أعلام

الإمام الشافعي .. لو جُمِعت أمّة لوسعهم عقله

قال الـمُبرِّد: "كان الشافعيّ أشعر الناس، وآدبهم، وأعرفهم بالفقه والقراءات"

اسمه ونشأته:-

الإمام الشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب، أبو عبد الله القرشي الْمُطَّلبي الشافعي، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب الشافعية، وُلِدَ في غزَّة الفلسطينية سنة 150هـ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة.
مات أبوه إدريس شاباً، فنشأ الشافعي يتيماً في حِجْر أمه، فخافت عليه الضَّيْعَةَ، فتحولت به إلى مَحْتِدِهِ وهو ابن عامين، فنشأ بمكة، وأقبل على الرمي، حتى فاق فيه الأقران، وصار يصيب من عشرة أسهم تسعة، ثم أقبل على العربية والشرع، فبرع في ذلك.

قال الشافعي: “كنت يتيماً في حِجْر أمي، ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب، وأخفف عنه”.

رؤية أمه:- لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشتري خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، فتأوله أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان.

مكانة الإمام الشافعي العلمية:-

نشأ بمكة، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وحفظ «الموطأ» ل الإمام مالك بن أنس وهو ابن عشر سنين، وتفقه على مسلم بن خالد الزَّنْجِيِّ مفتي مكة، وأذن له في الإفتاء وعمره خمس عشرة سنة.
ثم لازم مالك بن أنس بالمدينة المنورة، وقدم بغداد سنة 195هـ، فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه، وأقام بها حولين، وصنف بها كتابه القديم، ثم عاد إلى مكة، ثم خرج إلى بغداد سنة 198هـ فأقام بها شهراً.
ثم خرج إلى مصر، وصنَّف بها كتبه الجديدة؛ مثل «الأم»، وقد صنف الشافعي نحواً من مائتي جزء.

لقد برع الإمام الشافعي أولاً في الشعر واللغة وأيام العرب، ثم أقبل على الفقه والحديث، وأفتى وهو ابن عشرين سنة، وكان ذكيا مفرطاً، وهو أول من صنف في أصول الفقه بالإجماع حيث ألَّف فيه كتاب «الرسالة»، وهو أول من قرر ناسخ الحديث من منسوخه، وأول من صنف في أبواب كثيرة الفقه معروفة.
وكان مع جلالة قدره شاعراً كبيراً، له ديوان شعر مليء بالحكم والمواعظ، فمن شعره الرائق الفائق قوله:-

دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ
                   وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي
                   فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً
                   وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ
تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ
                   يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ
وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلّاً
                   فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ
وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ
                    فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ
وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي
                   وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ
إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ
                   فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ
وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ الـمَنايا
                   فَلا أَرضٌ تَقيهِ وَلا سَماءُ

من أقوال الإمام الشافعي:-

  • قال: “ما شيء أبغض إليَّ من الرأي وأهله”.
  • قال: “سميت ببغداد ناصر الحديث”.
  • قال: “ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الله الحق على يديه”.
  • وكان يقول لأحمد بن حنبل: “يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شامياً كان أو كوفياً أو بصرياً”.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال الـمُزْني: “ما رأيت أحسن وجهاً من الشافعي، إذا قبض على لحيته لا يفضل عن قبضته”.
  • قال الزعفراني: “كان خفيف العارضين يخضب بالحناء. وكان حاذقاً بالرمي يصيب تسعة من العشرة”.
  • قال يونس بن عبد الأعلى: “لو جمعت أمة لوسعهم عقل الشافعي”.
  • قال إسحاق بن رَاهَوَيْه: “لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله. قال: فأقامني على الشافعي”.
  • قال الإمام أحمد: “إن الله تعالى يُقيِّضُ للناس في كل رأس مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي”.
  • قال الإمام أحمد أيضاً: “كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، فهل ترى لهذين من خلف، أو عنهما من عوض”.
  • قال عنه ابن حجر العسقلاني في “التحفة”: “هو إمام الأئمة علماً وعملاً، وورعاً وزُهداً، ومعرفةً وذكاءً وحفظاً ونسباً، وقد اجتَمَعَ لهُ من تلك الأنواع وكثرة الأتباع، وتقدَّمَ مذهبه في الحرمين والأرض المقدَّسة ما لم يجتمع لغيره..”.
  • قال الربيع: “كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة، وكان يحيي الليل إلى أن مات”.
  • قال الـمُبرِّد: “كان الشافعيّ أشعر الناس، وآدبهم، وأعرفهم بالفقه والقراءات”.
  • وقال النبهاني في كتابه “الكرامات” واصفاً الشَّافعي: “إمام أئمة المجتهدين، وقُدوة العلماء العاملين وأوحد أكابر الأولياء العارفين، وأحد أركان هذا الدِّين المبين، وهو عالِك قُريش الذي ملأ الأرض عِلماً الوارد في الحديث الشَّريف”.

من نوادر الإمام الشافعي:-

صحِبَ الإمام الشَّافعي قوماً في سفره، فكان يجاريهم على أخلاقهم، ويُخالطهم في أحوالهِم، وهم لا يعرفونه، فلمَّا دَخَل مِصر حَضَروا الجامع، فوجدوه يُفتي في حلالِ الله وحرامِه، ويَقضي في شرائعِهِ وأحكامه، والنَّاسُ مُطرقون لإجلاله، فرآهم فاستدعاهُم، فلمَّا انصرفوا سُئِلَ عنهُم، فأنشَد:

وأنزلني طُـــــولُ النَّـــــوى دارَ غُرْبــَةٍ .. إذا شئتُ لاقيـــــــــتُ امرءاً لا أُشاكِلُهْ

أُحـامِقُـــهُ حتَّى يُقـــــــال ســجيَّــــة .. ولو كانَ ذا عقلٍ لُكنتُ أُعــــــــــاقِلُهُ

مختارات من شعر الإمام الشَّافعي

كتب الإمام الشافعي:-

  1. الأم: في الفقه، جمعه البويطي، وبوَّبه الربيع بن سليمان.
  2. المسند، في الحديث.
  3. أحكام القرآن.
  4. السنن.
  5. اختلاف الحديث.
  6. السبق والرمي.
  7. فضائل قريش.
  8. أدب القاضي.
  9. المواريث.
  10. الأمالي الكبرى.
  11. الإملاء الصغير.
  12. مختصر البويطي.
  13. مختصر المزني.
  14. مختصر الربيع.
  15. الرسالة: في أصول الفقه. قال أبو ثور: “كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن، ويجمع مقبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب «الرسالة»”.
الإمام الشافعي .. ظاهرة عصره

وفاته:-

لم يزل الإمام الشافعي بمصر ناشراً للعلم، ملازماً للاشتغال بجامع عمرو إلى أن أصابته ضربة شديدة، فمرض بسببها أياماً، ثم توفي يوم الجمعة، في شهر رجب سنة 204هـ، وقد عاش 54 سنة.

وأورد النبهاني في كتابه “الكرامات” رواية  نُقِلت عمن شهدت وفاة الشَّافعي.

وقال النبهاني: ” من كراماته: أنَّهُ لمَّا اُحتُضِرَ ؛ دخَلَ عليه أصحابه، فقال: أمَّا أنت يا أبا يعقوب فتموت في قيودك، وأمَّا أنت يا مزني فيكونُ لَك في مِصر هنَّات وهنَّات، وأنتَ يا عبد الحَكَم؛ ترجع إلى مَذهب أبيك، وأنتَ يا ربيع أنفعهم ليَ في نَشرِ الكُتُب، قُم يا أبا يعقوب فتَسلَّم الحَلَقة، فكان كَما قال رحمه الله تعالى”.

المصادر:-

  • الأعلام (6/26).
  • سير أعلام النبلاء (10/5/رقم 1).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/19).
  • العبر في خبر من غبر (1/269).
  • جمع الجواهر في المِلَح والنَّوادر لأبي إسحاق الحصري القيرواني.
  • جامع كرامات الأولياء للنبهاني، تحقيق إبراهيم عطوه.
الوسوم

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق