آثارمعلومات تاريخية

البيمارستان المنصوري في القاهرة .. عنوان للتقدم الطبي

حينما قرر الملك المنصور بناء البيمارستان اشترى هذا الدار وعوض سكانه بقصر الزمرد مع مبلغٍ مالي

البيمارستان المنصوري – البيمارستان أو ما يعنيه بدار المرضى أو دار الشفاء هو دارٌ لعلاج المرضى كان يُبنى في البلاد الإسلامية لغرض الاهتمام بصحة الإنسان ومعالجة ما يصيبه من أمراض.

وكان أول من أنشأ البيمارستان في الإسلام هو الخليفة الأموي (عبد الملك بن مروان) في دمشق، وأما في مصر؛ فقد ظهرت البيمارستانات على عهد مؤسس الدولة الطولونية (أحمد بن طولون).

وسنتعرف في هذه المقالة على بيمارستانٍ شهير في القاهرة وهو البيمارستان المنصوري أو بيمارستان قلاوون..

مسجد ابن طولون في القاهرة – عام 1920 – مكتبة الكونغرس

تأسيس البيمارستان المنصوري (القلاوون) في القاهرة

تم تأسيس البيمارستان المنصوري في جمادى الأولى عام 684هـ/1285م، وكانت مدة بنائه قرابة إحدى عشر شهراً وأيامٍ فقط.

وقد سُمي بالمنصوري نسبةً للملك المنصور الذي أمر ببنائه، ويعود ذلك إلى قصةٍ رائعة.

فعندما كان المنصور أميراً توجه إلى غزاة الروم في دمشق في عهد الظاهر بيبرس، ولكنه أصيبَ وتمت معالجته من قبل الأطباء بأدويةٍ تم جلبها من البيمارستان النوري الكبير.

وعندما شُفي الملك؛ قرر أن يرى هذا البيمارستان بأم عينيه فأُعجب به ونذر ببناء بيمارستان حالما يصبح ملكاً، وبالفعل حدث ذلك وأمر ببناء البيمارستان المنصوري.

تمتع البيمارستان بتجهيزات متكاملة

مكان البيمارستان المنصوري (القلاوون) في القاهرة:.

يقع البيمارستان المنصوري بخط بين القصرين في مدينة القاهرة، ولم يكن البيمارستان بناءً عادياً، بل كان داراً في القصر الغربي الفاطمي، ويعود إلى الأميرة مؤنسة القطبية ولذلك كان يسمى بدار القطبية.

وعندما قرر الملك المنصور بناء البيمارستان؛ فقد قام بشراء هذا الدار وعوض سكانه بقصر الزمرد مع مبلغٍ مالي.

وكان المشرف على بناء البيمارستان هو (الأمير علم الدين سنجر الرفاعي)، فقام بمهمته على أكمل وجه حيث جمع صنّاع مصر وأحضر العمد الصوان والرخام البديع والقواعد والأعتاب وغير ذلك كله من قلعة الروضة.

وكان مراقباً لعملية النقل والبناء ولا يدع أي أحدٍ يتوانى في عمله حتى أنهى العملية في وقتٍ وجيز وبأبهى حلة.

وصف البيمارستان (القلاوون) في القاهرة وخدماته الكبيرة:.

كان قد أُبقي على القاعة بإيواناتها الأربعة، وفيها فسقية يصير الماء إليها من الشاذوران، وقد احتوى على عدة قاعاتٍ مختلفة تختص كل قاعةٍ بمرضٍ معينٍ لعلاجه كقاعة الإسهال وقاعة المحمومين وغيرهم، وقاعات أخرى لتركيب الأدوية وقاعةٌ خاصة لطبخ الطعام.

وكانت العناية تقدم على أتم وجه من رعاية المرضى في الغرف الخاصة بالأسرة والفرش والملاءات مع تنظيفهم الدائم وتقديم كل جديد وكان هناك عناية بالتدفئة أيضاً.

وكانت البيمارستان لا تفرق بين أحدٍ من الحر والعبد والذكر والأنثى وكانت أغلب مواردها من الأوقاف، ومن خدماتها تقديم الكسوة لكل من يتعافى فيه، وأما من لقي حتفه فيتم تجهيزه وكفنه ودفنه.

مخصصات مالية معتبرة كانت تخصص للقطاع الطبي والصحي

وكان الملك المنصوري قد أحسن اختيار المباشرين والأمناء الذين كانوا يحرصون على البيمارستان وكل ما يدخل إليه ويخرج منه وكانوا يسمون بمباشري الإدارة.

وكان هناك مباشرو الصندوق والرباع الذين يرجع إليهم تحرير جهات الأوقاف في الخلق والمسكون واستخراج الأموال وغيرها من الوظائف.

وقد اعتنى الملك المنصوري بالتعليم الطبي، فأنشأ المدرسة المنصورية والقبة، وكانت تحتوي على الكثير من الكتب الجليلة.

وكانت القبة الكبيرة تحتلها مكتبة للبيمارستان، فكان يُمارس الطب العملي في البيمارستان المنصوري، وأما النظري فكان بالمدرستين المنصورية والناصرية، وقد درس ابن النفيس الطب في كليهما.

من كتاب الموجز في القانون لابن النفيس – المكتبة الرقمية العالمية

خدمات نوعية:-

كانت تزرع إلى جانب البيمارستان والمشافي الأخرى المنتشرة في العالم الإسلامي؛ المزارع التي تنمو فيها الأعشاب والنباتات العلاجية والعطرية المفيدة للبدن، وذلك لأغراض تزويد البيمارستان بما يحتاجه من أدوية وعقاقير.

وحرصاً على سلامة نزلاء مراكز العلاج في العالم الإسلامي؛ كانت البيمارستانات تتحرى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحيلولة دون تفشَّي العدوى بين المصابين.

فقد كان المريض مطالباً بخلع ملابسه وتسليمها للقائمين على البيمارستان وذلك فور دخوله للأخيرة، على أن يُمنح ملابس جديدة نظيفة ومجانية، وذلك لضمان عدم وصول العدوى عبر زيِّه القديم.

البيمارستان المنصوري يخضع للترميم في عهد النويري:-

أورد المؤرخ الشهير شهاب الدين النويري معلومات مهمة عن البيمارستان المنصوري الواقع في القاهرة، وذلك في كتابه المعروف “نهاية الأرب في فنون الأدب”.

وكان النويري يؤرخ للأحداث الحاصلة في سنة 726 هجرية، أي (1325-1326 م)، حيث أفاد بأن بداية السنة المذكورة؛ شهدت الشروع في إصلاح البيمارستان المنصوري والقبة والمدرسة.

وأضاف “.. وكان الأمير جمال الدين آقُش الأشرفي- ناظر الأوقاف- قد رسم ألا يترك أحداً من مرضى البيمارستان، ومن هو في أوائل يخرج منه، فخلت بذلك الأواوين من المرضى وأكثر القاعات، ولم يبق بالبيمارستان، إلا الممرورون وبعض المرضى”.

النويري المؤرخ البديع

وزاد النويري .. وحصل الشروع في العمارة، فأصلحت العمرات وجُدِّد البياض والأدهان، ونحت ظاهر القبة والمدرسة والمئذنة بالأزاميل، واستمرت العمارة إلى أواخر جمادى الأولى”.

” وخلت الأواوين الأربعة بالبيمارستان في مستهل هذه السنة إلى يوم الثلاثاء حادي عشر جمادى الأولى، فرُسم في هذا اليوم بتنزيل المرضى، وكان جُملة ما صرف على هذه العمارة؛ ما يقارب ستين ألف دينار. ويعتبر النويري أحد أشهر المؤرخين العرب والمسلمين على الإطلاق (1279-1333م)، ولد في إحدى قرى بني سويف وتوفي في القاهرة.

ما علاقة المارستان ببيمارستان المنصوري في القاهرة؟

المارستان هي كلمة بين العامة يُقصد بها الأمراض العقلية، وحُرفت لـ(مورستان)، ويعود سبب التسمية لتخصيص البيمارستان المنصوري للأمراض العقلية عام 1274هـ/1856م.

وهكذا أصبحت كلمةٌ بين العامة ولو على سبيل المزاح، بالرغم من أنه تم نقل الأمراض العقلية منه، وأصبح مستشفى لأمراض العيون والرمد منذ عام 1334هـ/1915م وحتى الآن.

البيمارستان المنصوري (القلاوون) في القاهرة حالياً:.

تعرض البيمارستان المنصوري للكثير من التغييرات في أبنيته ولم يبقَ منه سوى بعض الآثار.

من هذه المتبقيات؛ جزء من الإيوان الشرقي الذي يحتوي على فسقية من الرخام وقاعها المغطى بالفسيفساء الدقيقة وتنساب إليها الماء على سلسبيلٍ صغير.

أيضاً هناك القاعة القبلية وعلى سقف الإيوان البحري بعض الألواح المنقوشة.

عناية كبيرة بالمرضى وشؤونهم

وتم العثور على أفاريز من الخشب عليها رسومٌ محفورة ملونة تدل على مناظر من الحياة الاجتماعية، ويقول المختصون: بأنها تعود إلى القصر الغربي الفاطمي الصغير حيث تمت إعادة استخدامها في البيمارستان المنصوري.

اقرأ أيضاً: البيمارستان النوري في دمشق .. أحد أبرز تجليات تقدم المسلمين في المجال الطبي

 المصادر :-

نهاية الأرب، شهاب الدين النويري.

قصَّة العلوم الطبية في الحضارة الإسلاميَّة، راغب السَّرجاني.

www.ida2at.com

/www.masrelnas.com

www.abou-alhool.com

amal

أمل.. كاتبةٌ سورية مستقلة، تعمل منذ سنوات في ميدان الكتابة الحصرية في الحقول الأدبية والثقافية والإجتماعية وحتى العلمية منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى