أعلام

الإمام مالك بن أنس .. عالم أهل الحجاز وحُجة زمانه

قال: "أعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع"

اسمه ونشأته:-

الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث، أبو عبد الله الأَصْبَحِيُّ الحِمْيَرِيُّ الأَصْبَحِيُّ المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، وُلِدَ في المدينة المنورة سنة 93هـ، ونشأ في رفاهيةٍ وتجمُّلٍ.

هيئة الإمام مالك بن أنس :-

  • كان الإمام مالك بن أنس طويلاً، جسيماً، شديد البياض إلى الشُّقرة، عظيم الهامة، حسَن الصُّورة، أصلع، أعْيَن، أشمَّ، أزرق العينين.
  • وقال عيسى بن عمر المدني: ما رأيتُ بياضاً قطُّ أحسنَ من وجه مالك، وكان عظيم اللِّحية عريضها.
  • وقال قتيبة في “التذكرة”: “كنا إذا أتينا مالكاً؛ خرجَ إلينا مُزيَّناً مكحَّلاً مُطيَّباً”.
  • أما عن اعتنائه بلباسه؛ فقد كان أكثر ما يؤثر لنفسه من الألوان البياض الناصع، وقال خالد بن خِداش: رأيتُ على مالك طَيلَساناً طِرازياً، وقلنسوةً وثياباً مرويَّة جياداً.

شيوخ الإمام مالك بن أنس وتلاميذه:-

أخذ القراءة عرضاً عن نافع بن أبي نعيم.
وأخذ أيضاً عن: سعيد المَقْبُرِيِّ، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وابن المُنْكَدِرِ، وَالزُّهْرِيِّ، وعبد الله بن دينار، وغيرهم الكثير.

وروى عنه: أبو حنيفة، والأوزاعي، وشُعبَة بن الحجاج، وسفيان الثَّوري، وحمَّاد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم الكثير.

الروضة الشريفة بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة موطن الإمام مالك بن أنس في عام 1910م
الروضة الشريفة بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة في عام 1910 م – المكتبة الرقمية العالمية

مكانة الإمام مالك بن أنس العلمية:-

وطلب مالك العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو حي شاب طري، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور، وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد، وإلى أن مات.
وكان مالك إماماً في نقد الرجال، حافظاً، مجوداً، متقناً، وكان عالماً باختلاف الصحابة.

تعظيمه للنبي الكريم وطريقته في التحديث:-

تعظيمه للنبي صلى الله عليه وسلم:- كان لا يركب في المدينة مع ضعفه وكبر سِنِّه، ويقول: لا أركب في مدينة فيها جثة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفونة.

طريقته في التحديث:- كان مالك إذا أراد أن يحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرَّح لحيته، وتمكَّن في جلوسه بوقار وهيبة ثم حدَّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أُعظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أُحدِّث به إلا متمكناً على طهارة، وكان يكره أن يُحدِّث على الطريق أو قائماً أو مستعجلاً، ويقول: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مسلم تركستاني يقوم بالوضوء ، الصورة تعود للعام 1860م
مسلم تركستاني يقوم بالوضوء ، الصورة تعود للعام 1860 م – المكتبة الرقمية العالمية

جرأة الإمام مالك بن أنس على الحق:-

كان صلباً في دينه، بعيداً عن الأمراء والملوك، وجَّه إليه الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه، فقال: العلم يؤتى، فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار، فقال مالك: يا أمير المؤمنين من إجلال رسول الله إجلال العلم، فجلس بين يديه، فحدثه.

وسأل هارون الرشيد مالكاً -وهو في منزله، ومعه بنوه- أن يقرأ عليهم. قال: ما قرأت على أحد منذ زمان، وإنما يُقرَأ عليَّ. فقال: أخرج الناس حتى أقرأ أنا عليك. فقال: إذا مُنِعَ العامُّ لبعض الخاص، لم ينتفع الخاص. وأمر معن بن عيسى، فقرأ عليه.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال سفيان بن عُيَيْنة: “مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجة زمانه”.
  • قال الشافعي: “إذا ذكر العلماء فمالك النجم”.
  • قال عيسى بن عمر: “ما رأيت قط بياضاً، ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشدَّ بياضِ ثوبٍ من مالك”.
  • قال الذهبي: “لم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكاً في العلم، والفقه، والجلالة، والحفظ، فقد كان بها بعد الصحابة مثل سعيد بن المسيب، والفقهاء السبعة، والقاسم، وسالم، وعكرمة، ونافع، وطبقتهم، ثم زيد بن أسلم، وابن شهاب، وأبي الزِّنَاد، ويحيى بن سعيد، وصفوان بن سُلَيم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وطبقتهم، فلما تفانوا، اشتُهِرَ ذِكْر مالك بها، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن المَاجَشُوْنِ، وسليمان بن بلال، وفُلَيْح بن سليمان، والدَّرَاوَرْدِيِّ، وأقرانهم، فكان مالك هو المقدم فيهم على الإطلاق، والذي تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق”.
  • وقال الإمام النووي:” أجمعت طوائف العلماء على إمامة مالك، وجلالته، وعظيم سيادته، وتبجيله، وتوقيره، والإذعان له في الحفِظ، والتثبُّت وتعظيم حديث رسول الله صلوات الله وسلامع عليه”.
  • قال عبد الله بن المبارك في مالك بن أنس:

يأبَى الجَوابَ فمــا يَراجَـعُ هيْبــةً.. فالسَّائلونَ نـواكِــسُ الأْذقـــانِ

هدْيُ الوَقَـار وعِزُّ سُلطـانِ التُّقى.. فهُوَ المَهيبُ وليــسَ ذا سُلطانِ

وقال ابن المبارك في الإمام مالك أيضاً:

صَمُوتٌ إذا ما الصمْتُ زَيَّــنَ أَهلـهَ.. وفتَّاقُ أبكارِ الكَلام المختَّــمِ

وعَى ما وَعَـى القُرآنُ مِن كُـلِّ حِكمَةٍ.. وسِيطتْ له الآدابُ باللَّحمِ والدَّمِ

من أقوال الإمام مالك بن أنس:-

  • قال الإمام مالك بن أنس: “والله ما دخلت على ملك من هؤلاء الملوك، حتى أصل إليه، إلا نزع الله هيبته من صدري”.
  • قال: “أعلم أنه فساد عظيم أن يتكلم الإنسان بكل ما يسمع”.
  • قال الإمام مالك: أدركتُ جماعةً من أهل المدينة، ما أخذتُ عنهم شيئاً من العلم، وإنَّهم لَيؤخَذُ عنهم العلم، وكانوا أصنافاً؛ فمنهم من كان يكذب في حديث النَّاس، ولا يكذب في علمه، ومنهم من كان جاهلاً بما عنده، ومنهم من كان يُزَنُّ بري سوء، فتركتهم لذلك.

كتب الإمام مالك بن أنس:-

  1. الموطَّأ: سأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به، فصنف «الموطأ».
  2. الوعظ، رسالة.
  3. المسائل.
  4. الرد على القدرية، رسالة.
  5. النجوم.
  6. تفسير غريب القرآن.

الموطأ:-

لا يختلف أهل العلم على فضل الموطَّأ ومكانته بين الكُتُب، وقد اُختُلِفَ في عدد أحاديثه، فقد نُقِلَ عن سليمان بن بلال قوله: لقد وضع مالك الموطَّأ وفيه أربعة آلاف حديث، أو قال أكثر، فمات وهي ألف حديثٍ ونيِّف يخلصها عاماً عاماً بقدر ما يرى أنَّه أصلح للمسلمين وأمثل في الدِّين.

وقال الأبهري في هذا السِّياق: جُملة ما في الموطَّأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، وعن الصَّحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً، المُسنَد منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثاً، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين: مائتان وخمس وثمانون.

 ونظراً لمكانة مالك العلمية وشهرته بعالم المدينة في وقته؛ فقد تكاثر عليه الرُّواد للأخذ عنه وخاصَّة كتاب الموطَّأ، فقد أخذه عنه الجمُّ الغفير من العلماء.

  • قال القاضي عياض في هذا السِّياق: “لم يُعتَنَ بكتاب من كُتُب الحديث والعلم اعتناء النَّاس بالموطَّأ، فإنَّ الموافق والمخالف اجتمع على تقديره وفضله وروايته وتقديم حديثه وتصحيحه..”.
  •  كما قال فيه الإمام الشَّافعي: ما في الأرض، بعد كتاب الله، أكثر صواباً من موطأ مالك بن أنس.
  • وقال أيضاً: ما رأيتُ كتاباً أُلِّفَ في العلم أكثر صواباً من موطَّأ مالك.
  • وقال ابن عبد البر: الموطَّأ لا مثيل له ولا كتاب فوقه بعد كتاب الله تعالى عزَّ وجَل.
  • وقال الدَّهلوي: كتاب الموطَّأ أصحُّ كُتُب الفقه وأشهرها وأقدمها وأجمعها.

الدهلوي يتحدث عن الموطأ:-

قال إمام المحدِّثين في الهند، ولي الدين الدهلوي (1703-1762 م) صاحب “الحجة البالغة واصفاً “الموطأ”: ” كتاب الموطَّأ، أصحُّ الكُتُبِ وأشهرها وأقدمها وأجمعها، وقد اتفقَ السَّوادُ الأعظم من الملَّة المرحومة على العمل به، والاجتهاد في روايته ودرايته، والاعتناء لشرح مشكلاته ومُعضلاته، والاهتمام باستنباط معانيه، وتشييد مبانيه، وَمَنْ تتبَّع مذاهبهم، ورُزِقَ الإنصاف من نفسه؛ عَلِمَ لا محالة أنَّ الموطَّأ عُدَّة مذهب مالك وأساسه، وعُمدة مذهب الشَّافعي وأحمد ورأسه، ومِصباح مذهب أبي حنيفة وصاحبيْه ونبراسه، وهذه المذاهب بالنسبة للموطَّأ كالشروح للمتون، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون”.

وأضاف الدهلوي” وإنَّ النَّاسَ وإنْ كانوا من فتاوى مالك في ردٍّ وتسليم، وتنكيت وتقديم، ما صفا لهم المشرب، ولا تأتَّى لهم المذهب، إلَّا بما سعى في ترتيبه في الموطَّأ واجتهدَ في تهذيبه، لذلك قال الشَّافعي: ليسَ أحدٌ أمنَّ عليّ في دين الله من مالك، وعُلِمَ أيضاً أن الكُتُب المُصنَّفة في السُّنَنْ كـ(صحيح مسلم) و (سنن أبي داود)، وما يتعلَّق بالفِقه من (صحيح البُخاري) و (جامع الترمذي) مستخرجاتٌ على الموطَّأ، تحومُ حَوْمه، وتروم رومه، مطمح نظرهم منها ما وَصْل ما أرسله، ورَفع ما أوقفه، واستدراك ما فاته، وذكر المتابعات والشَّواهِد لما أسنده، وإحاطة جوانب الكلام بِذِكر ما رُوي خِلافه”.

وفاته:-

توفي في المدينة المنورة، في شهر ربيع الأول، سنة 179هـ.

اقرأ هنا كيف ترسخت المدرسة الفقهية المالكية في المغرب والأندلس؟

المصادر:

  • الأعلام (5/257).
  • سير أعلام النبلاء (8/48/رقم 10).
  • الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، عبد الغني الدِّقر.
  • كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، لأبي بكر بن العربي.
  • وفيات الأعيان (4/135/رقم 550).
  • محمد رجب البيومي، هارون الرشيد ، الخليفة العالم والفارس المجاهد.
  • العقد الفريد، ابن عبد ربه.
Image by OpenClipart-Vectors from Pixabay 
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق