أخبار العرب

أبو الفرج الببغاء ورسائله البديعة

نثره مستوفٍ أقسام العذوبة وشروط الحلاوة والسهولة، ونظمه كأنَّهُ روضة منورة

أبو الفرج عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي الحنطبي صاحب لقب الببغاء ، شاعر مجيد، وكاتب مرسل، جيد المعاني، حَسَن القَول، هو من أهل نصيبين.

ولقد أغفل المؤرخون الذين ترجموا له سَنة ولادته، فلم يذكرها الثعالبي أو البغدادي، أو ابن خلكان، أو السمعاني، أو غيرهم.

ويُرجَّح أنَّه وُلِد حوالي سنة 314 هـ، وذلك لأن أبا الفرج الأصفهاني ذكر في رواية له أنه اضطر لأن يتأخر في دمشق عن سيف الدولة الحمداني، وقد سار عنها في بعض وقائعه، لأن الخطر كان شديداً على من أراد اللحاق به وأصحابه، حتى أن ذلك كان طريقاً إلى النهب وطول الاعتقال.

 وبسبب الروح التي بثها الأمير الحمداني؛ كُثُر الشعراء الوافدون على بلاطه في حلب وتضاعف عددهم، فكان بلاطه ملتقىً الشعراء ومنتدى الأدباء، ومنهم بالإضافة للببغاء من الشعراء الفحول كلا من أبي الطيب المتنبي وأبي العباس النامي والصنبوري وعلي بن عبد الله الناشئ والسري الرفاء وأبو الفرج الوأوأ وأبي الفتح كشاجم، وأبي نصر بن نباته السعدي وأبي العباس الصفري والخالديان وأبو القاسم الشيظمي وغيرهم.

قال أبو منصور الثعالبي عن أبي الفرج الببغاء : “نجم الآفاق، وشمامة الشَّام والعراق، وظرف الظّرْف، وينبوع اللطف، وَاحِد أفراد الدَّهر في النَّظم والنثر، له كلام بل مدام بل نظام من الياقوت بل حب الغَمَام؛ فنثره مستوف أقسام العذوبة وشروط الحلاوة والسهولة، ونظمه كأنَّهُ روضة منورة تجمع طيباً ومنظراً حسناً”.

رسائله البديعة:-

ليتعرَّف القارئ عن كثب على طريقة كتابة الرسائل من قبل أبي الفرج الببغاء ؛ فإننا نسوق الأمثلة التالية:

  • قال الببغاء : فلانٌ يطرقُ الدَّهر إذا نَظَر، وينظرُ المجدَ إذا افتخَر، سعى إلى العلياء فأدركَها، وعاقدٌ عليها الآراء فمَلَكَهَا، وهِيَ ما تُدركُ بغير السَّماح، ولا تمُلكُ إلَّا بأطرافِ الرِّماح.
  • والبلاغةُ ميدانٌ لا يُدركٌ إلَّا بسَوابِقِ الأذهان، ولا يُسلكُ إلَّا ببصائرِ البيان؛ وقلَّ من يركبُ طريقها على التغرير، أو أمِلَ قطعَهَا بالتقصير، إلَّا فضحتهُ المُطاولة، وكشَفَت خللهُ المُساجَلةُ، فسَقَطَ من حيثُ أمل الرِّفعَة، وذلَّ من حيثُ حاولَ المَنَعة.
  • ومن قوله يصف تشريفاً وفرساً وصلا إلى أبي تغلب بن حمدان من الخليفة: وصَلَ كتابُ أميرِ المؤمنينَ مُطلقاً إلى الرُّشد بالتوقيف، مقترناً بخصائص التَّكرمةِ والتَّشريف؛ فقبَّلت من الملبس الشَّريف مواقع أفضاله، واعتلقتُ من السَّعْدِ بأذياله، وبرزت في الخِلع الموسومة بإِنعامه، والمناطق النَّاطِقةِ بإِكرامِه، مُتدرِّعَاً منها ثياب السَّكينةِ والهُدى، مُختالاً من حُللها فيما يرووقُ الأولياء ويُروِّعُ العدى، مُتقلِّداً عضبهُ الذي هزَّ النَّصر غرارهُ، وأحسَنَ آثارهُ، عالياً على عُنُقِ الزَّمانِ، بامتطاء ما حباني به من الجواد الذي تزلّ الأبصارُ عن صهواتهِ، وتتبلجُ غُرَّةُ الفجر في ظُلُماتهِ، وهو مع كونِهِ تحلَّى بحلية الكافِر، يروعُ كُلَّ كافرٍ مُشرِك، ويُحقق بركضهِ أن اللَّيل الذي هو مُدرِك؛ والحمدُ للهِ الذي جَعَلَ صنائع أمير المؤمنين عند من يرتبطها بعلائق شُكرهِ، ويحرُسها بالتوفُّر على جميلِ ذكرها في ذِكرهِ.
اتسم الشاعر أبو الفرج الببغاء بقوة بيانه
اشتهر الببغاء ببلاغته ونثره وشعره وتميز رسائله.
  • قال الببغاء : وقد شرَّفني سيدنا بأعزِّ الحُملان، الحامل لي على عُنُقِ الزَّمان، فجاءَ موفياً على التأميل فيه، مُناسِباً لصنائعِ مُهديه، مُتفاوت العَدو، مُتقارِبُ الخًطوْ، حديدُ النَّظَر، محمودُ الخَبَر، عريقُ النَّسَب، مخبورُ الحَسَب، أخفُّ منَ الوَهْم، وأمرقُ من السَّهْم، وأسرعُ من البارِق، وأشهرٌ من لاحقٍ؛ شخص إقبالٍ، وجملةُ كمال.
  • وإذا كانَ الشُّكرُ تُرجُمانُ النِّيَّة، ولِسانُ الطَّويَّة، وسبباً إلى الرَّفادة، وطريقاً إلى السَّعادَة، فألسُن آثارها على الشَّاكِرِ مع الصَّمْت، أفصحُ من لسَانِهِ، وبيانُها عندَ الجُحُودِ أبلغُ من بيانِهِ.
  • فُلانٌ يسعُ العالمُ إحسانهُ، ويستغرقُ الشُّكرُ امتنانِهُ، ويستخدم الدَّهر عزمهُ، ويؤدِّبُ الأيَّام حزمهُ، كعبةُ فضلٍ، وغمامةُ وبلٍ، الليالي بأفعاله مُشرقةٌ، والأقدارُ من خوفهِ مُطرقةٌ، تحمدهُ أولياؤه، وتشهدُ لهُ بالفضلِ أعداؤهُ، ولا يصلُ الشَّكُ إلى سريرتهِ، ولا ترمُد عن الحقِّ عين بصيرتِه، كالقَمَر السَّعد، والأسد الورد.
  • قال الببغاء : والحمدُ لله على ما وهَبَ مولانا من عافيةٍ يقتضي بها شُكرهُ، وعارض مرضٍ يختبرُ بها صبره، ليوجِب لهُ الزِّيادة من نعماه بالشُّكر، ويدَّخِر لهُ أرفع درج الجزاء بجميل الصَّبر.
  • وقد ذَهَبَ رمضانُ على سيِّدِنا يشهدُ لهُ عند اللهِ بأفعالِهِ، ويُثني عليهِ عند اللهِ بأعماله، تحسُدُ لياليهِ على صيامِهِ أيَّامهُ، ويُنافسُ صباحُهُ على تهجدُّه ظلامهُ، موصولةٌ بالطَّاعاتِ ساعاتهُ، مقرونةٌ بالخيراتِ أوقاته.
  • كتبتُ إليكَ بيدٍ أطلق الثَّقةُ بيانها من اعتقال اليأس، وعن رغبةٍ انصرفت إلى تأميله عن جميعِ النَّاس؛ مُستظهِراً على الدَّهرِ بالصَّبر، إلى أن عدل بي الحزمُ عن طريق نوائبهِ، واجتنيتُ بيد التَّوفيقِ ثمر السَّلامة من مصائبهِ، وأنا من المولى مُتوسَّطٌ رغبتي وعُلاهُ، وبين شُكري ونداه، مع أنني كَما قُلتُ:

تطـــــولُ على الأيــام أن يسترقَّنـــي .. مــع الدَّهــرِ إلا للكــرامِ المواهبُ

ومـا كُـلُّ حـالٍ يُكسبُ المــال مُرتضىً .. ولكِـن على قدر النُّفوسِ المكاسبُ

وفاة الببغاء :-

توفِّي أبو الفرج الببغاء ببغداد وذكر محمد الطباخ أن المنية قد وافته سنة 396 هـ وهذا توهُّم خاطئ وقع فيه، إذ أجمع كل المؤرخين الثقات الذين ذَكَروا سَنة وفاة الشاعر ومنهم الخطيب البغدادي وابن خلكان، وابن الأثير وجمال الدين الأتابكي وابن العماد الحنبلي، وحاجي خليفة، وإسماعيل البغدادي، وكارل بروكلمات، والزركلي على أن الشاعر قد توفي سنة 398هـ.

المصدر:-

  • مسالك الأبصار، العمري.
  • يتيمة الدهر، الثعالبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى