معلومات تاريخية

البيمارستانات في الحواضر الإسلامية مثلت نواة المستشفيات الحديثة

أُلحقت الكليات الطبية والمكتبات بالمستشفيات الكبرى حتى يقوم كبار الأطباء بتعليم طلابهم كيفية تطبيق معارفهم المكتسبة بشكل مباشر على المرض

تمهيد:-

“هذا البيمارستان يقيم به المرضى الفقراء من الرجال والنساء لمداواتهم إلى حين برئهم وشفائهم ويصرف
ما هو معد فيه للمداواة، ويفرق للبعيد والقريب، والأهلي والغريب، والقوي والضعيف، والدني والشريف،
والعلي والحقير، والغني والفقير، والمأمور والأمير، والأعمى والبصير، والمفضول والفاضل، والمشهور
والخامل والرفيع والوضيع، والمترف والصعلوك، والمليك والمملوك، من غير اشتراط لعوض من الأعواض،
ولا تعويض بإنكار على ذلك ولا اعتراض، بل لمحض فضل الله وطوله الجسيم، وأجره الكريم وبره العميم”
من وثيقة وقفية بيمارستان المنصور قلاوون بالقاهرة 1284 م .

البيمارستان
في أواخر القرن التاسع ساعد الطبيب الرائد محمد بن زكريا الرازي على بناء بيمارستان “مستشفى” في بغداد عمل بها 25 طبيباً من بينهم أطباء العيون وأطباء العظام والجراحين. يوضح الرسم أعلاه – من ترجمة أوروبية من القرن الثالث عشر لكتاب الرازي ويظهر في الصورة وهو يعالج أحد المرضى.

يدين النهج الغربي الحديث في الصحة والطب بالكثير للحضارات القديمة مثل حضارة بابل ومصر واليونان
وروما والهند على سبيل المثال لا الحصر. المستشفى هو واحد من الاختراعات الصحية والاجتماعية في
نفس الوقت، واليوم يمثل المستشفى لنا مؤسسة وجودها أمر مسلَّم به ، نتمنى ألا نحتاج إليها ولكننا نشعر
بالامتنان عندما نفعل.

في كل مكان في العالم توجد المستشفيات التي نتلقى فيها العلاح والرعاية في وقت المرض والحوادث.

 تُقدم المستشفيات الرعاية الطبية والعلاج اليوم نتيجة للأسلوب المنهجي للرعاية الصحية الذي تطور في
العصور الوسطى في المجتمعات الإسلامية واتسم بكونه أسلوباُ علمياً واجتماعياُ في الوقت ذاته. 

أخذ عدد من الخلفاء والسلاطين والعلماء وممارسي الطب المعرفة القديمة والممارسات العريقة من
التقاليد المختلفة ثم عملوا على دمجها مع أبحاثهم الأصلية ليصبح ذلك مصدراً للإنجاز الثقافي على مدى قرون.

لم يكن البيمارستان  أو”بيت المرضى” هو الشكل المتعارف عليه للمستشفى بشكله الحالي فقط ولكنه أيضاً
لا يمكن تمييزه عن المراكز الصحية الحديثة التي تقدم خدمات متعددة.

كان البيمارستان عبارة عن مركز للعلاج، ومسكن للأشخاص الذين يتعافون من الأمراض أو الحوادث،
ومأوى للمسنين والعجزة الذين ليس لديهم أسرة لرعايتهم.

مأوى المريض:-

كان البيمارستان نتاجاً للطاقة الهائلة وفكر الحضارات الإسلامية في العصور الوسطى الذي تم تكريسه لتطوير المجالات الطبية.

أُلحقت الكليات الطبية والمكتبات بالمستشفيات الكبرى – كما هو الحال الآن – حتى يقوم كبار الأطباء
بتعليم طلابهم كيفية تطبيق معارفهم المكتسبة بشكل مباشر على المرضى، وكانت المستشفيات تضع
اختبارات للطلبة وتُصدر الشهادات لهم.

كانت مؤسسة البيمارستان مخصصة لتحسين الصحة وعلاج الأمراض وزيادة المعرفة الطبية ونشرها.

البيمارستان
بيمارستان نور الدين – مستشفى وكلية طبية في دمشق تم تأسيسه في القرن الثاني عشر، واليوم هو متحف الطب والعلوم في العالم العربي .

المستشفيات الأولى:-

بالرغم من توافر أماكن علاج المرضى منذ العصور القديمة إلا أن معظمها كانت بسيطة ولا تحتوي أكثر من
تنظيم وهيكل علاجي بدائي.

 استمرت التحسينات على النظام العلاجي خلال الفترة الهلنستية ومع ذلك فما كانت المؤسسات العلاجية
في هذا الوقت إلا أماكن لاحتجاز المرضى.

 وفي أوائل العصور الوسطى في أوروبا ساد الاعتقاد بأن المرض ينشأ من القوى الخارقة للطبيعة وبالتالي لا
يمكن السيطرة عليه بالتدخل البشري.

 نتيجة لذلك؛ كان البيمارستان عبارة عن نُزُل يتم فيها رعاية المرضى بواسطة الرهبان الذين يجاهدون للتأكد
من خلاص الروح دون بذل أي جهد لعلاج الجسد.

سلك المسلمون نهجاً مختلفاً تماماً عن النهج الأوروبي ، وكان مُرشدهم في ذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال في الحديث الشريف ” تداووا ، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء”، وقال “إن الله لم ينزل داءً إلى وضع له دواء علمه من علمه وجهله من جهله” ولذلك جعلوا هدفهم علاج الصحة بالوسائل العقلية والتجريبية.

عكس تصميم المستشفيات هذا الاختلاف بين العرب والغرب، ففي الغرب وُضعت الأسِرة والمساحات المخصصة للمرضى في الخارج حتى يتمكن المرضى من رؤية السر المقدس يومياً ، وكانت تلك الأسِرة قاتمة وكذلك كانت رطبة بسبب ظروف المناخ وطريقة بناء المباني.

أما العالم الإسلامي؛ فقد امتاز بمناخه الدافئ الجاف وصُمم البيمارستان بحيث يسمح بحركة الضوء والهواء. كان هذا النظام العلاجي يهتم بالجسد بدلاً من التوازن الروحي.

المستوصفات المتنقلة:-

بُني أول مركز إسلامي معروف للرعاية الصحية في خيمة بواسطة رفيدة الأسلمية أثناء حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. واشتهرت بأنها عالجت الجرحى في غزوة الخندق في خيمة أُعدت خصيصاً لعلاجهم.

بعد ذلك قام الحكام بتطوير هذه الوحدات الأولية إلى مستوصفات متنقلة حقيقية مجهزة بالدواء والطعام والشراب والثياب وبها أطباء وصيادلة. كانت مهمة هذه المستوصفات تلبية حاجات المجتمعات النائية البعيدة عن المدن الكبرى والمرافق الطبية، وكذلك عملت تلك المستوصفات على تقديم الرعاية المتنقلة للحكام أثناء سفرهم.

وفي بداية القرن الثاني عشر وفي عهد حكم السلطان محمد السلجوقي؛ أصبحت المستشفيات المتنقلة كبيرة للغاية حتى أنها احتاجت إلى أربعين جملاً لنقلها.

المستشفيات الثابتة:-

كانت المستشفيات الأولى للمسلمين عبارة عن مصحات لعلاج الجذام فقط وقد أُنشأت في القرن الثامن في دمشق تحت حكم الخليفة الوليد بن عبد الملك، وكان الأطباء المكلفون للعمل بها يحصلون على رواتب وامتيازات كبيرة.

كان المرضى يُعزلون (لأنه معروف أن الجذام مرض معدي) ، ولكن كانت تمنح لهم الرواتب – مثل المكفوفين – للمساعدة على إعالة أسرهم.

أما أول مستشفى عام فقد بُني بعد ذلك بقرن في عام 805 م في بغداد بواسطة وزير الخليفة هارون الرشيد. لا توجد الكثير من المعلومات عن هذا المستشفى ولكن من المرجح أن الطاقم الطبي الذي لعب دوراً في تطويرها كان من إحدى العائلات التي رأست الأكاديمية الطبية الفارسية في جنديسابور.

في العقود التالية بُني 34 مستشفى جديد في العالم الإسلامي، واستمر العدد بالازدياد كل عام. بُني مستشفى في القيروان في القرن التاسع، وبُنيت مستشفيات أخرى في مكة والمدينة، كما ضمت بلاد فارس العديد من البيمارستان: واحد منها في مدينة الري كان يرأسه محمد بن زكريا الرازي الذي تلقى تعليمه في بغداد.

في القرن العاشر تم بناء خمسة مستشفيات أخرى في بغداد ، كان أولها هو المستشفى الذي أسسه الخليفة المعتضد في أواخر القرن التاسع وقد طلب من الرازي أن يُشرف على الإنشاء والعمليات. أراد الرازي في البداية أن يحدد المكان الملائم الصحي لإنشاء المستشفى ولفعل ذلك قام بوضع قطع من اللحم الطازج في أماكن مختلفة من المدينة، ثم قام بفحصها لاحقاً ليحدد المكان الذي به قطعة اللحم الأقل فساداً وهناك قرر إنشاء المستشفى.

عند افتتاح المستشفى؛ كان يضم 25 طبيباً من بينهم الجراحين وأطباء العيون وأطباء العظام ، واستمر العدد في الزيادة حتى وصل إلى 1258 طبيباً عندما دمر المغول بغداد.

كتب الوزير علي بن عيسى بن الجراح إلى رئيس أطباء بغداد في القرن العاشر : “فكرت في أمر من في الحبوس، وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم كل يوم، وتحمل إليهم الأدوية والأشربة ويطوفون في سائر الحبوس، ويعالجون فيها المرضى”.

هذه اللوحة على حائط بيمارستان ارغون في حلب – سوريا تحيي ذكرى مؤسسه الأمير ارغون الكاملي في منتصف القرن الرابع عشر. كانت العناية بالأمراض العقلية هنا تشمل وفرة الضوء والهواء النقي والمياه الجارية والموسيقى.

في مصر؛ بُني أول مستشفى في عام 872 م في الربع الجنوبي الغربي من الفسطاط – وهو الآن جزء من القاهرة القديمة – وذلك بواسطة الحاكم العباسي أحمد بن طولون، وهو المستشفى الأول الموثق عنه أنه قدم الرعاية الطبية للمصابين بالأمراض العقلية إلى جانب المصابين بالأمراض العامة.

في القرن الثاني عشر؛ قام صلاح الدين الأيوبي بإنشاء المستشفى الناصري في القاهرة والذي تضاعفت مساحته وأهميته في عهد المنصوري، وأكمل إنشاءه في عام 1284 م ، وقد بقي المركز الطبي الأساسي في القاهرة حتى القرن الخامس عشر، واليوم يُعرف باسم مستشفى قالوون وهو متخصص في طب العيون.

في دمشق؛ كان مستشفى النوري هو المستشفى الرائد من وقت إنشائه في منتصف القرن الثاني عشر وحتى القرن الخامس عشر عندما أُنشأت خمسة مستشفيات إضافية في المدينة.

في شبه الجزيرة الإيبيرية (شبه الجزيرة الأندلسية) ضمت قرطبة وحدها 50 مستشفى ، بعض من هذه المستشفيات كان مخصص للجيش حصرياً وقدم المتخصصون من الأطباء الرعاية للخليفة ورجال الجيش والنبلاء.

المنظمة:-

قُسمت المستشفيات الإسلامية إلى أقسام مثل الأمراض العامة و الجراحة و طب العيون وجراحة العظام والأمراض العقلية، وهي نفس الطريقة التي مازالت متبعة حتى اليوم.

كان قسم الأمراض العامة مساوياً تقريباً لقسم الطب الباطني وكان مقسماً إلى أقسام أصغر تشمل الحمى والمشاكل الهضمية والعدوى وغيرها. ضمت المستشفيات الأكبر المزيد من التخصصات الفرعية وكان لكل قسم رئيس وموظف مسؤول بالإضافة إلى أخصائي الإشراف.

كذلك وظفت المستشفيات مفتشاً للصحة العامة مسؤولاً عن التأكد من ضمان نظافة وتعقيم المستشفى. كما أنه كان يوجد محاسبون وإداريون لضمان أن ظروف المستشفى – المالية وغيرها – مطابقة للمعايير، وكان هناك مدير يشرف على إدارة المؤسسة بأكملها.

كانت النوافير رئيسية في عمارة بيمارستان ارغون: كان هناك ثلاث ساحات ، حملت كل ساحة نافورة ورُتبت غرف المرضى حولها، وضم الفناء الرئيسي مسبح كبير مستطيل وبئر. منذ التقاط هذه الصورة أدرجت اليونسكو البيمارستان على أنه قد تضرر من الحرب.

عمل الأطباء لساعات ثابتة كانوا يقومون فيها بعلاج المرضى الذين يأتون إلى أقسامهم، وكان لكل مستشفى طاقمها من الصيادلة والممرضين المرخصين. كان راتب الطاقم الطبي ثابتاً يحدده القانون، وكانت التعويضات توزع بسخاء لجذب الموهوبين.

كان تمويل المستشفيات الإسلامية يأتي من أرباح الأوقاف، حيث  تبرع الحكام والأثرياء بالممتلكات للبيمارستانات وكانت أرباح الوقف تُدفع للمباني والصيانة ، كما كانت تغطي إعطاء راتب صغير للمريض عند خروجه من المستشفى، و خُصص جزء من ميزانية الدولة لصيانة المستشفيات. كانت خدمات البيمارستان مجانية بالنسبة للمرضى بالرغم من أن الأطباء كانوا يتقاضون الرسوم في بعض الأحيان.

رعاية المرضى:-

كانت المستشفيات مفتوحة للمرضى في كل الأوقات، وكانت بعضها مخصصة للرجال والبعض الآخر تعمل
به طبيبات وكانت مخصصة للنساء ، وكذلك كانت هناك مستشفيات تقدم الرعاية للجنسين في أجنحة
منفصلة لها مرافق وموارد مزدوجة. وكان الأطباء يعملون في العيادات الخارجية مع الحالات الأقل خطورة
ويصفون الأدوية التي يجب تناولها في المنزل.

اتُخذت تدابير مخصصة لمنع العدوى ، فكان المرضى المحجوزون في البيمارستان يرتدون ملابس
المستشفى التي يحصلون عليها من منطقة الإمدادات المركزية بينما تبقى ملابسهم في مخزن المستشفى.
وعند نقل المرضى إلى عنابر المستشفى كانوا يجدون الأسرة المجهزة بمراتب خاصة وأغطية نظيفة. كانت
الغرف والعنابر بالمستشفى نظيفة ومرتبة ومعرضة لأشعة الشمس وبها وفرة من المياه الجارية.

كان المشرفون يُقيمون نظافة المستشفى والغرف يومياً، وكان من المعتاد أن يقوم الحاكم بزيارة شخصية
إلى المستشفى ليتأكد بنفسه من أن المرضى يتلقون أفضل رعاية ممكنة.

كان المرضى يبدأون بتناول العلاج الذي يصفه الطبيب على الفور بعد التشخيص، وكانوا يتناولون طعاماً
صحياً اعتماداً على الحالة ونوع المرض. كان الطعام عالي القيمة وشمل الدجاج وأنواع الدواجن الأخرى،
بالإضافة إلى اللحوم والفواكه والخضروات الطازجة. وكان معيار شفاء المريض أن يكون قادراً على ابتلاع
كمية الخبز التي يبتلعها الشخص السليم مع اللحم المشوي لدجاجة كاملة.

إذا تمكن المريض من الهضم بسهولة فإنه يُعتبر معافى ويتم صرفه من البيمارستان.

أما المرضى الذين تعافوا بالفعل ولكنهم يعانون من الضعف؛ فيتم إبقاءهم في عنبر التماثل للشفاء حتى
يصبحوا أقوى ويتمكنوا من الخروج. كان المرضى المحتاجين يزودون بالملابس الجديدة بالإضافة إلى راتب
صغير ليساعدهم في معيشتهم.

مجمع المنصور قلاوون في القاهرة وهو يضم مستشفى ومدرسة.. يعود تاريخه إلى 1284 – 1285 م.

قصة البغدادي:-

الطبيب والرحالة “عبد اللطيف البغدادي” من القرن الثالث عشر والذي تعلم أيضاً في دمشق يروي قصة
مذهلة عن الشاب الفارسي الذكي الذي أعجبته الخدمة والطعام الرائع في مستشفى النوري حتى أنه ادعى
المرض.

اكتشف الطبيب الذي فحصه الخدعة ومع ذلك فقد ظل يزود الشاب بالطعام طوال ثلاثة أيام، وفي اليوم
الرابع ذهب إليه وقال له ” تقاليد الضيافة العربية تستمر لثلاثة أيام والآن عليك الذهاب إلى بيتك!”.

كانت جودة الرعاية الصحية خاضعة للتقييم والمحاسبة كذلك كما يقول ابن الأخوة في كتابه “معالم القربة في أحكام الحسبة” : ” ينبغي إذا دخل الطبيب على المريض، وسأله عن سبب مرضه وعن ما يجد من الألم، ثم يرتب له قانوناً من الأشربه وغيره من العقاقير، ثم يكتب نسخة لأولياء المريض  بشهادة من حضر معه عند المريض ، وإذا كان من الغد حضر ونظر إلى دائه ونظر إلى قارورته . وسأل المريض هل تناقص به المرض أم لا؟ [ثم يرتب] له ما ينبغي، على حسب مقتضى الحال، ويكتب له نسخة ويسلمها إلى أهله. وفي اليوم الثالث كذلك، وفي اليوم الرابع كذلك إلى أن يبرأ المريض، أو يموت. فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته.

وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور، وعرضوا عليه النسخ التي كتبها الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكمة، وصناعة الطب من غير تفريط ولا تقصير من الطبيب؛ قال هذا قضاء بفروغ أجله، وإن رأى الأمر بخلاف ذلك، قال لهم خذوا دية صاحبكم من الطبيب، فإنه هو الذي قتله بسوء صناعته وتفريطه، فكانوا يحتاطون على هذه الصورة الشريفة إلى هذا الحد حتى لا يتعاطى الطب من ليس من أهله، ولا يتهاون الطبيب في شيء منه”.

وبالإضافة إلى المستشفيات الثابتة كانت المدن تمتلك مراكز للإسعافات الأولية والحالات الخطرة. كانت
هذه المراكز توجد عادة في المناطق العامة المزدحمة مثل المساجد الكبيرة. يصف المقريزي واحداً من
هذه المراكز في القاهرة:

“لما شرع ابن طولون في تشييد الجامع ﻭﻋﻤﻞ ﺍﻟﻤﻴﻀأة فى ﺁﺧﺮﻩ، ﻭﺧﺰﺍﻧﺔ ﺷﺮﺍﺏ ﻓﻴﻬﺎ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺸﺮﺍﺑﺎﺕ
ﻭﺍﻷﺩﻭﻳﺔ ، ﻭﻋﻠﻴﻬﺎ ﺧﺪﻡ ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻃﺒﻴﺐ ﺟﺎﻟﺲ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﺗﺤﺴﺒﺎ ﻷى ﺣﺎﺩﺙ ﻳﺤﺪﺙ ﻟﻠﺤﺎﺿﺮﻳﻦ ﻟﻠﺼﻼﺓ”.

تصوير لمشهد في مستشفى في قرطبة يُظهر الطبيب المشهور الزهراوي وهو يعتني بمريض بينما يقف مساعده حاملاً صندوق الأدوية.

الكليات الطبية والمكتبات:-

كان من أهم قواعد البيمارستان أن يتم تدريب الأطباء، ولذلك كان كل مستشفى به قاعة محاضرات كبيرة ، 
يتقابل فيها الطلاب مع الأطباء الأكبر سناً ليناقشوا المسائل الطبية على صورة ندوة.

ومع تقدم التدريب كان الطلاب يصحبون الأطباء في العنابر ويشاركون في رعاية المرضى وهو ما يشبه نظام برنامج الإقامة الطبية الحديث.

تكشف ملاحظات الطلاب والنصوص الباقية مثل كتاب “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” عن مثل هذه
الدورات السريرية. هناك تعليمات عن الحمية والوصفات الغذائية للمعالجات الشائعة، بما في ذلك
أمراض الجلد والأورام والحمى. أثناء الدورات كان يُطلب من الطلاب أن يفحصوا أفعال المريض وفضلاته
وطبيعة ومكان التورم والألم. كذلك كان على الطلاب أن يلاحظوا لون وملمس الجلد ، سواء كان ساخناً أو
بارداً أو جافاً أو ليناً.

كان التدريب يبلغ ذروته في امتحان الحصول على رخصة مزاولة الطب حيث كان يُطلب من المرشحين أن
يمثلوا أمام رئيس الأطباء الذي عينته الحكومة. تطلبت الخطوة الأولى أن يكتب الطالب أطروحة عن
التخصص  الذي يرغب في أن يحصل على شهادة فيه، ويجب أن تكون الأطروحة أصلية أو تعليقاً على
نصوص قائمة مثل نصوص أبقراط وجالن وابن سينا وغيرهم.

كان المرشحون يُشجعون على دراسة تلك النصوص بل وعلى فحصها من الأخطاء المحتملة. هذا التشديد
على المنهج التجريبي والملاحظة بدلاً من التمسك الأعمى بالنظريات الموجودة في الكتب كان أهم ما يميز
الثقافة الإسلامية. وبمجرد إكمال الأطروحة يُجري المرشح مقابلة مطولة مع رئيس الأطباء الذي يطرح عليه
أسئلة ذات صلة بمسائل التخصص المحتملة، وكانت الإجابات المُرضية تعني الحصول على ترخيص
ممارسة الطب.

  من الجوانب الأساسية أيضاً في المستشفيات الإسلامية – وهو جانب عظيم الأهمية لكل من الطلاب
والمعلمين – وجود المكتبات الطبية الشاملة. فبحلول القرن الرابع عشر كان مستشفى ابن طولون في مصر
يملك مكتبة تضم 100000 كتاب في مختلف فروع العلوم الطبية ، وفي نفس الوقت كانت أكبر مكتبة في أوروبا في جامعة باريس تضم 400 كتاب.

يُعد التمهيد الذي وضعه المسلمون للطب الإسلامي والنموذج الأول لشكل المستشفيات الحديثة من بين
الإنجازات العلمية والثقافية العديدة للعالم الإسلامي، ولكن من بين جميع الإنجازات، فإنه لا يوجد ميراث
يفوق شفاء المرضى و مداواة الجروح.

اقرأ ايضا ابن سينا .. أول من توصل إلى تشخيص حالة الدوالي

ترجمة لرسالة شاب فرنسي إلى والده من مستشفى قرطبة في القرن العاشر:-

والدي العزيز: لقد ذكرت في رسالتك بأنك سوف تبعث لي بعض النقود كي أستعين بها في علاجي، أقول
بأني لا أحتاج إلى النقود مطلقاً، لأن المعالجة في هذا المستشفى الاسلامي مجانية.

وهناك موضوع آخر، وهو أن إدارة المستشفى تدفع إلى كل مريض تماثل للشفاء مبلغ خمس دنانير، وبدله
جديدة حين يغادر المستشفى كي لا يضطر إلى العمل في فترة الإستراحة.

والدي العزيز:  لو تفضلت وجئت لزيارتي فسوف تجدني في قسم الجراحة ومعالجة المفاصل وعند دخولك
من الباب الرئيسي توجه نحو الصالون الجنوبي، حيث يواجهك قسم الاسعافات الأولية ومركز تشخيص
الأمراض ثم قسم المفاصل، وسوف تشاهد جنب غرفتي مكتبة وصالون للمطالعة والمحاضرات حيث
يجتمع الأطباء فيه يومياَ للاستماع إلى محاضرات الأساتذة.

أما قسم الأمراض النسائية فيقع في الجانب الثاني من ساحة المستشفى ولا يُسمح للرجال أن يدخلوا إليه،
وفي الجهة اليمنى من الساحة تجد صالوناَ كبيراً مخصصاً للمرضى الذين تماثلوا للشفاء حيث يقضون في
فترة النقاهة والاستراحة بعض الأيام ويحتوي الصالون المذكور على مكتبة خاصة وبعض الآلآت الموسيقية.

والدي العزيز :إن أي نقطة وأي مكان من هذا المستشفى في غاية النظافة. فالفراش والوسادة التي تنام
عليها مغلفة بقماش دمشقي أبيض، أما الأغطية فمصنوعة من المخمل الناعم اللطيف. وجميع غرف
المتسشفى مزودة بالماء النقي الذي يصل إليها بواسطة أنابيب خاصة متصلة بمنبع ماء كبير، وفي كل
غرفة مدفأة لأيام الشتاء، أم الطعام فهو من لحم الدجاج والخضرة، حتى أن بعض المرضى لا يحبون
مغادرة المستشفى طمعاً بالطعام اللذيذ.”

انتشار البيمارستان في أرجاء العالم الإسلامي
انتشار البيمارستانات في أرجاء العالم الإسلامي

المصدر:-

http://The Islamic Roots of the Modern Hospital

Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى