أعلام

الإمام أحمد بن حنبل .. لم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع

حضر جنازته من الرجال ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً

اسمه ونشأته:-

الإمام أحمد بن محمد بن حنبل هو أبو عبد الله الذُّهْلِيُّ الشَّيْبَانِيُّ المَرْوَزِيُّ البغدادي، إمام المذهب الحنبلي، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب الحنابلة.

قال ابن خلكان في هذا الصَّدَد: خَرَجَت أمّهُ من مَرْوَ (فارس) وهي حاملٌ به، فولدته في بغداد، في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وقيل: إنَّه وُلِدَ بمرو وحُمِلَ إلى بغداد وهو رضيع.
كان أبوه جندياً فمات شاباً، طلب أحمد العلم في سنة 179هـ، فتولت أمره أمه الشيبانية أيضاً، واسمها صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني، من بني عامر، كان أبوه نَزَلَ بهِم وتزوَّج بها، وقد كان عبد الملك بن سواد بن هند الشيباني من وجوه بني عامر، وكان ينزل بهم قبائل العرب فيضيفهم.

صفاته:-

كان شيخاً أسمرَ، مديدَ القامة، حسنَ الوجه، رِبْعَةً، يُخضِّبُ بالحِنَاء خِضَاباً ليس بالقاني، في لحيته شعرات سود، عليه سكينة ووقار، ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع.

وفي هذا السياق؛ قال حجَّاج بن شاعر: ما رأت عيناي رُوحاً في جَسَدٍ أفضل من أحمد بن حنبل.

شيوخ الإمام أحمد بن حنبل وتلاميذه:-

سمع من: هُشَيم بن بشير، وسفيان بن عُيَيْنَة، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وإبراهيم بن سعد، ووكيع بن الجرَّاح، وغيرهم.

وروى عنه: عبد الرزاق بن همَّام، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم.

مكانة الإمام أحمد بن حنبل العلمية:-

نشأ منكبّاً على طلب العلم، وسافر في سبيله أسفاراً كبيرة إلى الكوفة، والبصرة، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة، واليمن، والشام، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.

المسجد الحرام في مكة المكرمة - الصورة تعود إلى العام 1910م
المسجد الحرام في مكة المكرمة – الصورة تعود إلى العام 1910 م

طلب الحديث سنة 179هـ، وكان من أعلام الدين، إماماً في الحديث وضروبه، إماماً في الفقه ودقائقه، إماماً في السنة وطرائقها، إماماً في الورع وغوامضه، إماماً في الزهد حقائقه.

وكان إمام المحدثين، صنف كتابه «المسند»، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهما وخواصه، ولم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، وقال في حقه: خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل.

محنة القول بخلق القرآن:-

وفي أيامه دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن، ومات قبل أن يناظر ابن حنبل، وتولى المعتصم، فدُعِيَ في أيامه إلى القول بخلق القرآن، فقال أحمد بن حنبل: أنا رجل علمت علماً ولم أعلم فيه بهذا، فأحضر له الفقهاء والقضاة فناظروه، فلم يجب، فضُرِبَ وحُبِسَ وهو مُصِرٌّ على الامتناع.

المأمون بن هارون الرشيد
المأمون بن هارون الرشيد

وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة 220هـ، وكانت مدة حبسه إلى أن خلي عنه ثمانية وعشرين شهراً، وبقي إلى أن مات المعتصم، فلما ولي الواثق منعه من الخروج من داره إلى أن أخرجه المتوكل، الذي أكرم الإمام ابن حنبل وقدَّمه، ورفع المحنة في خلق القرآن، ومكث مدة لا يولي أحداً إلَّا بمشورته، وتوفي الإمام وهو على تقدُّمه عند المتوكل.

أقوال العلماء فيه:-

  • قال إبراهيم الحربي: “رأيت أحمد بن حنبل، كأن الله عز وجل جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما شاء ويمسك ما شاء”.
  • وقال قتيبة بن سعيد: “لو أدرك أحمد بن حنبل عصر الثَّورِيِّ، والأوزاعي، ومالك، والليث بن سعد، لكان هو الـمُقدَّم”.
  • وقال عبد الرزاق بن همَّام: “ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل”.
  • قال الـمُزْني: قال لي الشافعي: “رأيت ببغداد شاباً، إذا قال: حدَّثنا، قال الناس كلهم: صدق. قلت: ومن هو؟ قال: أحمد بن حنبل”.
  • قال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد على حديثٍ، لا أُبالي من خالفني.
  • قال ابن المَدِيْنِيِّ: “أعز الله الدين بِالصِّدِّيْقِ يوم الرِّدَّة، وبأحمد يوم المحنة”.
  • قال النَّسائي: جَمَعَ أحمد المعرفة بالحديث والفقه، والوَرَع والزُّهْد والصَّبْر.
  • قال أبو عبيد:  انتهى العلم إلى أربعة، أفقههم أحمد، ثم قال: لستُ أعلمُ في الإسلام مثله.
  • قال يحيى بن معين: والله ما تحتَ أديم السَّماء أفقهُ من أحمد بن حنبل، ليس في شرقٍ ولا غربٍ مثله.
  • قال الحافظ الذَّهبي عنه: “عَلَم العَصْر، وزاهد الوقت، ومُحدِّث الدُّنيا، ومفتي العراق، وعَلَم السُّنَّة، وباذل نفسه في المحنة، وقلَّ أن ترى العيون مثله، كأن رأساً في العلم والعمل، والتمسُّكِ بالأثر، ذا عقلٍ رزين، وصدقٍ متين، وإخلاصِ مكين، وخشية ومراقبة العزيز العليم، وذكاء وفطنة، وحِفظٍ وفِهْم، وسعةَ علمٍ، هو أَجَلُّ من أن يُمدَح بكلمي، وأن أفوه بذكره بفمي”.
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

كتب الإمام أحمد بن حنبل:-

  1. المسند، يحتوي على أكثر من ثلاثين ألف حديث.
  2. الناسخ والمنسوخ.
  3. الرد على الزنادقة فيما ادعت به من متشابه القرآن.
  4. التفسير.
  5. فضائل الصحابة.
  6. المناسك.
  7. الزهد.
  8. الأشربة.
  9. المسائل.
  10. العلل والرجال.

“إذا جاء الحديث في فضائل الأعمال، وثوابها، وترغيبها، تساهلنا في إسناده، وإذا جاء الحديث في الحدود، والكفارات، والفرائض، تشددنا فيه”.

أحمد بن حنبل.

مسند الإمام أحمد بن حنبل:-

  • ذكر أبو عبد الله الحسين بن بن أحمد الأسدي أنه سمعَ أبا بكر بن مالك يذكر أن جملة ما وعاه مسند الإمام أحمد بن حنبل، أربعون ألف حديث غير ثلاثين أو أربعين.
  • وقد اشتمل المسند على نحو ثمانمائة من الصحابة، وأما شيوخه الذين روى عنهم في المسند، فبلغوا 283 رجلاً.
  • قال عثمان بن السَّباك: حدثنا حنبل قال: جمَعَنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفاً (750 ألفاً)، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه وإِلَّا فليس بحُجَّة.
  • شرع الإمام أحمد في جمع هذا المسند، فكتبه في أوراق مفردة، وفرَّقه في أجزاء منفردة، على نحو ما تكون المسودَّة، لكت الوفاة عاجلته قبل تحقيق أمنيته بتنقيحه وتهذيبه، فيقي على حاله، وقبل ذلك كان قد بادر بإسماعه لأولاده وأهل بيته، ثم أنَّ نجله عبد الله ألحق به ما يُشاكله، وضمَّ إليه مسموعاته وما يشابهه ويضاهيه.
  • قال عبد الله بن أحمد حنبل لأبيه: لِمَ كَرِهْتَ وضع الكُتُب وقد عملتَ المسند؟، قال: عملتُ هذا الكِتاب إماماً، إذا اختلفَ النَّاسُ في سنةٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ رُجِعَ إليه.
  • وقال الإمام الحافظ أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: وهذا الكتاب (المُسند) أصلٌ كبير، ومرجعٌ وثيق لأصحاب الحديث، انتُقِيَ من حديث كثيرٍ ومسموعاتٍ وافرة، فجعله إماماً ومعتمداً، وعند التَّنازُع ملجأً ومستنداً.
  • قال الإمام العالم شيخ الفقهاء شمس الدِّين محمد بن عبد الرَّحمن الخطيب الشَّافعي: سأل الإمام الحافظ أبو الحُسين علي بن الشَّيخ؛ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني: أنتَ تحفظ الكُتُب السِّتة؟، فقال: أحفظها وما أحفظها!، فقيل له: وكيف هذا؟، فقال: أنا أحفظ مسند أحمد، وما يفوتُ المسند من الكُتُب السِّتة إلَّا قليل.

لاحَظَ بعض المستشرقينَ أنَّ مُسنَد أحمد تتجَلَّى فيه الشَّجَاعة وعدم الخَوْف من العباسيين، بذكره أحاديثَ في مناقِب بني أُميَّة مما كانت مُنتَشِرَة بين الشَّاميين، وكانَ على العكس من ذلكَ البُخاري ومُسلِم، فإنَّهُمَا لم يذاكِرَها مُداراةً للعباسيين، كَمَا أنَّ مُسنَد أحمد لم يتحرَّج من ذِكْرِ أحاديثٍ كثيرةٍ في مناقِب عليٍّ وشيعته.

— أحمد أمين، “ضُحَى الإسلام”.

وفاته:-

توفي في بغداد، يوم الجمعة، 12 ربيع الأول، سنة 241هـ، ودُفِنَ بمقبرة باب حرب، وقد حضر جنازته من الرجال ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفاً، وأسلم يوم موته عشرون ألفاً من اليهود، والنصارى، والمجوس.

صورة لمدينة بغداد التي عاش فيها أحمد بن حنبل أغلب فترات حياته ( الصورة تعود للعام 1932م)
بغداد التي عاش فيها ابن حنبل أغلب فترات حياته ( الصورة تعود للعام 1932 م)

تعرف أيضاً على المكتبة الظاهرية .. الأقدم من نوعها في بلاد الشام

المصادر:

  • الأعلام (1/303).
  • المسند للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق: أحمد شاكر.
  • سير أعلام النبلاء (11/177/رقم 78).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (3/185).
  • العبر في خبر من غبر (1/342).
  • وفيات الأعيان (1/63/رقم 20).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى