أعلام

جلال الدين السيوطي .. الإمام الموسوعي والشخصية الفريدة

ابن العماد عن السيوطي: "كان آية كبرى في سرعة التأليف"

جلال الدين السيوطي:-

هو جلال الدين عبد الرحمن بن محمد السيوطي المولود في القاهرة عام 1445 ميلادية، وهو الشخصية الفريدة التي لم تترك ميدانا من ميادين المعرفة دون أن يتناولها ويعالجها بقلمه، ناهيك عن تداخله في بعض القضايا التي واكبها في عصره.

ينتمي الإمام جلال الدين السيوطي إلى أسرة تعود جذورها إلى شيخ من أهل الحقيقة والتصوف اسمه همام الدين الخضيري، نسبة إلى محلة الخضيرية في بغداد، بينما هو ذكر أنه أنصاري جعفري الأرومة وإن جده من أم شريفة النسب، بحسب ما جاء في معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري من إعداد يسري عبد الغني عبد الله.

وقدم الشيخ الذي ينتسب إليه الإمام السيوطي من بغداد إلى أسيوط وعاش في الأخيرة إبّان الدولة الأيوبية، حيث مكثت أسرته طويلا، لا بل استقرت في هذه المدينة الواقعة في صعيد مصر، لتخرّج رجالا نابهين في المجتمع الأسيوطي في العصور الوسطى، وقد استطاعوا تصدر أبرز الوظائف الإدارية في عصورهم.

الذهاب إلى القاهرة قصداً لطلب العلم:-

لكن والد الإمام جلال الدين السيوطي وهو أبو عبد الرحمن، لم يرد أن يقتفي أثر أسرته الذين امتهنوا الوظائف العامة مفضلا عليها طلب العلم والتعليم، ومن أجل ذلك، ركب راحلته مغادرا من أسيوط إلى القاهرة مقر العلماء والأدباء وذلك لينهل من معين معارفهم، فتولى درس الفقه بالجامع الشيخوني، وخطب بجامع ابن طولون، وألّف كثيراً في الفقه والنحو، لكنه توفيّ وهو في منتصف العقد الخامس من عمره وذلك سنة 1451 ميلادية، بينما عبد الرحمن في السادسة من العمر فقط.

وكانت والدة عبد الرحمن أم ولد تركية، أنجبته ووالده بالغ في السن مبلغ النضج، فاستقبل عبد الرحمن حياته وهو ناضج من يومه، على حد قول علماء الأجناس.

الاهتمام بالسيوطي بفضل نبوغه ووفاة والده مبكراً:-

كأنما توسم فيه والده شيئا من ذلك، إذ قرت به عيناه حين رزقه وهو على مشارف الخمسين، فعني بتعليمه أشد عناية، وحفظه جزءا كبيرا من القرآن الكريم، واصطحبه معه غير مرة إلى مجلس ابن حجر في الحديث.

وغدا عبد الرحمن محظوظاً كذلك في أوصيائه، فقد لحظوه برعايتهم ونظرهم، ونجحوا في تقريره على وظيفة الجامع الشيخوني بعد وفاة والده، ولذلك نشأ يتيماً ناعم البال، واستطاع أن يختم القرآن الكريم قبل أن يبلغ الثامنة من عمره، فدل بذلك على ذاكرة قوية واعية حافظة.

حفظ جلال الدين السيوطي القرآن الكريم منذ طفولته:-

ويقال إنه وصل في حفظ القرآن الكريم آنذاك إلى سورة التحريم وأكمله في سن الثامنة، ويبدأ السيوطي رحلة الدرس العلمي للفقه الشافعي على يد علم الدين البلقيني الذي لازمه حتى توفي الأخير، فلزم بعده الشيخ شرف الدين المناوي ودرس عليه علوم الدين واللغة العربية.

كما لازم الشيخ محيي الدين الكافيجي المتوفي عام عام 889 هجرية، وقرأ على الشيخ شمس الدين محمد بن موسى، صحيح مسلم إلا قليلاً والشفاء وغيرهما  ولازم تقي الدين الشمني الحنفي أربع سنوات، فدرس عليه الحديث واللغة العربية.

الإمام جلال الدين السيوطي حفظ القرآن الكريم مبكراً
الإمام جلال الدين السيوطي حفظ القرآن الكريم مبكراً

السيوطي حافظ وراوية وصاحب منزلة عالية في العلم:-

عني السيوطي عناية كبيرة بعلم الحديث دراية ورواية في مختلف ميادينه، واحتل منزلة عالية في هذا العلم بين أبناء عصره، لا بل كان أعلم أهل زمانه بالحديث رجالا ومتونا وفقهاً ولغة واستنباطاً للأحكام، كما أملى الحديث في شتى المجالس فأحياها بعد أن تهيّب منها محدثو عصره وأحجموا عنها، فكان حافظاً وإماماً في الحديث بعد ابن حجر العسقلاني.

تتلمذ الإمام جلال الدين السيوطي على يد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني
تتلمذ الإمام جلال الدين السيوطي على يد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني

ولو لم يكن له إلا كتابه جمع الجوامع لكفاه شرفا وفخراً لما فيه من جمع للسنة وتنسيقها، لن يعهد لأحد قبله من نظمه وشكله وإن كان مسبوقا بمجالات بذلت في جمع السنة.

طلب الإمام السيوطي العلم في الشرق والغرب:-

ارتحل السيوطي إلى الشرق والغرب لطلب العلم، فزار الشام واليمن والهند والمغرب وغيرها وبلاد تكرور، أما الحجاز؛ فقد تكررت رحلاته للديار المقدسة لتأدية الفريضة وطلب العلم والالتقاء بالمزيد من الشيوخ الأفاضل.
ولم يقتصر على أخذ العلم من الكتب بل أخذ من علماء عصره بالقراءة والإجازة والمكاتبة وغيرها، وعلل قلة شيوخه بانصرافه إلى الدراية.

الإمام جلال الدين السيوطي.. تقوى مع علم فائض:-

يفيض علمه ووفرة فضله وعميق تقواه وتنوع ثقافته ونفاسة تآليفه إذا لم يكن الإمام الذي ارتجاه لنفسه على رأس المائة التاسعة، فهو بلا شك إمام كبير من أئمة المسلمين، وعالم مرموق من علمائهم، سيظل اسمه خفاقا على مر السنين.

السيوطي جمع بين العلم والفقه والأدب والتديّن

سعة إطلاع الإمام السيوطي على المصنفات:-

وبذلك بلغ السيوطي منزلة رفيعة وجمعت لديه سائر صنوف الكتب والمؤلفات، فكان واسع الاطلاع حتى لقب بـابن الكتب، كما يقول صاحب كتاب شذرات الذهب، ويقال: إنه ورث عن أبيه مكتبة زاخرة بالمصنفات، وتردد كثيراً على المكتبة المحمودية، التي كانت أضخم مكتبة في القاهرة المملوكية حينذاك والتي كانت أرففها تضم أنفس الكتب.

السيوطي ظاهرة علمية أدبية:-

إن السيوطي ظاهرة علمية فكرية أدبية متميزة بين أقرانه من أعلام القرنين التاسع والعاشر الهجريين من حيث تنوع ثقافته وسخاء عطائه ووفرة كتبه ونفاسة محتواها، وفقا لما ورد في معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري من إعداد يسري عبد الغني عبد الله.
لم يكن طموح السيوطي دعوى بلا برهان، فقد ألّف وجادَ وهو صغير في السن، إذ ألّف كتابه التحبير في علوم التفسير وسنه ثلاثة وعشرون عاماً فقط.

قدرة هائلة على التأليف – المكتبة الرقمية العالمية

السيوطي أحد شوامخ العلم وأعجوبة من أعاجيب الزمان:-

والسيوطي قمة من شوامخ العلم والحفظ وتنوع الثقافة والاجادة في الكثير من الكتب، صاحب مؤلفات الدر المنثور والمزهر في اللغة وتاريخ الخلفاء والبدور السافرة في أحول الآخرة وغيرها من عشرات الكتب، ذلك الرجل الذي إذا وزعت كتبه على سني عمره لضاقتها رجل أغرق حياته كلها في التصنيف على صورة تعد من أعاجيب الزمان التي كان في عصره منها كابن حجر العسقلاني والعيني، وقبل عصره أمثلة لها كابن الجوزي وابن القيم.

من بين أبرز مؤلفات الإمام جلال الدين السيوطي:-

بدأ الإمام جلال الدين السيوطي مرحلة التدريس والتأليف في سن مبكرة (سنة 866 هجرية)، وهو في عمر السابعة عشرة فقط، وشهد له منافسوه بالسبق والتقدم، لدرجة أنه قال عن نفسه في حسن المحاضرة: لو شئت أن أكتب في كل مسألة ما قيل فيها من الخلاف وذكر الأدلة والقياس وغير ذلك لقدرت من فضل الله.

الكشف عن مجاوزة هذا الأمّة الألف – دار الكتب والوثائق القومية المصرية

إن عدد مؤلفات الامام جلال الدين السيوطي لم يسبقه إليه أحد، لقد عدَّ السيوطي في مقدمة كتابه حسن المحاضرة مؤلفاته، فبلغ عددها 300 كتاب في التفاسير والحديث والقراءات والفقه والتراجم والنحو والأدب، وقد بلغ بروكلمان بكتبه 415 كتاباً، وسجل له جميل العظم عددا ضخما من الكتب، ولكن إبن إياس أبلغ كتبه إلى 600 كتاب، ونذكر هنا بعض أبرز مؤلفات الإمام جلال الدين السيوطي:-

  1. الأزهار المتناثرة في شرح نظم الدرر في علم الأثر.
  2. بغية الرائد في الذيل على مجمع الزوائد.
  3. تدريب الراوي شرح تقريب النووي.
  4. التوشيح في مشكلات الجامع الصحيح.
  5. الدر النثير في تلخيص نهاية ابن كثير.
  6. لب الألباب في تحرير الأنساب.
  7. نظم العقيان في أعيان الأعيان.
  8. صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام.
  9. الروض الأنيق في فضل الصديق.
  10. العرف الوردي في أخبار المهدي.
  11. الغرر في فضائل عمر.
  12. ألفية السيوطي.
  13. الكاوي على تاريخ السخاوي.
  14. الابتهاج بنظم المنهاج.
  15. آداب الملوك.
  16. الأحاجي النحوية.
الإمام السيوطي صاحب عطاء غير مسبوق بين الفقهاء والمفكرين
الإمام السيوطي صاحب عطاء غير مسبوق بين الفقهاء والمفكرين

انتشار مؤلفاته في الأقطار:-

يقول الشوكاني: إن مولفات السيوطي إنتشرت في الأقطار، وسارت بها الركبان، ورفع الله له من الذكر الحسن والثناء الجميل ما لم يكن لأحد من معاصريه، والعاقبة للمتقين.
قال ابن العماد واصفاً السيوطي: “هو المسند المحقق المدقق صاحب المؤلفات الفائقة النافعة، وشهرتها تغني عن ذكره، وقد اشتهر أكثر مؤلفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف”.

الغيرة تدفع معاصريه ومنافسيه لمهاجمته:-

وقد هوجم جلال السيوطي من قبل علماء عصره ممن أثارتهم الغيرة من عطائه، والذي بهتوه بتهمة السطو على المكتبة المحمودية ونسبتها إلى نفسه بعد التصرف بها بالتقديم والتأخير.

ومن بين هؤلاء الذين هاجموا الإمام جلال الدين السيوطي: ابن الكركي والسخاوي والقسطلاني وابن الغليف، فرد عليهم ردا قويا في كتبه الكاوي على تاريخ السخاوي والجواب الزكي على قمامة ابن الكركي والقول المجمل في الرد على المهمل.

علماء عصره يثنون على عطائه:-

وفي المقابل؛ فقد حظي الإمام السيوطي بثناء كبير من علماء عصره وممن جاء من بعدهم، فقد قال عنه الشيخ عبد القادر الشاذلي: إنه كان مجبولا على الخصال الحميدة في العلم والعمل لا يتردد إلى أحد من الأمراء والملوك ولا غيرهم مدة حياته، وإنما كان يظهر كل ما أنعم الله عليه به من العلوم والأخلاق، ولا يكتم منها إلا ما أمر بكتمه، وقد امتحن الشيخ كثيرا، وما سمع يوماً يدعو على من آذاه من الحسدة، ولا يقابله بسوء.

تناول المؤرخ جلال الدين السيوطي تاريخ الفاطميين والأيوبيين:-

بالنسبة لمؤلفات الإمام جلال الدين السيوطي التاريخية؛ فقد كتب حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة والذي تناول فيه ذكر اسم مصر بالقرآن الكريم وما فعله المسلمون فيها منذ فتحها، وأبرز شخوصها وعلمائها ، وتناول أخبارهم أيام الفاطميين، وتاريخ الدولتين والفاطمية والأيوبية وخلاف ذلك.

المصادر:

  • معجم المؤرخين المسلمين حتى القرن الثاني عشر الهجري من اعداد يسري عبد الغني عبد الله، دار الكتب العملية بيروت.
  • مكتبة الكونغرس الأميركية
  • متحف الميتروبوليتان
  • Image by Stefania Buzatu from Pixabay

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى