أخبار العرب

البراض بن قيس الكناني… مشعل حرب الفِجَار

صعلوكٌ جاهليّ من أهل الحجاز، خَلعه قومه وتبرَّأوا منه لكثرة أفاعيله الماجنة

تمهيد:-

خلعه قومه لكثرة مُجونه وفِسقه، فكان طريدًا صعلوكًا فتّاكًا، مُثيرًا للبلابل والفتن، تتقاطر الدماء من يده، ومن جرّاء أفاعيله، الخبث والخيانة ديدنه، والغدر في مَسرى دمه، إنه البراض بن قيس الكناني.

من هو البراض بن قيس ؟

البراض بن قيس بن رافع بن قيس بن جُدي بن ضمرة الضَّمْري الكناني ، صعلوكٌ جاهليّ من أهل الحجاز، خَلعه قومه وتبرَّأوا منه لكثرة أفاعيله الماجنة، فرحل عنهم ولجأ لحياة الصعلكة، وقد كان أحد أسباب إشتعال فتنة حرب الفِجَار.

مقولة العرب فيه:-

خلَّد العرب مقولات تُعبر عن صفاتٍ فارقةٍ لشخصيات تاريخية، كانت مَضربَ المثل بإيجابياتها وسلبياتها، فيُقال: أسْخَى من حاتم، وأعزّ من كُليب، وأَكذب من مُسيلمة، وأَلَصّ من شظّاظ، وأوفى من السَّموأل، وكان البراض مَضربَ المثل في الفتك والشَّيطنة حتى قِيل “أفتك من البراض”، يقول فيه أبو تمام:

والفتى من تعرقته الليالي .. والفيافي كالحيَّةِ النضناضِ

صلتان أعداؤه حيث حلوا .. في حديثٍ من عزنه مستفاضِ

كل يومٍ له بصرف الليالي .. فتكة مثل فتكة البراضِ

حرب الفِجَار:-

 هي إحدى حروب العرب في الجاهلية، حدثت بين قبيلة كنانة (ومنها قريش) من جهة، وبين قبائل قيس عيلان (ومنهم هوازن وغطفان وسليم وثقيف ومحارب وعدوان وفهم) من جهةٍ أخرى، وقد سُمَّيت بحرب الفِجَار لإستحلال المحارم والقتل في الأشهر الحُرُم، ولِعظم ما قُطع فيها من الصِّلات والأرحام، فقد فَجَر العرب في القتل، وكانت الدماء هي أرخص ما يُقدّم من الطرفين.

يوم الفِجَار الثاني:-

كان البراض بن قيس هو الفَتيل الذي أشعل يوم الفجار الثاني، حينما أراد النُّعمان بن المنذر أن يبعث بِلطيمة له،أي العير مُحملة بالطيب والمسك والحرير إلى سوق عكاظ للتجارة – كعادته في كل سنة – فقد كانت عكاظ مَقصد الناس والتجار من كل حَدبٍ وصَوب، فلما كان النعمان في مجلسه، طلب مَن يُؤمن له لطيمته حتى تصل عكاظ، وكان في مجلسه إذ ذاك البراض بن قيس الكناني ، وعروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب المُلقب بالرّحال، فعرض البراض أن يُجيزها على كِنانة فقط، بينما أراد النعمان إجازتها على كِنانة

وقَيس، فردَّ عروة بن عتبة ردًا كان فيه هلاكه فيما بعد إذ قال مُشيرًا إلى البراض :”أذاك الكلب الوضيع يجيز اللطيمة؟ أنا خير منه أجيزها عن سائر العرب وعلى رأسهم كنانة”، فغضب البراض أيّما غضب وأسرَّها في نفسه، وآلَت اللطيمة إلى عروة ليجيزها وسار بها إلى عكاظ، لكن البراض لحقه مُتربصًا ومُبيّتًا نية السوء، لكن عروة لم يكن ليخشاه أو يهابه، حتى إذا ما وصل إلى وادي تيمن وذي طلّال، وثب عليه على حين غِرَّة فقتله، فساق العير قسرًا إلى عكاظ.

تباهي البراض بن قيس بفعلته:-

أنشد يتفاخر بقتله عروة غير آبهٍ للعواقب قائلًا:

وَدَاهِيَةٌ تُهِمّ النّاسَ قَبْلِي .. شَدَدْت لَهَا – بَنِي بَكْرٍ – ضُلُوعِي

هَدَمْت بِهَا بُيُوتَ بَنِي كِلَابٍ .. وَأَرْضَعْت الْمَوَالِيَ بِالضّرُوعِ

رَفَعْت لَهُ بِذِي طَلّالَ كَفّي .. فَخَرّ يَمِيدُ كَالْجِذْعِ الصّرِيعِ

وقال أيضًا:

نقمتُ على المرء الكلابي فخرةً .. و كنت قديماً لا أقر فخارا

عَلَوت بحدِّ السيفِ مفرق رأسه .. فأسْمَعَ أهلَ الواديين خُوارا

جششتُ به ضياع بطن أوارة .. فأثني علىَّ ما حييت أوارا

مقايضةٌ مرفوضة لخليع قومه:-

توجَّس البراض بن قيس خِيفةً من عاقبة فعلته، فأرسل رسولًا إلى قومه كنانة يحذرهم من انتقام قيس قوم
عروة، فاجتمع سادات قريش في دار الندوة لتشاور الأمر، وأرسلوا إلى قيس يتبرأون من البراض ، وبلغ بهم
الأمر أن عرضوا عليهم أن يُسلموه لهم ليتنازلوا عن الثأر لعروة، لكن باءت هذه الصفقة بالفشل، فقيس
رفضت أن تقبل دية عروة الرحال وهو الفارس النبيل بهذا الخليع التافه الصعلوك، وعزموا على الثأر
بالحرب.

معركة الفجار الثاني مع البراض بن قيس الكناني

وهكذا اشتعلت الحرب واحتدم القتال بين الفريقين، فكَثُر القتلُ بينهما، فَتَداعوا للصلح، على أن يَعدّوا
القتلى من الطرفين، ويدفع الديَّةَ الطرف الذي قتلاه أكثر، فدفعت قريش الدية لأن قتلى قيس كانوا الأكثر
بنحو عشرين قتيلًا، فتصالح الفريقان ووضعت الحرب أوزارها.

خُبث البراض بن قيس:-

بعدما فعل فعلته النّكراء، وبلغ صداها الآفاق، لحقه رجلان من قيس يريدان قتله ولم يكونا يعرفاه،
فلقيهما على أبواب خيبر وسألاه عن البراض ليقتلاه، فقال لهما أنا أدلكما عليه فليتبعني أجرأكما عليه،
فتبعه أحدهما، فساقه البراض إلى داخل خربة وقال له: أرني سيفك لأرى إن كان ضاربًا، فقتله بسيفه بوثبة
واحدة، ثم عاد إلى صاحبه الثاني وقال له: ما أشد جُبن صاحبك! ولّى هاربًا فزعًا، فتعال معي لأدلك عليه، فساقه هو الآخر إلى الخربة، فلقى نفس مصير صاحبه.

وهكذا، فقد استطاع البراض بن قيس الكناني أن أن يُسجل بصمة في مَرمى التاريخ كسائر الأعلام والنبلاء،
لكنها ما كانت إلّا بصمةً سوداء، لَحِقَه عارها على مَرِّ الأزمان، وجعلت منه مَضرِب المثل في الغدر والفتك
والطغيان.

المصادر:-

جمهرة أنساب العرب، ابن حزم الأندلسي، ص.185
● موسوعة الأعلام، خير الدين الزركلي، 1980
● الكامل في التاريخ، المجلد الاول، ابن الأثير.
● شعراء مكة قبل الإسلام، محمد حمزة إبراهيم، دار الكتب العلمية، 2017

منار إسلام

منار إسلام، مصرية الجنسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم تخصص بيولوجي، كاتبة محتوى في المجالات العلمية والأدبية، وشغوفة بكل ما هو متعلق باللغة العربية وتراثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى