أعلام

الإمام مسلم .. الشيخ الذي نذر حياته لجمع الحديث

لما أكرمه الله تعالى بالتجارة، وأنعم عليه بالأملاك والثروة، لم يبخل بها بل كان كما نقل: "محسن نيسابور"

اسمه ونسبه وكنيته:-

هو الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشا القشيري النيسابوري.

مولده:-

اختلف في سنة مولد الإمام مسلم، فقال الإمام شمس الدين الذهبي في هذا الصدد: “قال بعض الناس: ولد سنة أربع ومائتين وما أظنه إلا ولد قبل ذلك”.

نشأته:-

قد نشأ الإمام مسلم في نيسابور، دار السنة والعوالي، التي قال فيها ياقوت الحموي: “وهي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، ولم أر فيما طوفت من البلاد مدينة مثلها”.

الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..
الرحّالة الأديب ياقوت الحموي من أشهر جغرافي الحضارة الإسلامية، جمع بين العلم والأخلاق والاستقامة وكان نابغة عصره، ويعد مصنفه معجم البلدان أفضل مرجع جغرافي..

وكانت نشأته في بيت من بيوت العلم والجاه والثراء، حيث كان أبوه من المشايخ، كما قال الفراء: وكان أبوه الحجاج بن مسلم من مشيخة أبي رضي الله عنهما.

وكان بزازاً صاحب تجارة، وله أملاك وثروة، ومعاشه من ضياعه بأستوه، وكان يحدث في خان تجارته، وكان تام القامة، أبيض الرأس واللحية، يرخي طرف عمامته بين كتفيه..

أخلاق الإمام مسلم وصفاته:-

تكشف لنا ترجمة الإمام مسلم رغم قلة ما وصل إلينا من أخباره عن عظيم أخلاقه وصفاته “وكانت مناقبه مشهوره، وسيرته مشكورة”.

 ومن أهم ما ميزه من كريم الصفات:

التواضع: ويظهر هذا جلياً في تواضعه مع شيخه البخاري، ووقوفه بين يديه يسأله سؤال الصبي المتعلم.

ونقل محمد بن حمدون بن رستم أن مسلماً جاء إلى البخاري فقبل بين عينيه وقال: “دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله”.

أفاد أبو عبد الله بن الأعرابي العديد من طلبة العلم، الذين توافدوا عليه من شتى بقاع الأرض مسلم
التواضع في طلب العلم

الجود والسخاء: فلما أكرمه الله تعالى بالتجارة، وأنعم عليه بالأملاك والثروة، لم يبخل بها بل كان كما نقل: “محسن نيسابور”.

الشجاعة والجرأة في الحق: ويتضح هذا في موقفه مع شيخه البخاري بعد الوشحة التي حدثت بينه وبين الذهلي.

حرصه على طلب الحديث: وليس من شيء أدل على حرصه من أنه توفي رحمه الله وهو يبحث عن حديث ذكر له في المجلس فلم يعرفه..

مصنفات الإمام مسلم وآثاره:-

يعد الإمام مسلم من المحدثين الذين صنفوا في معظم فنون وعلوم الحديث، وقد نقل لنا العلماء كثيراً من أسماء كتبه، لكن الذي وصل إلينا ما هو إلا جزء يسير منها، والأكثر مفقود، أما الموجود والمطبوع من مصنفاته، فهي:

الصحيح، التمييز، الطبقات، الكنى والأسماء، المنفردات والوحدان، رجال عروة بن الزبير وجماعة من التابعين وغيرهم..

تحدَّث ابن حجر العسقلاني عن كتابة صحيح مسلم بالقول : “ألَّفَ كتابهُ في بلدِه، بحضور أُصولهِ، في حياة كثيرٍ من مشايخه؛ فكان يتحرَّز في الألفاظ، ويتحرَّى في السِّياق، ولا يتصدَّى لمَا تصدَّى لهُ البُخاري من استنباط الأحكام ليبَوِّب عليها، ولزَمَ من ذلكَ تقطيعه (البخاري) للحديثِ في أبوابه، بل جَمَعَ مسلِم الطُرُقَ كلَّها في مكانٍ واحِد، واقتصَرَ على الأحاديث دونَ الموقوفات فلم يعرِّج عليها إلَّا في بعضِ المواضع على سبيل النُّدرة تبعاً لا مقصوداً”.

وفاة الإمام مسلم:-

توفي مسلم بن الحجاج عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وقال الذهبي: “وقبره مشهور بنيسابور ويزار”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع في وصف مسلم
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

أما سبب وفاته؛ فروي عن رفيقه أحمد سلمة أنه قال: “عقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث لم يعرفه، فانصرف إلى منزله، وأوقد السراج، وقال لمن في الدار لا يدخلن أحد منكم هذا البيت، فقيل له: أهديت لنا سلة تمر، فقال: قدموها إلى، فقدموها إليه، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة يمضغها، فأصبح وقد فنى التمر ووجد الحديث، قال محمد بن عبد الله: زادني الثقة من أصحابنا أنه منها مات”..

وقال الحاكم: “رأيت من أعقابه من جهة البنات في داره”، وقال في موضع آخر إنه لم يعقب ذكراً.

المصادر:-

  • سير أعلام النبلاء 12/557.
  •  سزكين 1/1/263.
  • ضحى الإسلام، أحمد أمين.

إيهاب عبد الجليل

إيهاب عبد الجليل، باحث إسلامي مصري له العديد من المؤلفات العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى