آثار

البتراء .. المدينة الصخرية الوردية الأعجوبة

لا يمكن لأي موقع أثري آخر أن يضاهي سحر هذه المدينة الوردية

البتراء – توطئة:-

مِثل الرهبة التي تُدخِلها على قلوبنا أهرامات الجيزة، أعمدة تدمر وحدائق بابل؛ فإن البتراء تمتلك السحر والروعة التي لا مثيل لها في كل العالم، فالمدينة الوردية اليوم هي إحدى عجائب الحضارة البشرية الحديثة ورمز حضاري يميز الأردن عن سواه.

 في الواقع لا يمكن لأي موقع أو مكان أثري آخر في العالم أن يتفوق على البتراء أو يضاهي السحر الذي يتملك نفس الداخل إليها.

بكل ما فيها من أعمال معمارية، فنية ومنحوتات نُفِّذت بدقة وإتقان، كل ذلك جعل مرتادوها يسموها بـ” المدينة ذات اللون الزهري القديمة قدم نصف الزمن” وهذا صحيح تقريباً، فهي محفورة ضمن سلاسل جبلية ذات لون وردي (جبال تتدرج بين البرتقالي، الأصفر والوردي) ولكنها ليست بنصف عمر الزمن أو التاريخ لنكون دقيقين، ولذا لن نتطرق إلى هذه التفاصيل الأكاديمية التي ستفقد المدينة شاعريتها ورونقها الأخَّاذ.

في قفزة عبر التاريخ؛ نجد بأن البتراء وجدت قرابة القرن السابع قبل الميلاد، حيث عُرفت على أنها مستوطنة نبطية، أي أنها وجدت خلال العصر الحديدي الذي شهدته، ولكن هذه الروعة الملهمة التي تمتلكها البتراء اليوم لم تكن موجودة قبل الازدهار الذي أنعش المدينة وما حولها خلال الحقبة التي ولد بها السيد المسيح عيسى عليه السلام.

عاش في مدينة البتراء قبائل الأنباط العربية، والتي كانت قبائل من التجار الذين تزايدت ثرواتهم بمرور الوقت وخاصة عندما تمكنوا من السيطرة على طرق البخور من سواحل اليمن الجنوبية وحتى سواحل المتوسط فأسواق الدولة الرومانية.

طريق البخور:-

ربما تتساءل لماذا سُمِّي الطريق التجاري المشار إليه سلفاً بطريق البخور، والإجابة ستكون في غاية البساطة، فقط أبعِد مخيلتك عن كل الروائح العطرة الحديثة التي تعرفها اليوم وتخيل الروائح البشرية، المحيط، المداخن وكل شيء.. حينها كان البخور هو صاحب الرائحة العطرية الوحيدة القادرة على تغطية كل شيء ببهاء ورونق.

كما أن البخور امتلك حينها قيمة دينية عالية فقد تم إشعال وإحراق تلال من البخور المُعطَّر خلال الاحتفالات الدينية.

 ويذكر هنا أن ثلاثة من تلاميذ المسيح قاموا بتقديم الذهب، البخور وصمغ شجرة المر، أي ان المواد الثلاثة كان لها نفس القيمة في ذلك الوقت واعتبرت من النفائس.

حيث كان كلٌ من صمغ البر واللبان يُستخلص من عُصارات الأشجار الموجودة في أحراش شبه الجزيرة الجنوبية، وفي الأشجار الشائكة جنوب البتراء، فكانت الأخيرة بمكانها موقعاً مثالياً ليتم عبرها السيطرة على طريق التجارة الذي يتم من خلاله نقل البخور نحو السوق الرومانية.

وما يخبرنا به التاريخ أن الأنباط لم يقوموا بالسيطرة على البتراء وحسب؛ بل امتدت سيطرتهم على المنطقة من جنوب سوريا إلى سواحل المتوسط وصولاً إلى سواحل الحجاز، وكانت لهم تأثير كبير على الممالك المجاورة لهذه الجغرافيا، وذلك قبل قرون من تعرُّض مركزهم للغزوات الرومانية.

تاريخ البتراء:-

من الطبيعي أن تفضي المكانة التجارية المرموقة لمدن الأنباط عموماً، و البتراء خصوصاً، إلى تزايد الأطماع الرومانية، حيث بدأت حملة الغزو الرومانية الأولى خلال القرن الأول من ميلاد المسيح، ولكنها لم تُضم لروما بشكل تام حتى سنة 106 بعد الميلاد، لتصبح المدينة الوردية تحت سيطرة قيصر الروم باسم بمقاطعة البتراء العربية.

وتخبر السجلات التجارية التاريخية للأنباط؛ بأن البتراء بقيت وازدهرت لفترة طويلة شهدت خلالها تشييد العديد من الآثار التي نراها اليوم، وذلك مع أنها بقيت تحت السطوة الرومانية التي أضعفتها مع مرور الوقت (أي خلال القرن الرابع للميلاد والفترة التي جاءت بعده).

 وجاء هذا التراجع في أهمية البتراء نتيجة لاكتشاف الرومانيين لطريق تجارة موسمي عبر البحر، حيث أقدم التجار على الإبحار إلى الهند مباشرة عبر البحر الأحمر، الأمر الذي مكنهم من تجاوز حاجة المرور من البتراء.

وككل شيء في بداياته؛ بدأ استعمال الطريق التجاري بشكل تدريجي واتجه للتزايد خلال الخمسين سنة التي تلت اكتشافه، مما أثر بشكل سلبي على التجارة عبر البتراء.

 كما أنه يوجد سبب آخر لتراجع التجارة، فبعد انتشار المسيحية وتراجع العبادات الوثنية؛ قل الطلب على البخور، وإن استخدم الأخير في الطقوس والعبادات المسيحية بشكل طفيف.

هذه الضربة القوية لتجارة البتراء كانت موجعة لها، إذ قلَّ الطلب على مواردها من جهة، ومن جهة أخرى، فقد تراجعت الحاجة إلى المرور عبر طرقها التجارية الرئيسة، ما أدى إلى تلاشي نفوذها وقوتها بشكل تدريجي إلى أن اختفى كليا.

 وفي الوقت التي اختفت فيه البتراء من ذاكرة الغرب ووعيهم؛ تم استعمال الأبنية والكهوف فيها من قبل البدو كمنازل يقيمون بها.

حينما تتجول بين أطلال البتراء؛ ستمتلك الكثير من الوقت للتفكُر  والتأمل في هذه الحضارة الغنية، فعند مغارة وادي موسى، هذا المكان الذي قام به النبي موسى بضرب عصاه وتدفقت المياه، يمكن لك السير مسافة كيلومترين متأملاً في عظمة من سار على هذا الطريق (حسب النص الأصلي المترجم).

البتراء – جولة افتراضية:-

هيا لنأخذ جولة افتراضية في مدينة البتراء، ففي البداية ستجد الوادي العريض الذي يتواجد على أحد جانبيه أول المقابر النبطية المحفورة في الصخور، حيث تم تشييدها ونحتها من صخور الجبل نفسه، حيث يقام عليها كتل تُجسِّد الآلهة النبطية دوشارا “آلهة الشمس” في واجهة الأعمدة، الفريد في المقبرة؛ أنها كانت محفورة في الجبل بحفر صغيرة، بعضها كان مزين بالزخارف، بينما الأخرى زُينت بهياكل حجرية كالبوابات لها، وتدل على أن القبر لأحد أسلاف وأفراد العائلات الغنية.

 وكلما كبر حجم واجة القبر وازدادت العناية بتفاصيله؛ يعني ذلك أن المدفن هو لإحدى العائلات المرموقة.

كل الهياكل والأبنية التي تبهرك بلونها الوردي اليوم لم تكن بهذا الشكل في عهد ازدهار المملكة النبطية، فقد كانت الجدران مزينة باللوحات والرسومات التي تلاشت مع الزمن.

 ويوجد ضمن القاعات الواسعة في المدينة مقاعد صخرية كانت مخصصة ليجتمع فيها أفراد العائلة يجلسون ويحتفلون خلال الأعياد والمناسبات.

أما السقف؛ فغالباً ما كان يُرسم عليه نباتات وكأنه حديقة تنزل من السماء، ومع الزينة والعناية بالجدران، ستشعر بقليل من التأمل وكأنها بنيت بدقة داخل الجبل ولم تحفر.

تابع جولتك متخيلاً الحدائق الفاتنة التي كانت بجوار هذه الواجهات العملاقة والتي اختفت مع خفوت مجد المملكة وزوالها.

كل هذه اللوحات، العناية، والمزروعات التي كانت في عصر ازدهار البتراء، كانت تنتج مشهداً غنياً مختلفاً عما نراه اليوم.

الدخول إلى البتراء عبر بوابتها الساحرة (السيق):-

عند دخولك إلى الوادي الواسع المحصور بين الجبلين الزهريين؛ ستنعطف بمقدار زاوية لتتابع المسير نحو واد أضيق يقود إلى مدخل مدينة البتراء حيث يمتد طول هذا الممر لنحو (1.2) كيلو متراً.

العجيب فيه أنه مثل سداً تبعاً للنموذج الهندسي القديم الذي استعمله الأنباط لمواجهة أمطار السيول ونقلها نحو الخزانات.

عند مدخل السيق؛ ستواجهك بوابة البتراء المذهلة يمكنك أن ترى قوساً حجرية أو بالأحرى ما تبقى من آثاره لتعرف أنك تقف عند المدخل الرئيسي للمدينة، وحينها يمكن لك تخيل كيف كانت بوابة هذه المدينة الساحرة.

قام الأنباط بجعل مدخل مدينتهم عبر السيق منسجماً مع الطبيعة، كأنه لغز معماري يجعلك لا تنفك تتساءل عما إذا كان هذا الطريق سيقودك إلى مكان ما، هل سكن هنا بشر أم هي لوحات فنية على الجبل، وخاصة مع المعابد الصغيرة المنحوتة ضمن الجبال، المقابر والبيوت بالإضافة إلى قنوات المياه التي تجدها على جانب الطريق؟.

مع أن الرياح والأمطار غيرت في معالم المدينة على مرور أكثر من ألفيّ عام؛ إلا أن المدينة مازالت اليوم شاهدةً على عظمتها.

خزنة البتراء وما تخفيه:-

حتى وإن قمت بزيارة المدينة عشرات المرات ومهما كان عدد مرات مرورك من السيق، بيد أنك لن تتمالك نفسك من الإعجاب والذهول بالصرح العملاق الذي تقف أمامه، وخاصة عندما تتابع مسيرك في الممر الضيق ليظهر لك من شق بين الحبلين الجبل المنحوت كخزنة نبطية بمقابلة الجرف.

عندما تقترب منها وتقف في ساحتها التي تكون عادة مزدحمة بالسياح وبسوق تعج بالباعة والبضائع التقليدية، هنا لا بد من أن تنتبه إلى الأرض التي تقف عليها، فهذه الأرض أعلى بعدة أمتار مما كانت عليه قبل 2000 سنة، وذلك نتيجة لتفتت الصخور وتنقلها مع مياه الأمطار والسيول لتتراكم هنا عند سفح الخزنة.

بعد تجولك في الخزنة والتعرف عليها؛ تابع المسير يساراً لتجد كتلاً مقطعة من الصخور المرتبة لتشكل مسرح البتراء، تابع المسير والتسلق لتصل إلى المذبح أو ما يعرف بمكان تقديم القرابين للآلهة في البتراء، صدقني يستحق المشهد الساحر أن تتسلق لتصل إليه فهنا أنت لا تبتعد عن الحشود الكبيرة وحسب؛ بل تعتلي الصخور لترى أروع مشهد على الإطلاق، مشهد للبتراء الساحرة بأكملها.

من المشهد الكامل للبتراء؛ ستظهر لك مجموعة من الأعمدة الضخمة التي لا تحمل أي زخرفة، إنما تمثل الآلهة النبطية والتي سميت أحجار الآلهة، ويظهر حولها المذابح والأحواض التي كان يجمع ضمنها دماء القرابين التي تذبح تقرباً لهذه الآلهة.

في الحقيقة تعتبر جبال الآلهة المقدسة تاريخياً نمطاً للتعبد معروف في منطقة غرب آسيا منذ الأزل، ففي حضارة السومريين؛ نجد بأنهم قاموا ببناء جبال اصطناعية لأجل الصلاة والتي نسميها بالزقورات والتي يوجد ما يحاكيها في أماكن الصلاة في بعلبك حيث كان الكهنة يتدبرون أمور الصلاة فيها ويشرفون عليها.

ولأن الجبال كانت متجانسة مع المدينة ومن تضاريسها؛ فكان الأنباط يصلون بشكل سهل إلى أعلى الجبال ويبتهلون ويصلون لدوشارا “آلهة الشمس” والآلهة الأخرى.

ويمكنك أن تتخيل الاحتفالات التي تجري في الساحات بالأسفل بهذا المشهد البانورامي الساحر.

والآن من أعلى نقطة في المدينة الوردية ؛ تابع المسير باتجاه الغرب لتمر على عدة مقابر أثرية ذات رهبة وإبداع لتصل إلى قصر البنت، هذا القصر الفاتن الذي تدور حوله أسطورة جميلة، فهذا الحصن المنيع كان معبداً للأنباط مزوداً بسلم يمكنك من الوصول إلى سطح عالٍ، تقام فوقه الاحتفالات الدينية حيث كان مخصصاً لتلك الفئة من الأنباط الذين لا يرغبون أو لا يستطيعون التوجه نحو الجبل للصلاة.

هنا من قلب البتراء:-

عندما تقف في وسط البتراء أمام هذه العظمة الساحرة وبين الحشود؛ لا بد من أن يتملَّكنا خوف على الآثار الباقية، فمع أن مدينة البتراء مسجلة ضمن لائحة التراث العالمي؛ إلا أنها معرَّضة للزوال بسبب عوامل الحتِّ للصخور ومشكلة تفتتها، والتي تتطلب بالفعل القيام بخطوات عملية وكبيرة من قبل الحكومة الأردنية.

البتراء وجهة سياحية عالمية

اقرأ أيضاً: قلعة الكرك .. شاهدة على المواجهات مع الصليبيين

المصادر:-

https://etc.ancient.eu/travel/jordan-the-wonders-of-petra/

Photo by Andrea Leopardi on UnsplashCopy

Photo by Yuliya Kosolapova on UnsplashCopy

Photo by Zena Al-yousef on UnsplashCopy

Photo by Alex Vasey on UnsplashCopy

Photo by Who’s Denilo ? on UnsplashCopy

Photo by Reiseuhu on UnsplashCopy

Photo by Emile Guillemot on UnsplashCopy

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى