أعلام

ابن أبي ذئب .. راوي الحديث صاحب مالك في المدينة

كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ثم أصبح يصوم كل يوم

ابن أبي ذئب:-

محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة، أبو الحارث القرشي العامري المدني الفقيه، تابعي من رواة الحديث، صاحب الإمام مالك بن أنس -رضي الله عنه-، وهو من أهل المدينة المنورة وُلِدَ في شهر محرم سنة 81هـ، وقيل سنة 80هـ.

الرحالة والجغرافي الإصطخري يصف المدينة المنورة والمسجد النبوي خلال عصره
الرحالة والجغرافي الإصطخري يصف المدينة المنورة والمسجد النبوي خلال عصره

تحصيله العلمي:-

روى أبو الحارث عن: عكرمة، ونافع العمري، وشعبة مولى ابن عباس، وابن شهاب الزُّهري، ومحمد بن المنكدر، وخلق كثير. وروي عنه: ابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطَّان، ووكيع بن الجرَّاح، وأبو نُعيم، وغيرهم الكثير.

ورُمِيَ بالقدر، وما كان قَدَرياً، لقد كان يتقي قولهم ويعيبه، ولكنه كان رجلاً كريماً، يجلس إليه كل أحدٍ ويغشاه، فلا يطرده، ولا يقول له شيئاً، وإن مرض، عاده، فكانوا يتهمونه بالقدر لهذا.

مكانته العلمية:-

يعتبر الإمام محمد بن أبي ذئب أحد الأئمة المشاهير، وهو صاحب الإمام مالك رضي الله عنه، وكانت بينهما ألفة كبيرة ومودة صحيحة، ولما قدم مالك على أبي جعفر المنصور سأله: من بقي بالمدينة من المشيخة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ابن أبي ذئب، وابن أبي سلمة، وابن أبي سبرة.

المسجد النبوي الشريف بنهاية القرن التاسع عشر
المسجد النبوي الشريف بنهاية القرن التاسع عشر

صفاته وزهده وتقواه وورعه:-

  • صادق اللسان.
  • كبير القدر والمكانة.
  • يصوم يوماً ويفطر يوماً، ثم أصبح يصوم كل يوم.
  • شديد الحال يتعشى بالخبز والزيت.
  • كان حسن الظن بالناس.
  • من رجال العالم صرامة وقولاً بالحق.
  • يحفظ حديثه لم يكن له كتاب.

جرأة الإمام ابن أبي ذئب على الحق:-

قال أحمد بن حنبل: دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر -يعني المنصور- فلم يهبه أن قال: الظلم ببابك فاشٍ.
وحيَّاه يوماً المنصور فلم يقم له، فقيل له: لا تقوم لأمير المؤمنين؟ فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين.

ولما خرج محمد بن عبد الله بن حسن، لزم بيته إلى أن قُتِلَ محمد، وكان أمير المدينة الحسن بن زيد يجري على ابن أبي ذئب كل شهر خمسة دنانير، وقد دخل مرة على والي المدينة -وهو عبد الصمد بن علي عم المنصور- فكلمه في شيء، فقال عبد الصمد بن علي: إني لأراك مُرائياً. فأخذ عوداً، وقال: من أرائي؟ فوالله للناس عندي أهون من هذا.

وقال ابن أبي ذئب للمنصور: قد هلك الناس، فلو أعنتهم من الفَيْء. فقال: ويلك! لولا ما سددت من الثغور، لكنت تؤتى في منزلك، فتُذْبَحَ. فقال الإمام محمد بن أبي ذئب: قد سد الثغور، وأعطى الناس من هو خير منك: عمر رضي الله عنه. فنَكَسَ المنصور رأسه، ثم قال: هذا خير أهل الحجاز.

قال أبو نُعَيم: حججت عامَ حَجَّ أبو جعفر، ومعه ابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، فدعا ابن أبي ذئب، فأقعده معه على دار الندوة، فقال له: ما تقول في الحسن بن زيد بن حسن -يعني: أمير المدينة-؟ فقال: إنه ليتحرى العدل. فقال له: ما تقول فيَّ -مرتين-؟ فقال: ورب هذه البَنِيَّة، إنك لجائر. قال: فأخذ الربيع الحاجب بلحيته، فقال له أبو جعفر: كُفَّ يا ابن اللَّخْناء، ثم أمر لابن أبي ذئب بثلاث مائة دينار.

اشتهر ابن أبي ذئب بزهده وورعه وصدقه ومجاهرته بالحق - تعبيرية
اشتهر ابن أبي ذئب بزهده وورعه وصدقه ومجاهرته بالحق – تعبيرية

تمسكه بالسنة النبوية:-

جاء في «مسند الشافعي»: أخبرني أبو حنيفة بن سِمَاك، حدثني ابن أبي ذئب، عن الْمَقْبُري، عن أبي شُرَيْح: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِنْ أَحَبَّ، أَخَذَ العَقْلَ، وَإِنْ أَحَبَّ، فَلَهُ القَوَدُ».

قلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا؟ فضرب صدري، وصاح كثيراً، ونال مني، وقال: “أُحدِّثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به؟!
نعم، آخذ به، وذلك الفرض عليَّ وعلى كل من سمعه، إنَّ الله اختار محمداً -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الناس، فهداهم به، وعلى يديه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مخرج لمسلمِ من ذلك”.

ما قيل في الإمام ابن أبي ذئب:-

  • قال أحمد بن حنبل: “كان يُشبَّه بسعيد بن المسيب، وما خُلِّف مثله، كان أفضل من مالك إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه”، وتعقَّبه الذهبي بقوله: “وهو أقدم لُقْيَا للكبار من مالك، ولكنَّ مالكاً أوسعُ دائرةً في العلم، والفتيا، والحديث، والإتقان منه بكثير”.
  • قال الواقدي: “كان ابن أبي ذئب يصلي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة، فلو قيل: إن القيامة تقوم غداً ما كان فيه مزيد من الاجتهاد.
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع، إن الإمام الثقة المتقن برع بعلم الحديث، علم الجَرح والتعديل، وعلم القراءات والتاريخ، وصنَّف فيها جميعاً
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
  • قال الذهبي: “كان من أوعية العلم، ثقةً، فاضلاً، قوَّالاً بالحق، مَهِيباً”.
  • قال مصعب الزُّبيري: “كان ابن أبي ذئب فقيه المدينة”.

وفاته:-

توفي الإمام ابن أبي ذئب في الكوفة، سنة 159هـ، وقيل 158هـ.


المصادر:

  • الأعلام للزركلي (6/189).
  • سير أعلام النبلاء (7/139/رقم 50).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (2/265).
  • العبر في خبر من غبر (1/177).
  • وفيات الأعيان (4/183/رقم 566).
Image by Sharon Ang from Pixabay 

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى