتألف من مجموعة من الأفراد الذين تختلف أهميتهم تبعا لنوع الوظيفة أو الخدمة التي يقدمونها، ويأتي قائد القافلة في المرتبة الأولى حيث يعتبر الشخص الأكثر أهمية فهو الذي تسند إليه مهمة تسيير القافلة وقيادتها، ويشترط فيه أن يكون متمرنا في أصول التجارة وعبور الصحاري ويطلق عليه شيخ القافلة، ثم يأتي في المرتبة الثانية الدليل الذي يقوم بإرشاد القافلة ويشترط فيه أن يكون ذا معرفة كبيرة وجيدة بالمسالك الصحراوية وذا دراية بالنجوم ومنازلها وبأماكن المياه ومناطق الرعي، إضافة إلى معرفته لمواضع قطاع الطرق واللصوص وأماكن انتشار الأفاعي والسموم والأخطار.

الحراس المؤهلين للحماية :-

وبسبب انتشار الأخطار على الطريق؛ كان لزاما على القوافل أن تتضمن مجموعة من الحراس المدربين و المسلحين جيدا الذين تنحصر مهمتهم في حماية القافلة من قطاع الطرق واللصوص، كما كانت القوافل تحتاج إلى سعاة البريد أو ما يسمى الرقاصين الذي يعملون على تزويد القوافل بالأخبار حول أوضاع الطرق من حيث الأمن والسلامة، وأماكن اللصوص وقطاع الطرق، وحول كمية البضائع المطلوبة.

وبالإضافة إلى الفئات السالفة الذكر؛ كانت القوافل الصحراوية تتضمن أيضا الأطباء والفقهاء والمؤذنين وكتاب العقود والمترجمين ورعاة الإبل والشوافين الذين يتقدمون القوافل عند اقترابها من المراكز التجارية المهمة في الصحراء الإفريقية الكبرى حاملين معهم رسائل من التجار إلى أصحاب المدينة من أجل توفير دور الإقامة لهم.

أهمية وجود حراس مؤهلين ومدربين

بضائع متنوعة ومسالك مختلفة :-

  نظرا لكون القوافل كانت وسيلة الربط بين شمال الصحراء الكبرى الافريقية وبين جنوبها؛ فإنها عملت على تلبية حاجيات الدول والسكان المتواجدين على طرفي الصحراء، حيث كان التجار ينقلون التمور والملح والمنسوجات والتبغ والكتب من المغرب الأقصى في اتجاه دول افريقيا جنوب الصحراء، ويجلبون في المقابل الذهب والعبيد والعاج والتوابل وجلود الحيوانات.

 وقد اعتمدت هذه القوافل -التي كانت تربط المغرب بدول افريقيا جنوب الصحراء- على مجموعة من المسالك، التي كانت تتغير أهميتها تبعا للدولة الحاكمة، حيث حظيت المسالك التي تربط بين مدينة سجلماسة  المغربية وتمبوكتو في السودان الغربي ( تقع في جمهورية مالي حاليا ) وبين مراكش و تمبوكتو باهتمام كبير في عهد الدولة المرابطية خلال القرن 11 م / 5 هـ، بينما حولت الدولة الموحدية ( القرن 12 م / 6 هـ ) ومن بعدها الدولة المرينية ( القرن 13 م / 7هـ )  الأنظار نحو المراكز التي توجد غربا كمركزي نول وأغمات على الطريق الأطلسية بمحاذاة الساحل ، الأمر الذي ساهم في  تراجع مكانة مركز سجلماسة الذي كان يقع في الجنوب الشرقي .

مدن ساهمت في ازدهار التجارة :-

ويعود الفضل لتجارة القوافل في ازدهار وتطور مجموعة من المدن خلال العصر الوسيط، سواء في المغرب الأقصى أو في بلاد السودان الغربي، نظرا لوقوعها على خطوط التجارة الصحراوية ، وتعد سجلماسة ومراكش وأغمات من أهم المراكز التي ازدهرت في المغرب الأقصى، أما في السودان الغربي؛ فقد ازدهرت كل من مدينة تمبوكتو وغاو ( تقع في مالي حاليا ) وأوداغشت  التي تقع أثارها في الجمهورية الإسلامية الموريتانية حاليا.

الخاتمة:-

ختاما؛ يجب الإشارة إلى أن التجارة الصحراوية بدأت تعرف تراجعا كبيرا انطلاقا من القرن 15 م، بسبب انطلاق الاكتشافات الجغرافية الأوربية عبر السواحل الغربية لإفريقيا، والتي تزعمتها البرتغال بهدف إقامة علاقات مباشرة مع البلدان الافريقية المنتجة للذهب ومن أجل التخلص من دور الوساطة المغربية.

تعرف هنا على سوق عكاظ .. ملاذٌ ثقافي وتجاري وتبشيري لقبائل العرب

تغير طرق التجارة يلقي بظلاله السلبية على نمط التجارة التقليدية – المغرب – عام 1904 م – مكتبة الكونغرس

المصادر:

  • الحسن الوزان، وصف افريقيا
  • ابن بطوطة ، تحفة النظار في غرائب الأمصار
  • البكري، المسالك والممالك
  • محمد الوفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي
  • ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، مج 7
  • موجز تاريخ المغرب، المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، 2015
  • https://cdn.loc.gov/service/pnp/agc/7a04000/7a04400/7a04411v.jpg
  • https://cdn.loc.gov/service/pnp/agc/7a04000/7a04400/7a04443v.jpg
  • Photo by Andrea Cappiello on Unsplash
  • Photo by Jeff Jewiss on Unsplash
  • Photo by Daniele Levis Pelusi on Unsplash

aziz

عزيز سليمان من مواليد عام 1988، مغربي الجنسية، حاصل على شهادة البكالوريوس في الجغرافيا عام 2013، وعلى شهادة التربية والتكوين عام 2015، ويعمل مدرسا لمادة الاجتماعيات منذ 2015. كاتب محتوى عربي، مهتم بالقضايا التاريخية والثقافية والحقوقية والتربوية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى