أعلام

أبو عبد الله الشريف التلمساني .. إمام المالكية في عصره

قصد تونس، فدرس فيها كتاب الشفا لابن سينا، وتلخيص كتاب أرسطو لابن رشد والحساب والهندسة والهيئة والفرائض

أبو عبد الله الشريف التلمساني:-

أبو عبد الله الشريف التلمساني عالم جليل من كبار فقهاء المالكية في تلمسان خاصةً والمغرب عامة، قال عنه ابن مرزوق: “هو شيخ شيوخنا، أعلم أهل عصره بإجماع”.

هو محمد بن أحمد بن علي بن يحيى الإدريسي الحسني، أبو عبد الله العلوني وذلك نسبة إلى قرية “العلوين” من أعمال تِلمسان المعروف بالشريف التلمساني (710- 771هـ/ 1310- 1370م) .

مولده ونشأته:-

نشأ بتلمسان وأخذ العلم عن مشايخها الكبار من أمثال أولاد الإمام الذين أخذ عنهما الفقه والأصول والكلام، والآبلي الذي لازمه إلى غاية وفاته، فأخذ عنه الكثير ومن علمه الغزير، كما تعلم أيضا على ابن النجار، وعمران المشذالي، وغيرهم من كبار علماء تلمسان في عصره.

نشأ الإمام أبو عبد الله الشريف التلمساني في مدينة تلمسان - المغرب
نشأ الإمام أبو عبد الله الشريف التلمساني في مدينة تلمسان – المغرب

مكانته العلمية:-

كان الإمام أبو عبد الله الشريف من كبار فقهاء المالكية وشيوخهم ليس في تلمسان فقط وإنما في بلاد المغرب الإسلامي عامة، فضلا عن كونه عالم متمرس في القراءات وإمام في الحديث والفقه وأصول الدين، كان من مجتهدي أئمة المذهب المالكي، فسر القرآن لمدة 25 سنة بحضرة كبار العلماء والصلحاء والملوك، ودرّس المدونة حتى وفاته.

كان شيخ علماء الأندلس أبو سعيد بن لب كلما استعصت عليه مسألة فقهية كاتب الإمام الشريف التلمساني يسأله عنها، كما كان لسان الدين بن الخطيب كلما ألف كتابا إلا وأرسله للإمام يعرضه عليه، أما في فاس؛ فقد كان الفقيه الكبير موسى العبدوسي شيخ فقهاء فاس في عصره يقيد كل فتوى تصدر عن أبي عبد الله الشريف التلمساني رغم أنه يكبره سنا.

رحلته العلمية:-

كان أبو عبد الله الشريف التلمساني شغوفا بطلب العلم منذ الصغر، يذكر ابن مريم في كتابه “البستان” حادثة طريفة تظهر مدى ولعه بالعلم: فقد كان خاله عبد الكريم وهو من وجهاء المدينة يحبه كثيرا لما يظهر عليه من نجابة واجتهاد، فحرص على اصطحابه إلى مجالس العلم على صغر سنه، وفي إحدى المرات وهو في مجلس العالم الجليل “أبي زيد ابن الإمام” وبينما كان الشيخ يفسر القرآن ويتحدث عن الجنة ونعميها، سأله أبو عبد الله الشريف: “هل قرأ فيها العلم” فأجابه الشيخ: “نعم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين” فقال: “لو قلت لي لا علم فيها لقلت لك لا لذة فيها”، فاستحسنه الشيخ ودعا له بسعة العلم وهو ما كان فعلا.

المراجع الفلسفية:.

لما شب أبا عبد الله الشريف؛ عزم على الاستزادة في طلب العلم، فارتحل عام 740هـ قاصدا تونس، فدرس فيها على يد ابن عبد السلام التونسي، وقرأ عنه كتاب الشفا لابن سينا، وتلخيص كتاب أرسطو لابن رشد والحساب والهندسة والهيئة والفرائض.
وبعدها قصد فاس وتتلمذ فيها على العالم السطي الذي درس عليه الموطأ والصحيحين. وهكذا أصبح أبو عبد الله الشريف التلمساني عالما جليلا تشرب من شتى أصناف العلوم وتضلع فيها، وعاد إلى تلمسان بعد هذه الرحلة العلمية، واستقر فيها وتفرغ للتدريس “فملأ المغرب معارف وتلاميذ” كما يقول ابن مريم في البستان.

الشريف التلمساني في فاس:-

في عام 753هـ ؛ قام السلطان المريني أبو عنان الفاسي بالاستيلاء على تلمسان، وهناك لقي الشريف التلمساني واختاره لمجلسه العلمي مع نخبة من علماء تلمسان وغادر بهم إلى فاس، فأقام بها حوالي ثلاث سنوات، ورغم أنه كان في المجلس العلمي للسلطان ومحاطاً بعلماء المدينة ووجهاءها إلا أنه أحس بالغربة هناك واشتكى منها كثيرا، الأمر الذي جعل السلطان أبو عنان يرتاب منه.
وما زاد في ريبة السلطان منه؛ هو لما علم أن السلطان الزياني عثمان بن عبد الرحمن أوصاه على أولاده وأودع له المال عند بعض الأعيان من أهل تلمسان، انزعج السلطان أبو عنان من ذلك وقام باعتقال الشريف التلمساني لعدة أشهر، ثم أطلقه بعدها، ولكن لم يسمح له بمغادرة فاس إلى أن توفي السلطان عام 759هـ.

مدينة فاس الشهيرة تاريخياً وسياحياً
مدينة فاس الشهيرة تاريخياً وسياحياً

عودته إلى تلمسان:-

عاد أبو عبد الله الشريف إلى تلمسان على خلفية استدعاء السلطان أبو حمو بن يوسف بن عبد الرحمن له، بعدما تمكن من أخذ تلمسان من بني مرين، وهناك استقبله السلطان وزوجته بحفاوة وزوجه إحدى بناته، بل وأكرمه أكثر بأن بنى له مدرسة وظل يدرّس بها إلى أن وافته المنية عام 771هـ، وحزن السلطان كثيرا لموته وقال لابنه: “إنما مات أبوك لأني أباهي به الملوك”.

كتب الشريف التلمساني:-

كان أبو عبد الله الشريف التلمساني قليل التأليف لأنه تفرغ للتدريس أكثر، إلا أنه ترك مؤلفات قيمة، فله: “مفتاح الأصول في بناء الفروع على الأصول” و”شرح جمل الخونجي” في المنطق و”كتاب” في القضاء والقدر بالإضافة إلى “فتاوى” في مسائل علمية مختلفة.

أبوعبد الله الشريف التلمساني ينتمي للمدينة التي أنجبت عدداً كبيراً من العلماء

تعرف أكثر على فاس .. مدينة الأسواق والتجارة عبر التاريخ

المصادر:

• كفاية المحتاج، ج2،
• البستان، لابن مريم
• التعريف بابن خلدون،
• تلمسان في العهد الزياني، عبد العزيز فيلالي

خليصة

خليصة داود، جزائرية، طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الجزائر. مهتمة بالكتابة في التاريخ وخاصة الإسلامي منه، إلى جانب البحث في قضايا البلاد العربية وجذورها التاريخية والتعريف بالموروث الثقافي والحضاري الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى