علماء وفلاسفة

البعلبكي …المترجم والمؤلف للأعمال الطبية والهندسية والفلكية

قال عنه ابن النديم: شهرته تخطت شهرة الطبيب حُنين بن إسحاق

نشأته وحياته:

ولد قُسطا بن لوقا البعلبكي سنة 820 ميلادية وذلك في مدينة بعلبك المطلة على البحر الأبيض المتوسط (لبنان اليوم)، ويسمى باللاتينية قسطنطين بن لوقا وهو الذي انحدر من أصول يونانية مسيحية الاعتقاد.

وتُظهر أعمال ابن لوقا أنه قد اجتهد في الإنتاج العلمي خلال فترة النصف الثاني من القرن التاسع للميلاد.

وصف المؤرخين لمدينة بعلبك:-

تحدث أبو الفداء – المتوفي عام 1331 م – عن مدينة بعلبك التي ينتمي إليها قُسطا.

وقال أبو الفداء في كتابه الشهير “تقويم البلدان” :” هي بلدة قديمة ذات أسوار ولها قلعة عظيمة حصينة البناء، وهي ذات أشجار وأنهار وأعين وهي كثيرة الخير”.

وزاد في العزيز : “.. وهي مدينة جليلة وقديمة، بها مذبح تقول الصابئة: إنه بيت من بيوتهم عظيم عندهم جداً، ومن بعلبك للزبداني ثمانية عشر ميلا، والزبداني مدينة ليس لها أسوار، وهي على طرف وادي بردى..”.

ابن بطوطة كذلك قصد بعلبك خلال رحلته التي طاف فيها أرجاء العالم القديم

أما ياقوت الحموي؛ فقد وصف بعلبك في كتابه الموسوعي معجم البلدان بالقول: “مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة وقصور على أساطين الرخام لا نظير لها في الدنيا، وبينها وبين دمشق ثلاثة أيام..”.

وأضاف ” قيل: إن بعلبك كانت مهر بلقيس وبها قصر سليمان بن داوود عليه السلام، وهو مبني على أساطين الرخام..”.

آثار بعلبك في العام 1870 م
آثار بعلبك في العام 1870 م – مكتبة الكونغرس

شخصية موسوعية:-

عمل البلعلبكي كباحث في الفلك في عدد كبير من المدن والأمصار الإسلامية وذلك خلال القرن التاسع الميلادي، حيث قام بترجمة العديد من الكتابات والأعمال الفلكية والهندسية اليونانية.

ليس هذا فحسب؛ بل عُرف عن ابن لوقا إجادته ترجمة مختلف الأعمال الطبية الحسابية والفلسفية، ما جعل له سمعة ذاعت حتى في البلاد البعيدة، فقد اُشتُهِرَ بإنجازاته العلمية وخاصة تلك التي تتعلق بالطب.

 وقد كتب عنه ابن النديم (المتوفى عام 1047 م) قائلاً: بأن شهرة البعلبكي قد تخطت شهرة الطبيب العربي حنين بن إسحاق (809-873 م).

 مكانته العلمية:

النسخة العربية من Anaphoricus من تأليف عالم الفلك والرياضيات إبسقلاوس [مكتوبة هنا إسقلاوس وإيسقلاوس]؛ النصف الأول من القرن الثاني ق.م)، ترجمه من اليونانية قسطا بن لوقا وراجعه الكِندي والنسخة الموجودة هنا من تحرير نصير الدين الطوسي.
النسخة العربية من Anaphoricus من تأليف عالم الفلك والرياضيات إسقلاوس؛ النصف الأول من القرن الثاني ق.م)، ترجمه من اليونانية قسطا بن لوقا وراجعه الكِندي والنسخة الموجودة هنا من تحرير نصير الدين الطوسي.

إن أبرز ما وصلنا عن ابن لوقا البعلبكي هو أنه من بين أولئك الذين انكبوا على العمل على جمع المخطوطات العلمية اليونانية، ليقوم بعد ذلك بتنقيحها وترجمتها.

كما يذكر أنه كان متحدثاً متقناً للغتين اليونانية والسريانية، وهو ما ساعده في عمله في مضمار الترجمة العلمية.

ومع ذلك؛ فقد أتقن البعلبكي اللغة العربية حتى أنه قد أنتج باستعمالها مجموعة من المؤلفات العلمية الأصيلة التي خطها بيمينه.

قضى ابن لوقا معظم حياته في مدينة بغداد حيث حصل على رعاية أكاديمية وعلمية في دار السلام، تظهر بشكل واضح عند تتبع سيرة حياته في مؤلفات المؤرخين، فقد تلقى دعم خلفاء الأسرة العباسية، وشُجِع من قبل العديد من المسؤولين في ديوان الخلافة.

بغادد التي كانت محج العلماء

كما لقي دعماً منقطع النظير من رجال الدين المسيحيين “البطريرك حينها”.

حديث ابن العبري عن قسطا:-

تحدث ابن العبري عن البعلبكي وذلك في مؤلفه الشهير “تاريخ مختصر الدول” قائلاً:

“وقسطا هذا فيلسوفٌ نصرانيٌ في الدولة الإسلامية، دَخَل إلى بلاد الروم، وحصَّل من تصانيفهم الكثيرة، وعاد إلى الشَّام، واستُدعِيَ إلى العراق، ليُترجِم الكتب وله تصانيفٌ مختصرةٌ بارعة”.

وزاد ابن العبري -المتوفى سنة 1286 م- في سياق حديثه عن البعلبكي “وقيل: اجتذبه سنحاريب إلى أرمينية، وأقام بها إلى أن مات، وبنى على قبره قبَّةً إكراماً له، كإكرام قبور الملوك ورؤساء الشرائع”، وأضاف ” لو قُلتُ حقَّا قلت إنه أفضل من صَنَّف كتاباً بما احتوى عليه من العُلوم والفضائِل، وما رُزِقَ من الاختصار للألفاظ وجمع المعاني”.

أشهر أعماله:

من أشهر المؤلفات التي تركها البعلبكي خلفه؛ عبارة عن مجموعة من الأعمال الفلكية التي تغطي الجوانب النظرية والعملية لعلم الفلك وأكثرها شهرة هي:

” في الأعمال بالكرة النجمية”

هو كتاب يعتمد على استخدام الكرة الأرضية السماوية ويتضمن (65) فصلاً، حيث تم نشرها في مختلف المناطق ونسخها باللغتين العربية واللاتينية ثم نقلت إلى العبرية والإيطالية ثم الى الإسبانية.

“حياة الأفلاك”

هو أحد الأعمال الفلكية الموجودة اليوم حيث يبحث فيه في تكوين الأجرام السماوية، وتعتبر هذه المخطوطة أحدى أقدم الكتب التي تبحث في الفلك من الناحية النظرية.

” المدخل إلى علم النجوم”

وهو بمثابة مخطوطة تبحث في الفلك متضمناً مقدمة عن الفلك وعلم التنجيم.

“المدخل إلى الحياة وحركات الافلاك والكواكب”

تعتبر هذه المخطوطة مدخلاً مميزاً يتحدث عن الحياة على الأرض وكيفية حركة الأجرام والنجوم السماوية.

” في العمل بالأسطرلاب الكروي”

تشرح هذه المخطوطة كيفية استعمال الأسطرلاب الكروي وفوائده، وهذه المخطوطة موجودة في جامعة ليدن.

“في العمل بالكرة ذات الكرسي”

تعتبر هذه الكتب من أبرز أسماء المؤلفات المنسوبة للبعلبكي والتي نسبها له ابن النديم في كتبه الشهري “الفهرست” وضمن كتابات المؤرخ جمال الدين القفطي.

ويجب التنويه هنا إلى أن بعض العلماء يظنون بأن هذه الكتب هي نفسها ولكنها تحظى بأسماء عديدة نظراً لنسخها وتناقلها بين اللغات، فمثلاً يُظَن أن العملين الثاني والرابع متماثلان متشابهان في العنوان ولكن عدم وجود نسخة ملموسة بين أيدينا؛ يجعل الأمر مجرد تكهن لا أكثر.

لم تقتصر أعمال البعلبكي على ما سبق؛ بل أن من بين أعماله الشهيرة الترجمات العلمية للآخرين، فلديه كتاب يُعرف بالفلك الصغير وسماه البعلبكي باسم “الكتب المتوسطة” والتي كانت عبارة عن النصوص التي تم دراستها بعد الهندسة الإقليدية (نسبة للإغريقي إقليدس)، هذه النصوص التي جاءت في المرحلة السابقة لنشوء علم الفلك البطليموسي.

ومن الإصدارات التي قام قسطا بترجمتها للعربية، كل من كتابي “الأكر” و” التوال والغروب”، كما أن لابن لوقا كتب وترجمات في علم الفيزياء لنتاج أرسطو التعليمي، بالإضافة إلى كل الكتابات اللاحقة لكل من أليكساندر أفروديسياس وفيلوبونوس.

اتبع قسطا منهجاً للترجمة يعتبر فريداً من نوعه، حيث قام بترجمة العديد من الكتب التي تدمج بين الفلسفة والعلوم الهندسية الطبيعية في كل من علم البصريات والعلوم الرياضية، وهذه هي النوعية من العلوم التي تنتمي إليه علوم الفلك والميكانيك.

كتب ترجمها:-

  • شرح الإسكندر الأفروديسي.
  • شرح جون فيلوبون على السماع الطبيعي.
  • آراء الفلاسفة المنسوب إلى فلوطرخس.
  • كتاب الحيل لهيرون، والذي ترجمه للخليفة المستعين، وهو المؤلَّف المنشور في ليبزج سنة 1900م.
  • الجامع في الدخول إلى علم الطب، والذي ترجمه لإبراهيم بن المدبر.
  • رسالة صغيرة في الفرق بين النفس والروح (خاص به) تُرجم إلى اللاتينية.
النسخة العربية من De habitationibus Περὶ οἰκήσεων;( كتاب المساكن)، وهو عمل في علم الفلك من تأليف ثاودوسيوس من بيثينيا (ثاودوسيوس حوالي ١٦٠-١٠٠ ق.م)، ترجمه من اليونانية قسطا بن لوقا.

وفاته:

ارتحل ابن لوقا كثيراً خلال حياته إلى أن وافته المنية عن عمر 100 عام تقريباً، حيث انتقل إلى الرفيق الأعلى في أرمينيا وذلك سنة 912 ميلادية.

أرمينيا التي توفي فيها البعلبكي
أرمينيا التي توفي فيها البعلبكي

المصادر:-

https://islamsci.mcgill.ca/RASI/BEA/Qusta_ibn_Luqa_al-Balabakki_BEA.htm

  • مكتبة قطر الرقمية.
  • معجم البلدان، ياقوت الحموي.
  • تاريخ مختصر الدول، ابن العبري.
  • تقويم البلدان، أبو الفداء.
  • العصر العباسي الثاني، شوقي ضيف.
  • إخبار العلماء بأخبار الحكماء، القفطي.
  • Photo by Mark Amiraghyan on UnsplashCopy

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى