أعلام

البلاذري.. العالم بأنساب العرب

قال الذهبي: "كان كاتباً بليغاً، شاعراً محسناً، وُسْوِسَ بِأَخَرَةٍ؛ لأنه شرب البَلاَذُرَ للحفظ"

اسمه ونشأته:-

أحمد بن يحيى بن جابر بن داود، أبو الحسن، وقيل: أبو بكر، البَلاَذُرِيُّ ؛ نسبةً إلى حُبِّهِ لنبات البَلاَذُرَ الذي أكل منه وكان سبباً في اعتلاله آخر حياته، وهو المؤرِّخ الجغرافي النسَّابة، وُلِدَ في بغداد، جالس المتوكل، ونادمه، وكان جده جابر كاتباً لِلْخَصِيْبِ أمير مصر.

مكانته العلمية:-

كان البَلاَذُرِيُّ عالماً فاضلاً، كاتباً، شاعراً، راويةً، نسَّابةً متقناً، وكان مع ذلك كثير الهجاء، بذيء اللسان، آخذاً لأعراض الناس؛ من ذلك ما هجا به عافية بن شبيب:

مَنْ رآه فقَدْ رأى .. عربيّاً مُدلِّسا

ليس يدري جليسُهُ .. أفسا أَمْ تنفَّسا

البلاذري
الخليفة المأمون كان صاحب قدرة على تمييز الشعراء

وله مدائح في المأمون وغيره، ومن ذلك ما قاله في عبيد الله بن يحيى، وقد صار إلى بابه فحجبه:

قالوا اصطبارُكَ للحجـــــاب مذلَّــــــةٌ .. عــــارٌ عَلَيْك مدى الزَّمَانِ وَعَــابُ

فأجبْتُهُـــم ولكــــــلِّ قــولٍ صــــــادقٍ .. أَو كـــــاذبٍ عِنْد الْمقَـــــال جَوَابُ

إِنِّي لأغتفـــــرُ الْحجـــاب لمـــــاجـــدٍ .. أمسَــــتْ لَـــــــهُ مننٌ عَليَّ رغــــــابُ

قَدْ يرفـــــعُ المـــرء اللـئيم حجـابــه .. ضعةً وَدون الْعـــرفِ مِنْهُ حجــــابُ

وكان البَلاَذُرِيُّ يجيد الفارسية وترجم عنها كتاب «عهد أزدشير».

المستعين يتكفَّل بالبلاذري:-

قال المؤرخ ابن العديم : إن البَلاَذُرِيُّ كان ينفق دأبا ولا يجتدي ولا يحترف، فقيل له في ذلك، فقال: ” دخلتُ مع الشعراء يوماً إلى المستعين فقال لنا: مَن كانَ قد قالَ فيَّ مِثلَ قَولِ البُحتري في عَمي المتوكِّل:

وَلَوْ أنَّ مُشتاقاً تكلَّــــــــفَ فوقَ مـــــا .. في وُسعِـــــهِ لثَنى إليكَ المَسِــــير

والإ لا ينشدني شيئاً”، قال، فقلنا: “ما فينا من قالَ فيكَ مِثل هذا، وانصرفنا، فلمَّا كان بعد أيام؛ عُدتُ إليه، فقُلت: ” يا أمير المؤمنين قد قُلتُ فيكَ أحسَن مما قالَ البُحتري في عمِّك”، فقال: إن كانَ كذلكَ أسنيتُ جائزتَكَ فهات”، قُلت :

وَلَو أنَّ بُــــردَ المُصْطَفى إذ حوَيْتَــهُ .. يَظُنُّ لَظَنَّ البُرْدَ أنَّكَ صاحِبُــــه

وقـــــــالَ وقَدْ أُعِطيتَـــــــهُ فَلَبِسْتَـــــهُ .. نَعَـــمْ هذه أعطَافُـــه ومنَاكبُــه

فقال المستعين” أحسنت، انصرف إلى منزلك وانتظر رسولي”، ففعلت، فجاءني رسوله برقعة بخطِّه، فيها: قد أنفذتُ إليكَ سبعة الآف دينار.. فأنفق منها ولا تتعرض لأحد ليبقى بهاءُ وجهك عليك، ولكَ عليَّ أن لا تحتاجَ ما عِشتُ إلى شيء من أمرِ دُنياك.. قال: ثُمَّ أجُرِيَ لي الجرايات والأرزاق السنية، فما احتجتُ مُنذُ ذلكَ وإلى الآن إلى غير جوائزهِ والسبعة الآف، فأنا أنفقُ من جميعِ ذلك، ولا أخلق نفسي بالتعرُّض، وأترحَّم عليه.

أساتذة البلاذري:-

سمع البلاذري لجملة صالحة من العلماء والبلغاء وأخذ عنهم، وبينهم :

  • عبد الله بن صالح العجلي.
  • أبو الحسن المدائني.
  • هشام بن عمَّار.
  • محمد بن مصفى.
  • خلف ابن هشام.
  • شيبان بن فروخ.
  • محمد بن سعد كاتب الواقدي.
  • عباس بن الوليد الترسي.
  • عبد الواحد غياث.
  • عثمان بن أبي شيبة.

أقوال العلماء فيه:-

قال ابن عساكر: “بلغني أن البَلاَذُرِيَّ كان أديباً راويةً له كتب جياد، ومدح المأمون بمدائح، وجالس المتوكل، ومات في أيام المعتمد، ووسوس في آخر عمره”.

قال الذهبي: “كان كاتباً بليغاً، شاعراً محسناً، وُسْوِسَ بِأَخَرَةٍ؛ لأنه شرب البَلاَذُرَ للحفظ”.

ابن العديم الحلبي هو كمال الدين بن أبي جرادة مؤرخ وناظم من خيرة رجال مدينة حلب، أَحب بلده فجعلها مركز كتاباته، ليُشهدها على عراقة وثقافة ومعمار موطنه الحبيب
ابن العديم الحلبي هو كمال الدين بن أبي جرادة مؤرخ وناظم من خيرة رجال مدينة حلب، أَحب بلده فجعلها مركز كتاباته، ليُشهدها على عراقة وثقافة ومعمار موطنه الحبيب

قال عنه ابن العديم في كتابه “تاريخ حلب”: “البلاذري كاتب أديب، شاعر مجيد، راوية الأخبار، مصنِّف، له كُتُب حسنة منها أنساب الأشراف، وهو ممتع كبير الفائدة”.

قال عنه عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر: ” ولهُ كُتُب جياد، وهو صاحب كتاب البلدان، صنَّفه، وأحسن تصنيفه”.

كتب البلاذري:-

  1. البلدان الصغير.
  2. البلدان الكبير، لم يتمه.
  3. أنساب الأشراف، مصنف كبير شامل ولكنه لم يتم، رتبة تبعاً للأنساب، وهو يبدأ بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة، ثم يورد العباسيين بعد العلويين، وبني عبد شمس بعد بني هاشم، ويذكر الأمويين، ثم تحدث عن بقية قريش وبطون أخرى من مُضَر، وشغل الجزء الأخير من كتابه الحديث عن قيس وخصَّ بالذكر منهم ثقيفاً.
  4. عهد أزدشير، ترجمه بشعر.
  5. فتوح البلدان، وهو مختصر لكتاب آخر شامل يتناول الموضوع نفسه، ويبدأ الكتاب بغزوات النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتحدث عن الردة وفتح الشام والجزيرة وأرمينية ومصر والمغرب، ثم يختمه بذكر فتح العراق وفارس.

ويتخلل المؤلف سرد البَلاَذُرِيُّ للحوادث إشارات ذات قيمة من ناحية تاريخ الحضارة والنظم الاجتماعية؛ مثل كلامه عن نقل الدواوين، والخلاف الذي حدث مع الروم بشأن القراطيس، ومسائل الخراج، واستعمال الخاتم، وأمر السكة وتداولها، وتاريخ الخط العربي.

كتاب أنساب الأشراف:-

أورد البلاذري في كتابه “أنساب الأشراف” أسماء أبرز أنساب الأسر والشخصيات التاريخية ونسبها بدءاً من أبناء آدم عليه السلام وحتى عهده متسفيدا من الرواة الذين سبقوه وخصوصاً ابن الكلبي، وفيما يلي عدداً من نماذج الأسماء التي تناولها:

  • يقال: إن أول من كَسَا الكعبة عدنانُ، كساها أنطاع الأدم. وولد مَعدُّ بن عدنان : نزار بن معدّ، وبه كان يُكنَّى، ويقال: إنه يُكنَّى أبا حَيْدة ، وبعضهم يقول: إنه كان يُكنَّى أبا قُضاعة- وقَنَص بن معدّ، وقُناصة. وسنَام. وعوف، وشك، وحَيْدان، وحيدة، وعُبيد الرماح – في بني كِنانة بن خُزيمة- وجُنيد في عَكّ، وجُنادة، والقَحْم. وأمهم مُعانة بنت جُشَم بن جَلْهة بن عمرو بن جُرهم، وبعضهم يقول: جَلهمة، والأول أثبت.
  • ويُروَى “كلبي لوائل”، وهو كُليب بن ربيعة بن الحارث بن زهير، من بني تغلب بن وائل، فنَسَبه إلى وائل والعرب تقول: “كليب وائل” أيضاً.
  • فَوَلَد نِزار بن معد: مُضَر بن نِزار؛ وإياد بن نِزار، وبه كان يُكنَّى نزار، وأمهما سَوْدة بنت عَكّ؛ وربيعة؛ وأنمار، وأمهما الحَذالة بنت وَعلان بن جوَشم بن جَلهة بن عمرو، من جُرهم، فذَكَرَ بعضهم أنَّ أنمار هذا دَرَجَ بعد موت أبيه، ولم يعقِّب، وقال بعض الرُّواة: بل غاضَبَ إخوته وانتفى منهم، وأتى اليمن فحالفَ الأزد وانتسَبَ إلى أراش بن عمرو بن الغوث، أخي الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كَهلان، وتزوَّجَ بجيلة بنتَ صَعب بن سعد العشيرة، فنُسِبَ ولده منها إليها؛ وتزوَّجَ هندَ بنتَ مالك بن الغافق من عكّ أيضاً، فأما بَجيلة؛ فولَدَت له عَبقر بن أنمار، والغوث بن أنمار وإخوة لهما، وأما هند؛ فولدتْ له أفتل وهو خثعم.
  • يُقال أيضاً : إنّ قسيَّاً كان عبداً لأبي رُغال، وكان أصله من قوم نجوا من قوم ثمود، فَهَرَبَ من مولاه، ثم ثقفه، فسمَّاهُ ثقيفاً، وانتسبَ ولده بعد حين إلى قيس، ولذلك يقال: إنَّ ثقيفاً بقية ثمود، وكان الحجَّاج يقول: “يقولون إنَّا بقية ثمود؛ وهل بقيَ مع صالح إلَّا المؤمنون؟”.
  • أما أبو رُغال؛ فيقال: إن أصلهُ من العُرب العاربة، وكان له سلطانٌ بالطَّائف وما والاه، فكانَ يأخُذُ من
    أهل عملهِ غنماً بسبب خَرْج كانَ لهُ عليهم، وكان ظلوماً غشوماً، فأتى على امرأة تربّي يتيماً في عامِ
    جدب وقحط بلبن عنز، لم يكُن بالطَّائف شاة لَبون سواها، فأخذها، وبقي الصَّبيُ بغير رضاع، فمات،
    فرمى الله أبا رُغال بقارعة، فهَلَكَ ، ودُفِنَ بين الطَّائف ومكَّة، فقبرهُ هناك يُرْمى على وجه الدَّهر.
البلاذري تناول بتعمق أنساب العرب في الجزيرة
تناول بتعمق أنساب العرب في الجزيرة

وفاة البلاذري:-

أصيب في آخر عمره بذهول شبيه بالجنون، فوضع بالبيمارستان إلى أن توفي في أيام المعتمد على الله بعد سنة 270هـ.

ويقول المرزباني في شأن وفاة البلاذري : “إنه وسوس في آخر عمره لأنه شرب البلاذر فأفسد عقله”، وهو
الأمر الذي ذهب إليه أيضاً محمد بن إسحاق النديم بقوله: ” إنه شرب البلاذر على غير معرفة، فلحقه ما
لحقه وشد في البيمارستان، حتى مات ولهذا قيل له: البَلاَذُرِيُّ “.

المصادر:

الأعلام (1/267).

سير أعلام النبلاء (13/162/رقم 96).

معجم الأدباء (2/530/رقم 205).

موجز دائرة المعارف الإسلامية (6/1824).

فتوح البلدان للبلاذري.

أنساب الأشراف للبلاذري.

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق