مخطوطات

بريطانيا العُظمى ومواجهة “البروباجاندا الإيطالية بين العرب”

كانت بدايات القرن العشرين مصاحبة لانتهاء النفوذ التركي العثماني في المنطقة العربية، ورافق ذلك تمدُّد النفوذ الاستعماري الغربي فيها ، لا سيَّما من قِبَل القوَّات المُنتصرة في الحرب العالمية الأولى (الحلفاء : المملكة المتحدة أو بريطانيا العُظمى، فرنسا، روسيا) على بلدان المركز ( ألمانيا وتركيا، النمسا..)، فيما لم تواصل إيطاليا التزامها تجاه المحور الثاني وذلك بفعل عدم احترام الإمبراطورية النمساوية -المجرية لشروط الحلف الثلاثي بحسب ما قيل حينذاك.

الدول الغربية الثلاث (فرنسا، المملكة المتحدة، إيطاليا)، متواجدة في المنطقة قبل فترة ٍمن انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1918 م، وبعد اتفاق باريس ولندن على آليات لتقسيم جزء من التركة العثمانية ومن بينها اتفاقية سايكس بيكو 1916م وسواها، فقد سعت المملكة المتحدة لمواجهة ما يُسمَّى بـ”البروباجاندا الإيطالية بين العرب”، علماً بأنَّ الطرفين (المختلفين أيديولوجياً) تواجها لاحقاً في الحرب العالمية الثانية (1939-1945م).

إيطاليا كانت بطبيعة الحال متواجدة في ليبيا منذ خريف العام 1911 م، وهو الأمر الذي عزَّزتهُ بعد توقيع معاهدة لوزان التي أنهت التواجد التركي في ليبيا بشكل رسمي.

ومن هنا بدأت قوى التأثير البريطانية تمارس دورها لمواجهة ما يُسمَّى بـ”البروباجاندا الإيطالية بين العرب”، وهي بروباجاندا مُعادية للندن التي سخَّرت بدورها قُدرات مُضادَّة لأغراض حشد التأييد الشعبي والإعلامي والرسمي اللازم لها في منطقة الشرق الأوسط، وذلك بحسب ما تُظهره المراسلات المرفقة والتي تعود للفترة الواقعة بين عامي 1936 و1938م، والتي تم إيداعها بالمكتبة البريطانية، ثُمَّ أتيح للعامة الاطلاع عليها بعد مرور عقود على إنشائها.

الأطراف الرئيسية في المراسلات التي أظهرها الملف هم على النحو التالي: السفير البريطاني في روما (إيريك دروموند)؛ القنصل العام البريطاني في أديس أبابا (هيو ستونهيور بيرد)؛ القائم بأعمال السفير البريطاني في أديس أبابا (باتريك ماكسويل روبرتس)؛ القنصل العام البريطاني في باتافيا (هنري فيتزموريس)؛ القائم بأعمال السفير البريطاني في جدَّة (ألبرت سبنسر كالفرت)؛ الوزير البريطاني في جدَّة (ريدر ويليام بولارد)؛ مسؤولون بوزارة الخارجية ومكتب الهند وإدارة الشؤون الخارجية بالحكومة في الهند.

تتضمن المراسلات نقاشات حول الموضوعات التالية:

  • أنباء عن نشر بيان في ليبيا يمنح موسوليني لقب “حامي الإسلام”.
  • تقارير عن خُطب وبيانات ألقاها الزعيم الإيطالي موسوليني بخصوص موقف بلاده تجاه السكان المسلمين.
  • أنباء عن وجود تعاطف تجاه الإيطاليين بين السكان العرب في فلسطين (المحتلة في ذلك الوقت من قبل بريطانيا).
  • تقارير عن البروباجاندا المعادية لبريطانيا والمستوحاة من الإيطاليين في جزر الهند الشرقية الهولندية (خاصة في جاوة)، وإمكانية مجابهة أثرها على السكان العرب المحليين من خلال إرسال دوريات عربية مؤيدة لبريطانيا إلى السُّكان العرب المؤثرين هناك (كما جرى أيضًا نقاش إمكانية إرسال زوار من الخليج العربي لتقديم محاضرات داعمة لبريطانيا).
  • البروباجاندا الإيطالية بشأن المساعدات المالية التي قدمتها السلطات الإيطالية إلى المسلمين الإثيوبيين لأداء فريضة الحج.
  • النظام الإيطالي في إثيوبيا (بما في ذلك نظامه التعليمي) وتأثير البروباجاندا الإيطالية على السكان المسلمين في إثيوبيا.
  • التدابير التي اتخذتها السلطات البريطانية في الإسكندرية لمواجهة البروباجاندا المناهضة لبريطانيا في مصر، والتي تتضمن إنشاء مجلة اسمها “زهرة الشرق” التي تحدثت بلسان داعمٍ للإنجليز.
  • تحرُّكات شكيب أرسلان من الرابطة الإسلامية لسوريا وفلسطين، بما في ذلك زيارته لروما في نوفمبر تشرين الثاني 1936 م.

الخلاصة:-

مُلخَّص المراسلات يفيد بأنَّ القوَّتين الإستعماريتيّن سعتا آنذاك لتوظيف الرأي العام العربي لصالحها وضد الطرف الآخر، وذلك ليس في إطار رغبة هذه أو تلك لتحقيق مصلحة المناطق التي تحتلها، بقدر سعيها لاستغلال البلدان العربية لمواجهة المنافس الآخر.

مصدر المخطوطات:-

مكتبة قطر الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى