معلومات تاريخية

البيمارستان النوري في دمشق .. أحد أبرز تجليات تقدم المسلمين في المجال الطبي

كان يوفر أفضل وسائل الراحة والعلاج للمرضى وأفضل الطعام أيضاً، كما أن العلاج كان مجانياً لكلٍ من الفقراء والأغنياء

ما هو البيمارستان؟

قبل أن نبدأ بالحديث عن البيمارستان النوري في دمشق يتوجب علينا أولاً أن نشرح معنى البيمارستان ووظيفته ، فبيمارستان هي كلمة فارسية مؤسسة من مقطعين (بيما التي تعني مريض وستان تعني دار) وبذلك يكون معناها بالكامل دار المرضى، وهي بالفعل كانت مستشفيات تداوي المرضى وتعطي الأدوية المناسبة، كما أنها لم تكن للعلاج فقط بل لتدريس الأطباء وتخريجهم.

تأسيس البيمارستان النوري في دمشق:-

تأسس البيمارستان النوري عام 549هـ/ 1154م في عهد الملك العادل نور الدين محمود زنكي، ليكون من أهم المباني الأثرية في دمشق، يقع في قلب دمشق القديمة وتحديداً في الجنوب الغربي من الجامع الأموي في حي سيدي عامود، ويعتبر من أشهر البيمارستانات الثلاث التي بُنيت حول الجامع الأموي وهي البيمارستان الدقاقي والقيمري.

مستسفى متكامل لا تزال أطلاله شاهدة على تاريخنا المجيد

أما عن سبب بناء البيمارستان؛ فهناك مصادر تاريخية تذكر بأنه عندما كان الملك نور الدين زنكي يحارب الصليبين استطاع أن يأسر أحد ملوكهم فطلب فديةً كبيرة لإطلاق سراحه وكانت هذه الفدية لبناء مستشفى لتقديم العلاج والدواء للمصابين وهو البيمارستان النوري.

كانت تزرع إلى جانب البيمارستان هذا والمشافي الأخرى المنتشرة في العالم الإسلامي؛ المزارع التي تنمو فيها الأعشاب والنباتات العلاجية والعطرية المفيدة للبدن، وذلك لأغراض تزويد البيمارستان بما يحتاجه من أدوية وعقاقير.

وصف مبنى البيمارستان في دمشق:-

في عام 637هـ تم توسيع بناء البيمارستان النوري من قبل الطبيب بدر الدين ابن قاضي بعلبك، وبلغت مساحته أكثر من 10 آلاف متر مربع، يضم ثلاثة أواوين صغيرة، وعدة قاعاتٍ مختلفة للطب والصيدلة والعلوم وغيرها، بالإضافة إلى ستة غرفٍ أخرى مع طابقٍ ثاني ومدخلٍ فسيح تتوسطه بحرة ذو شكلٍ مستطيل مع زوايا غير حادة.

يعتبر البيمارستان نموذجاً رائعاً لفن العمارة الإسلامية، فقد تميز بنقوشه وزخارفه الجميلة، وتتواجد لوحاتٌ رخامية كتبت عليها آياتٌ من الذكر الحكيم تزين جدرانه بطريقةٍ بديعةٍ جداً.

البيمارستان يقع في قلب مدينة دمشق الفيحاء

الخدمات التي كان يقدمها:-

لم يكن البيمارستان في دمشق كأي مستشفى عادي في زمننا هذا! بل كانت خدماته الإنسانية أكثر من مذهلة، فقد كان يوفر أفضل وسائل الراحة والعلاج للمرضى وأفضل الطعام أيضاً، كما أن العلاج كان مجانياً لكلٍ من الفقراء والأغنياء، مع إعطاء المرضى الطعام والملابس الكافية للعيش لمدة أسبوعين بعد خروجهم لفترة النقاهة!

وحرصاً على سلامة نزلاء مراكز العلاج في العالم الإسلامي؛ كانت البيمارستانات تتحرى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحيلولة دون تفشَّي العدوى بين المصابين. فقد كان المريض مطالباً بخلع ملابسه وتسليمها للقائمين على البيمارستان وذلك فور دخوله للأخيرة، على أن يُمنح ملابس جديدة نظيفة ومجانية، وذلك لضمان عدم وصول العدوى عبر زيِّه القديم.

مؤسسو البيمارستان النوري اعتنوا بأدق التفاصيل

للبيمارستان رئيس كان يسمى بساعور البيمارستان، ولكل قسمٍ من أقسامه المختلفة رئيسٌ خاص كرئيس الجراحين، ورئيس الكحالين وغيرهم، وكان قسم الذكر منفصل عن قسم النساء، مع وجود قاعاتٍ عدة تختص كل قاعة بأمراضٍ معينة، كقاعة التجبير، وقاعة المحمومين، وقاعة الجراحة وغيرها.

وأما الصيدلية الموجودة به فكان تسمى بشرابخانة، وقد تم الاعتناء بالفسحة الخارجية وبطبيعتها وأشجارها وذلك للعلاج النفسي الذي كان ينص على مشاهدة الطبيعة وسماع صوت الماء من النافورة الموجودة بها ويتم إتباع هذه الطريقة الآن من قبل أفضل المستشفيات حول العالم.

تخرج أفضل الأطباء المشهورين من البيمارستان النوري مثل ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وكذلك طبيب العيون ابن أبي أصيبعة الذي درس الطب في البيمارستان ومارسه به أيضاً.

أسماء علمية وطبية عظيمة عملت في البيمارستان النوري

البيمارستان حسب وصف ابن جبير:-

وَصَفَ ابن جبير الرحَّالة الأندلسي الشَّهير، هذا البيمارستان، وذلك خلال زيارتهِ لدمشق مطلِع القرن الثالث عشر الميلادي.

وقال ابن جبير في هذا الصدد: ” وبها مارستان قديمٌ وحديثٌ، والحديثُ أحفلهما وأكبرهما، وجرايتهِ في اليوم نحو الخمسة عشر ديناراً، وله قَوَمَة بأيديهم الأزِمّة (السِّجِلَّات) المحتوية على أسماءِ المرضى وعلى النَفَقات التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية وغَير ذلك، والأطبَّاء يُبَكِّرون إليهِ في كُلِّ يوم ويتفقدُّون المرضى ويأمرونَ بإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليقُ بكلِّ إنسانٍ منهم، والمارستان الآخر على هذا الرَّسم، لكن الاحتفال في الجديد أكثر، وهذا القديم هو غربيّ الجامع المُكَرَّم (الأموي)”.

ويضيف “وللمجانين المعتقلين أيضاً ضَرب من العلاج، وهُم في سلاسِل موثقون، نعوذ بالله من المحنة سوء القَدَر..وهذه المارستانات مفخرٌ عظيمٌ من مفاخر الإسلام”.

ابن جبير أبدع في وصف مدينة دمشق

البيمارستان النوري حالياً:-

استمر علاج المرضى في البيمارستان حتى عام 1317هـ/ 1899م، لتتخذه الحكومة كمدرسة للإناث بعد ذلك ومن ثم أصبح متحفاً للطب والعلوم، وهنا انتهى العصر الذهبي القديم الذي كان مزدهراً بالإنجازات وبقيت آثاره تقص علينا حكاياته القديمة وحضارته السابقة.

اقرأ ايضاً: العمارة الإسلامية .. الاستفادة من الآخر والتفوق عليه

المصادر:

رحلة ابن جبير.

قصَّة العلوم الطبية في الحضارة الإسلاميَّة، راغب السَّرجاني.

وكالة الأنباء السورية الرسمية – سانا

darfikr.com

www.alittihad.ae

www.dgam.gov.sy

الوسوم

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق