أعلام

تاج الدين الكندي .. اللغوي الحافظ

حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وكمَّل القراءات العشر وله عشر سنين

تاج الدين الكندي – اسمه ونشأته:

زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد، تاج الدين ، أبو اليُمْنِ الكندي البغدادي، المقرئ النحوي اللغوي الحافظ، وُلِدَ في بغداد يوم الأربعاء، 25 شعبان، سنة 520هـ، ونشأ في دمشق.

تحصيله العلمي ومكانته العلمية:

كان تاج الدين الكندي أوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع، حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين، وكمَّل القراءات العشر وله عشر سنين.

صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي
صفحة من القرآن العظيم تعود للقرن التاسع الميلادي

وكان قد تولى توجيهه الشيخ الإمام عبد الله بن علي بن أحمد المقرىء المعروف بأبي محمد سِبْط الخياط، حيث ربَّاه تربية الولد البار، ونصحه، وحمله إلى مشايخ وقته وعلماء أوانه، فأخذ عنهم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف؛ منهم في النحو: الشريف أبو السعادات بن الشجري، وأبو محمد بن الخشاب، وأخذ اللغة عن أبي منصور الجَوَاليقي، وبلغ عدد من قرأ عليه من الشيوخ الذين لقيهم وسمع منهم، وأجازوا له من الأقطار سبعمائة ونيِّفاً وستين شيخاً ما بين رجل وامرأة.

سافر عن بغداد في شبابه، وآخر عهده بها في سنة 563هـ، واستوطن حلب مدة من الزمن، وكان يبتاع الخيلع ويسافر به إلى بلاد الروم ويعود إليها.

بغداد التي عاش وتوفي فيها عدد كبير من كبار الشعراء والفلاسفة
بغداد عام 1932 وهي المدينة التي عاش فيها عدد كبير من كبار العلماء والشعراء والفلاسفة واللغويين

انتقل بعد ذلك إلى دمشق، وصحب الأمير عز الدين فروخ شاه بن شاهان شاه، وهو ابن أخي السلطان صلاح الدين، واختص به وتقدم عنده، وسافر في صحبته إلى الديار المصرية، واقتنى من كتب خزائنها كل نفيس، وعاد إلى دمشق واستوطنها، وقصده الناس وأخذوا عنه.

تطوَّر عقل تاج الدين الكندي مع مرور الوقت، فترك المذهب الحنبلي إلى نظيره الحنفي، وذلك منذ أن ترك بغداد موئل الحنابلة آنذاك، وأقبل على علماء الشام، ثم استوطن حلب، التي غادرها للأناضول ثم عاد إليها، ولربما أثرَّ ذلك فيه نظراً لأن غالبية علماء الروم من الحنفية.

شعره:

تميز تاج الدين الكندي بشعره؛ منه ما كتبه للشيخ مهذب الدين أبي الطالب محمد المعروف بابن الخيمي بالقاهرة:

أيُّها الصَّاحبُ المحافظُ قد حمَّـ.. ـلتَنَا من وفاء عَهدك دَينا

نحن بالشَّــام رهــنُ شــوقٍ إليكم .. هــل لديكم بمصرَ شوقٌ إلينا

قد غلبنــا بِمَــا حــرمنــا عليكــم .. وغلبتــم بما رزقتم علينا

فعَجَــزَنا عـن أن ترونــا لديكـــم .. وعجــزْتُم عن أنْ نراكم لدينا

حَفِـظَ اللهُ عهـدَ مَـنْ حَفــظَ العهـدَ .. وأوفــى به كما قد وَفَيْنا

وقال في المنجمين:

دعِ المنجِّـــمَ يكبـــو فــي ضــلالتــه .. إنِ ادَّعى علمَ ما يجري به الفلكُ

تفـــرَّد اللهُ بالعلــمِ القديــمِ فــلا .. الإنســانُ يَشْرَكُهُ فيه ولا الملكُ

أعدَّ للرِّزق مـن أشـراكـه شَرَكــــاً … فبئسـت العدتان الشِّركُ والشَّرَكُ

تميز شعره بالحكمة والزهد خصوصاً حينما بلغ مرحلة متقدمة من العمر

وعندما تقدمت به السِّنُّ أنشد قائلاً:

أرى المرءَ يهــوى أن تطول حيــاتُــه .. وفـي طولِها إرهاقُ ذلٍّ وإزهاقُ

تمنَّيْتُ في عصـــرِ الشَّبيبـةِ أنَّنــي .. أُعمَّــرُ والأعمارُ لا شكَّ أرزاقُ

فلمَّــا أتانــي مــا تمنَّيْتُ ســــاءَنـي .. مِنَ العمرِ ما قد كنْتُ أهوى وأشتاقُ

يُخيِّل لِــي فكــري إذا كُنْتُ خــالياً .. ركــوبي على الأعناقِ والسَّير إعناقُ

ويُذكِّرُنــي مَــرُّ النَّسيــم ورَوحُـــهُ .. حفـــائرَ تلعوها مِنَ التُّرَبِ أطباقُ

وهـــا أنا في إحدى وتسعين حِجَّـــةً .. لهــا فيَّ إرعادٌ مَخوفٌ وإبراقُ

يقولــــون تريـاقٌ لمثلِــكَ نافـــــعٌ .. ومَـــا ليَ إِلا رحمةَ اللهِ تِرياقُ

أقوال العلماء فيه:

قال الذهبي: “كان أعلى أهل الأرض إسناداً فى القراءات، فإني لا أعلم أحداُ من الأئمة عاش بعد ما قرأ القراءات ثلاثاً ثمانين سنة غيره، هذا مع أنه قرأ على أسنِّ شيوخ العصر بالعراق، ولم يبق أحد ممن قرأ عليه مثل بقائه ولا قريباً منه، بل آخر من قرأ عليه الكمال بن فارس، وعاش بعده نيِّفاً وستين سنةً، ثم إنه سمع الحديث على الكبار، وبقي مسند الزمان فى القراءات والحديث”.

وقال ابن تَغْري بَرْدي عن تاج الدين الكندي : “كان فاضلاً بارعاً فى الأدب، وله رسائل ومكاتبات وشعر”.

وقال عبد القادر بن محمد النعيمي: “النحوي اللغوي المقرئ، شيخ الحنفية والقراء والنحاة بالشام، ومسند العصر … نزل الناس بموته درجةً في القراءات وفي الحديث”.

ياقوت الحموي الجغرافي الرحّالة صاحب البصمة التاريخية
ياقوت الحموي الجغرافي الرحّالة صاحب البصمة التاريخية

وقال ياقوت الحموي: “ما أظن أن أحداً نال من العلم وبلغ منه ما بلغ تاج الدين، فإني رأيت الملك المعظم ابن الملك العادل، وهو صاحب الشام، والمتملك عليها، وهو يقصد منزله راجلاً؛ ليقرأ عليه النحو، ولا يكلِّفه مشقة المجيء إلى خدمته، ورأيت على بابه من المماليك الأتراك وغيرهم ما لا يكون إلا على باب ملك، ومن الآدر والبساتين ما لا يحصى”.

يقول أبو الحسن السخاوي في شرّح المفصَّل: ” لقيتُ جماعةً من أهل العربية منهم الشيخ الفاضل أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، وكان عنده في هذا الشأن ما لم يكن عند غيره، فأخذتُ عنه كتاب سيبويه وقرأتُ عليه الإيضاح لأبي علي مستشرحاً وأخذتُ كتاب اللمع لأبي الفتح، وكان واسع الرواية..”.

قال محمد بن محمد بن حامد في كتابهِ “خريدة القصر” واصِفاً الكندي: “عالمٌ، شاعرٌ،عروضيٌ، متفننٌ، متقنٌ للأدب، محسنٌ، خبيرٌ بالنقدِّ والتَّزييف، مدققٌ في التَّقوية والتضعيف، ولم يَزَل متقرباً عند الملوك، متاجراً في سوقِ الفضل من غُرره بالتبرِّ المسبوك والوشيِّ المَحوك، ما يكادُ يَسلمُ ذو أدبٍ من مُحاككتهِ ومُحاققتهِ ومضايقتهِ في الطُّرق الخفية ومدافعته”.

تاج الدين الكندي – سماته الشخصية:-

كان تاج الدين الكندي شديد الاعتداد بنفسه والاعتماد على عمله ومسعاه، فلم يسلك مسلك الفقهاء في جنوحهم إلى الوظائف، إنما كان يشتغل بالتجارة، ولتحقيق نجاحه التجاري؛ فقد اتخذ من حلب مقراً لإقامته، وهذا ما يُفسِّر عدم ذكره في أسماء القضاة والكُتَّاب والمدرسين أرباب الوظائف في المدراس.

لذا نجد المؤرخ جمال الدين القفطي ، الذي نال عند ملك حلب حظوة لا تقل عن تلك التي حازها الكندي عند ملك دمشق، وعنده من الإعجاب بنفسه ما لدى الكندي يقول عن الأخير: ” كان ليِّنا معجباً بنفسه فيما يذكره ويرويه، وإذا نوظر جبه بالقبيح واستطال بغير الحقيقة، ولم يكن موثوق القلم فيما يسطره”.

الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها
الرحالة الكبير ابن بطوطة يصف مدينة حلب خلال زيارته لها

وحينما دخل دمشق عام 605 هجري؛ جرت مهاترات ، بينه وبين ابن دحية الكلبي حول المقصود بالشفاعة ، وذلك أثناء لقاء جمعهما عند مجلس الوزير الصفي بن شكر.

 ومن بعد ذلك؛ ألَّفَ ابن دحية كتاباً سمَّاه “الصارم الهندي في الردِّ على الكندي”، وقابله الأخير بكتاب ألَّفه سماه “نتف اللحية من ابن دحية”.

دمشق بنهاية القرن التاسع عشر – مكتبة الكونغرس

وفي مقابل ذلك؛ كان الكندي كثير الإحسان إلى الموالي والرقيق، فقد اشترى عدداً منهم ورباهم على أفضل وجه، ثم أعتقهم ومنهم ياقوت الحموي، الذي قدَّم مؤلفيه العظيمين “معجم البلدان” و”معجم البلدان”.

كتبه ومصنفات تاج الدين الكندي:

  1. ديوان شعر.
  2. المشيخة: معجم لشيوخه، رتَّبه على حروف المعجم.
  3. شرح ديوان المتنبي.

وفاته:

توفي تاج الدين الكندي في دمشق يوم الإثنين، 6 شوال، سنة 613هـ، ودُفِنَ من يومه بجبل قاسيون.

وقد بُنِيَ على قبره قبه وجُعٍلت له تُربة وقد ترجم لها النعيمي في تنبيه الطالب وكذا العلموي والبقاعي (بالتربة التاجية) وذكروا أنها بالصالحية في سفح قاسيون، رغم أن موضعها مجهول اليوم.

دمشق الفيحاء في العام 1890 م وهي المدينة التي قصدها الإمام أبو إسحاق الفزاري
دمشق الفيحاء في العام 1890 م – مكتبة الكونغرس

المصادر:

  • الأعلام (3/57).
  • الدارس في تاريخ المدارس (1/370).
  • سير أعلام النبلاء (22/34/رقم 28).
  • معجم الأدباء (3/1330/رقم 504).
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (6/216).
  • تاج الدين الكندي، مجمع اللغة العربية بدمشق.
  • إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي.
  • وفيات الأعيان (2/339).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى