أعلام

البوصيري .. الشاعر الصوفي العلم

حسن الديباجة، مليح المعاني، له ديوان شعر، برع بالخط والإنشاء والنظم

اسمه ونسبه:.

محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله، شرف الدين أبو عبد الله الصِنْهَاجِي البُوْصَيْرِي المصري، شاعر بارع في النظم، أصله من المغرب، وُلِد في ناحية دَلَاص التابعة لبني سويف في مصر، يوم الثلاثاء، أول شوال، سنة 608هـ، وانتقل بعد ذلك إلى مدينة والدته بُوْصَيْر، ونُسِب إليها، وهي من قرى بني سويف بمصر.

مكانته الشعرية:.

شاعر، حسن الديباجة، مليح المعاني، له ديوان شعر، برع بالخط والإنشاء والنظم، والتصوف، وقد أخذ التصوف على الطريقة الشاذلية عن الشيخ أبي العباس المرسي الشاذلي.

حفظ القرآن الكريم في الكتاتيب، ثم انتظم في حلقات الشيوخ يأخذ عنهم علوم الشريعة واللغة.

مر شعر البوصيري بمراحل ثلاثة:.

المرحلة الأولى:.

تولى مديرية الشرقية، وامتاز شعره في هذه المرحلة بالشكوى من سوء حاله، وضيق ذات يده، وبالتذمر من الموظفين في عصره، الذين كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل، فكان شعره في هذه المرحلة يصف الحالة الاجتماعية بمصر في عصره.

المرحلة الثانية:.

زهد في العمل وعاد إلى القاهرة، محترفاً إقراء القرآن للصبية وبعض الفتية في مسجد الشيخ عبد الظاهر، وكان مسجداً مغموراً، وصادف أن أمر الملك الصالح أثناء توليه لمقاليد الأمور بمصر (637-647هـ) بتوزيع ألف دينار على طلبة العلم، ولم يصب منها مسجده المغمور وطلابه شيئاً، فنظم على لسان المسجد شكوى للملك الصالح، استهلها بقوله:

لَيْتَ شِعرِي ما مُقْتَضَى حِرْماني … دُونَ غَيْرِي والإلْفُ لِلرَّحْمنِ

أتَرَاني لا أَسْتَحِقُّ لِكَوْني … جامِعاً شَمْلَ قارِئي القرآنِ

أَمْ لِكَوْني في إثْر كلِّ صَلاةٍ … بيَ يُدْعَى لِدَوْلَة السُّلْطانِ

المسجد الطولوني في القاهرة

وفي هذه المرحلة كثرت رحلاته إلى البلدان المصرية والاتصال بمن فيها من الولاة، وله فيهم بعض المدائح وكذلك في بعض وزراء الدولتين الأيوبية والمملوكية وفى بعض الأمراء والسلاطين، ويبدو أنه كان يضطر للمديح اضطراراً؛ ليوفر لأولاده الكثيرين الطعام والثياب، ويُصرِّح بذلك مراراً في مديحه بمثل قوله:

إليكَ نَشْكُو حالَنا إنّنا … عائلةٌ في غايَةِ الكَثْرَهْ

أُحَدِّثُ المَوْلَى الحَدِيثَ الّذي … جَرَى عليهم بالخيطِ وَالإِبْرَهْ

صَاموا مَعَ النَّاسِ ولكنَّهمْ … كانوا لِمَنْ يُبصِرُهم عِبْرَهْ

القاهرة في العام 1870 م
القاهرة في العام 1870 م

وكان له دعابات مختلفة تصور المزاج المصري المعروف بالميل إلى الفكاهة والنادرة؛ ومن ذلك قوله:

ولوَ اَنِّي وحْدِي لَكُنْتُ مُرِيداً … في رِباطٍ أَو عَابِداً في مَغَارَهْ

أحَسَبُ الزُّهْدَ هَيّناً وَهوَ حَرْبٌ … لسْتُ فيه ولا منَ النَّظَّارَهْ

لا تَكِلنِي إلى سِواكَ فَأخْيَا … رُ زَماني لا يَمْنَحُونَ خِيَارَهْ

وَوُجُوهُ القُصَّادِ فيه حَدِيدٌ … وَقلوبُ الأَجْوادِ فيه حِجَارَهْ

فإذَا فازَ كَفُّ حُرٍّ بِبِرٍّ … فَهْوَ إمَّا بِنَقْضَةٍ أَو نِشَارَهْ

من أشعار البوصيري ذائع الشهرة

المرحلة الثالثة:.

كانت في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وسبب شهرة البوصيري هي قصيدة البردة التي تعتبر أهم القصائد بين المدائح النبوية؛ إذ أنها أصبحت مصدر الوحي لكثير من القصائد التي أُنْشِئَت بعد البوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن سبب وضعه لهذه القصيدة قال:

“كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ منها ما كان اقترحه عليَّ الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق بعد ذلك أن صاحبني فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها، واستشفعت بها إلى الله تعالى أن يعافيني، وكررت إنشادها وبكيت، ودعوت وتوسلت، ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليَّ بردة، فانتبهت ووجدت فيَّ نهضة، فقمت وخرجت من بيتي”.

تقع البردة في 62 بيتاً، شرحها وعارضها الكثيرون؛ منها هذه الدرر:

أمِنْ تَذَكُّرِ جِيران بِذِي سَلَمٍ … مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

أمْ هَبَّتْ الريحُ مِنْ تِلْقاءِ كاظِمَةٍ … وأوْمَضَ البَرْقُ فِي الظلْماءِ مِنْ إضَمِ

لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعَاً عَلَى طَلَلٍ … ولا أَرِقْتَ لِذِكِرِ البَانِ والعَلَمِ

فكيفَ تُنْكِرُ حُبّاً بعدَ ما شَهِدَتْ … بهِ عليكَ عدولُ الدَّمْعِ وَالسَّقَمِ

يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً … مِنِّي إليكَ ولو أَنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ

مُحَمَّدُ سَيِّدَ الكَوْنَيْنِ والثَّقَلَيْنِ … والفَرِيقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ ومِنْ عَجَمِ

نَبِيُّنَا الآمِرُ النَّاهِي فلاَ أَحَدٌ … أبَّرَّ فِي قَوْلِ لا مِنْهُ وَلا نَعَمِ

هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ … لِكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ

دَعا إلى اللهِ فالمُسْتَمْسِكُونَ بِهِ … مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غيرِ مُنْفَصِمِ

فاقَ النَّبِيِّينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ … وَلَمْ يُدانُوهُ في عِلْمٍ وَلا كَرَمِ

وَكلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ … غَرْفاً مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَمِ

الصفحة الأولى من قصيدته المشهورة – المكتبة الرقمية العالمية

وله القصيدة الهمزية المسماة «أم القرى» في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وهي 458 بيتاً؛ منها هذه الأبيات:

كيف ترقَى رُقِيَّك الأَنبياءُ … يا سماءً ما طاوَلَتْها سماءُ

لَمْ يُساوُوك في عُلاكَ وَقَدْ حا … لَ سناً مِنك دونَهم وسَناءُ

أنتَ مِصباحُ كلِّ فضلٍ فما تَصـ … ـدُرُ إلا عن ضوئِكَ الأَضواءُ

تتباهَى بِكَ العصورُ وَتَسْمو … بِكَ علْياءٌ بعدَها علياءُ

وَبَدا للوُجُودِ منك كريمٌ … من كريمٍ آبَاؤُه كُرماءُ

نَسَبٌ تَحسِبُ العُلا بِحُلاهُ … قَلَّدَتْهَا نجومهَا الْجَوزاءُ

ليلةُ المولدِ الذي كَان للدِّي … نِ سرورٌ بيومِهِ وازْدِهاءُ

وتوالَتْ بُشْرَى الهواتفِ أن قدْ … وُلِدَ المصطفى وحُقّ الهَناءُ

وتَدَاعَى إيوانُ كِسْرَى ولَوْلا … آيةٌ مِنكَ ما تَدَاعَى البناءُ

وغَدَا كلُّ بيتِ نارٍ وفيهِ … كُرْبَةٌ مِنْ خُمودِها وَبلاءُ

وعيونٌ لِلْفُرسِ غارَتْ فهل كا … نَ لنِيرانِهِم بها إطفاءُ

تميز بالزهد في الشطر الثاني من حياته

وعارض قصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير بقصيدة «ذخر المعاد في معارضة بانت سعاد»؛ مطلعها:

إلى متى أنتَ باللَّذَّاتِ مَشغُولُ … وَأنتَ عن كلِّ ما قَدَّمْتَ مَسؤُولُ

فِي كلِّ يَوْمٍ تُرَجِّي أن تتوب غداً … وَعَقدُ عَزمِكَ بالتَّسوِيفِ مَحْلُولُ

أما يُرَى لَكَ فيما سَرَّ مِنْ عَمَلٍ … يَوْماً نَشاطٌ وعَمَّا ساءَ تَكسِيلُ

فَجَرِّدِ العَزْمَ إنَّ الموتَ صارِمُهُ … مُجَرَّدٌ بِيَدِ الآمالِ مَسْلُولُ

واقطع حِبالَ الأَمانِيِّ الَّتي اتَّصَلَت … فَإِنَّما حَبلُها بِالزُّورِ مَوصُولُ

أَنفَقتَ عُمْرَكَ فِي مالٍ تُحَصِّلُهُ … ومَا عَلَى غيرِ إثْمٍ منكَ تحصيلُ

وَرُحتَ تَعمُرُ داراً لا بَقاءَ لها … وَأَنتَ عَنها وَإِن عُمِّرتَ مَنقُولُ

جَاءَ النَّذيرُ فَشَمِّر لِلمَسِيرِ بِلا … مَهلٍ فَلَيسَ معَ الإِنذارِ تَمهِيلُ

وصُن مَشِيبَكَ عن فِعلٍ تُشَانُ بِهِ … فكلُّ ذِي صَبْوَةٍ بالشَّيبِ مَعْذُولُ

وله «القصيدة المضرية في الصلاة على خير البرية»؛ أنشد فيها:

يا رَبِّ صَلِّ عَلَى المُخْتَارِ مِنْ مُضَرٍ … وَالأَنْبِيا وَجَميعِ الرُّسْلِ مَا ذُكِرُوا

وَصَلِّ رَبِّ عَلَى الهَادِي وَشِيْمَتِهِ … وَصَحْبِهِ مِنْ لِطَيِّ الدِّينِ قدْ نَشَرُوا

وَجاهَدُوا مَعَهُ في اللهِ وَاجْتَهَدُوا … وهاجَرُوا ولَهُ آوَوْا وَقَدْ نَصَرُوا

وبَيَّنُوا الْفَرْضَ وَالمَسْنُونَ وَاعْتَصَبُوا … للهِ وَاعْتَصِمُوا باللهِ وَانْتَصَرُوا

أزْكَى صَلاَةٍ وأتماها وَأَشْرَفَها … يُعِطِّرُ الكَوْنُ رَيَّا نَشْرها العَطِرُ

يَارَبِّ واغْفِرْ لِتَالِيها وسامِعِها … وَالمُرْسَلِينَ جَمِيعاً أَيْنَمَا حَضَرُوا

وَوَالِدينَا وأَهْلِينا وَجِيرَانِنَا … وَكُلُّنا سَيِّدِي لِلْعَفْوِ مُفْتَقِرُ

وقَدْ أَتَتْ بِذُنُوبٍ لاَ عِدَادَ لَها … لكِنْ عَفْوَكَ لا يُبْقى ولا يَذَرُ

والهَمُّ عَنْ كُلِّ ما أَبْغِيهِ أَشْمَلَنِي … وقَدْ أَتَى خاضِعاً وَالقَلْبُ مُنْكَسِرٌ

وفاته:.

توفي بالإسكندرية سنة 696هـ.

الرحالة الإدريسي يصف مدينة الإسكندرية التي توفي فيها البوصيري

المصادر:.

الأعلام (6/139).

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف (7/361).

شذرات الذهب في أخبار من ذهب (7/753).

معجم أعلام شعراء المدح النبوي (353/رقم 344).

https://dl.wdl.org/11229/service/11229.pdf

الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق