أعلامانفوجرافيكس

الإمام أبو شامة المقدسي .. المُقرئ المُحدث الفقيـه

حينما بلغ العاشرة من العمر فاجأ أباه بقوله : "قد ختمت القرآن حفظاً"

من هو الإمام أبو شامة المقدسي ؟

عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد المقدسي الشافعي، المٌقرئ، المحدث، الفقيه، المفسر، الأصولي، المؤرخ، النحوي، المعروف بأبي شامة، لأنه كان به شامة فوق حاجبه الأيسر، وكان يلقب بـ شهاب الدين ويُكّنى بأبي القاسم محمد، ولد الإمام أبو شامة المقدسي في الثالث والعشرين من ربيع الثاني سنة 599هـ، الموافق للعاشر من شهر كانون الثاني (يناير) من العام 1203م، في حي بسيط من أحياء مدينة دمشق يعرف بدرب الفواخير، في كَنَفِ أسرة متواضعة لا تكاد تتميز بتفوق خاص في الحياة العلمية أو السياسية، كما لم تترك لنا كتب التراجم عنها شيئا ذا أهمية.

أحد أحياء مدينة دمشق الفيحاء التي ينتمي إليها الفقيه أبو شامة
أحد أحياء مدينة دمشق الفيحاء التي ينتمي إليها الفقيه أبو شامة

وكل ما نعرفه عن هذه الأسرة، عن طريق أبي شامة نفسه، بأن مؤسس هذه الأسرة هو أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي القاسم علي الطوسي، المقرئ الصوفي، إمام صخرة بيت المقدس، قتل على يد الصليبيين، بعد احتلالهم القدس سنة 492هـ/1099م وأصبح من الشهداء الذين تزار قبورهم.

بوابة دمشق - إحدى بوابات المسجد الأقصى الشريف في القدس وذلك في العام 1915 م
بوابة دمشق – إحدى بوابات المسجد الأقصى الشريف في القدس وذلك في العام 1915 م

حب الإمام أبو شامة للعلم والمعرفــة:-

عندما بلغ الإمام أبو شامة المقدسي العاشرة من العمر فاجأ أباه بقوله : قد ختمت القرآن حفظاً ، فتعجب أبوه من ذلك، كما كان يتعجب من ولع أبي شامة بالتردد على المكتبة وسعيه في طلب العلم وحرصه على القراءة على خلاف المعروف من عادة الصبيان، ثم لم يلبث أبو شامة أن بدأ دراسة القراءات السبع، والفقه، والعربية، والحديث، وبعد أن أتقن هذه الدراسات وفرغ منها، رأى أن يصرف بعض عمره إلى الدراسة التاريخية حتى يستكمل ثقافته الدينية.

فقام علامتنا بعدة رحلات طلبا للعلم، وزيارة البيت الحرام بدءاً من سنة 921 هـ حتى نهاية سنة 929 هـ، حيث لزم الإقامة بدمشق عاكفا على ما هو بصدده من الاشتغال بالعلم وجمعه في مؤلفاته، والقيام بفتاوى الأحكام وغيرها.

ومن ثم صرف العلامة أبو شامة بعض غمره في دراسة التاريخ والكتابة والتأليف فيه، فقال في مقدمة كتابه “الروضتين”: “بعد أن صرف جل عمري ومعظم فكري في اقتباس الفوائد الشرعية، واقتناص الفوائد الأدبية، عنّ لي أن أصرفَ إلى علم التاريخ بعضَه، فأحوز بذلك سنة العلم وفرضه؛ اقتداء بسيرة من مضى، من كل عالم مرتضى”.

وقد عُرف ابو شامه بإلقائه للدروس والمحاضرات في أكبر مدارس البلاد وأكثرها شهرة، إذ شاع عن دمشق أنها دار قرآن وحديث وفقه، فكان فيها مدارس للقرآن والحديث، والمذاهب الفقهية الأربعة، وسائر العلوم والفنون. فكان علّامتنا من كبار المدرسين بهذه المدارس في عصره.

مؤلفات العلامة أبو شامة:-

لقد كَتَبَ الإمام أبو شامة المقدسي في كثير ٍمن العلوم وأتقن الفقه، ودرَّس، وأفتى، وبَرَع في العربية، وصنَّف شروحا عديدة في مجال الفقه والشريعة، واختصر كتبا جليلة، نذكر من هذه المؤلفات ما يلي:-

كتاب إبراز المعاني أحد أشهر مؤلفات الإمام أبو شامة المقدسي
كتاب إبراز المعاني أحد أشهر مؤلفات الإمام أبو شامة المقدسي
  • الروضتين في أخبار الدولتين الصلاحية والنورية.
  • مختصر تاريخ ابن عساكر.
  • الباعث على إنكار البدع والحوادث.
  • إبراز المعاني “في شرح الشاطبية“.
  • المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز.
  • الوصول في الاَصول.
  • مفردات القراء.
  • كتاب كشف حال بني عبيد.
  • شرح القصائد النبوية للسخاوي.
  • شرح الحديث المقتفي في بعث المصطفى.
  • ضوء القمر الساري إلى معرفة الباري.

أخلاق الإمام أبو شامة وأقوال العلماء فيـه:-

كذلك ذكر الإمام أبو شامة المقدسي في عامّة الكتب التي تَرجمت له، مضيفة نبذة من صفاته الحميدة، وأخلاقه الحسنة، مبرزة جملة من عبارات الثناء والمدح؛ اعترافا منهم برسوخه في شتى العلوم، وتحليه بأخلاق العلماء مما يجعله من الأئمة موضع الأسوة والاقتداء.

فقال فيه جمال الدين الإسنوي (704 – 772 هجرية) في طبقات الشافعية: “كان عالما راسخا في العلم، مقرئاً، محدثاً، نحوياً، يكتب الخط المليح المتقن، وفيه تواضع واطراحٌ كثير جداً”.

الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع، إن الإمام الثقة المتقن برع بعلم الحديث، علم الجَرح والتعديل، وعلم القراءات والتاريخ، وصنَّف فيها جميعاً
الإمام شمس الدين الذهبي مؤرخ الإسلام والناقد البارع

كذلك قال عنه الإمام الذهبي (673- 748 هجري) في سير أعلام النبلاء : “وكان مع براعته في العلوم، متواضعا تاركا للتكلف، ثقةً في الثقل”، وقال عنه أيضا “كان محبا للعزلة والانفراد، غير مؤثر التردد إلى أبواب أهل الدنيا، متجنّباً المزاحمة على المناصب، لا يؤثر على العافية والكفاية شيئاً”.

محنة الإمام أبو شامة المقدسي قبل وفاتــه:-

اتفقت أكثر المصادر التي ترجمت للإمام أبي شامة أنه قد وقعت له محنة عظيمة في جمادى الثانية من سنة 665هـ، حيث جاءه رجلان جبليّان إلى بيته خارج دمشق، فدخلا عليه في صورة صاحب فُتيا، فضرباه ضربا مبرحا كاد أن يتلف منه، وراحا ولم يَدر به أحد، ولا أغاثه أحد.

وقد سطر العلامة أبو شامة هذه المحنة في كتابه “المذيل”، فقال : ” وفي سابع جمادى الآخرة سنة 655هـ، جرتْ لي محنة بداري بطواحين الأشنان، فألهم الله تعالى الصبر، وفعل الله تعالى فيها من اللطف، ما لا يُقدر على التعبير عنه بوصف، وكان قيل لي: قم واجتمع بولاة الأمر، فقلت: أنا قد فوّضت أمري إلى الله، فما أغيّر ما عقدتُه مع الله تعالى، وهو يكفينا سبحانه”.

توفي الإمام أبو شامة المقدسي إثر ذلك الحادث، في ليلة التاسع عشر من رمضان من نفس السنة، أي بعد شهرين ونصف من الحادثة المذكورة.

المصادر:

  • الإنسوي 2002 :طبقات الشافعية، تحقيق كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية
  • أبو شامة المقدسي 2003:المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتابِ العزيز، تحقيق إرباهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية
  • عزة بنت هاشم 2014: الإمام أبو شامة المقدسي ومنهجه في كتابه إبرازُ المعاني، رسالة دكتوراه، كلية العلوم الإسلامية- ماليزيا.
الوسوم

Amina

آمنة شاهدي، من مواليد سنة 1996، مغربيةُ الجنسيةِ؛ كاتبة محتوى عربي وأجنبي، حاصلة على شهادتيّ البكالوليوس في الفلسفة، والماجستير في لسانيات النص وتحليل الخطاب، مهتمةٌ بالقضايا الفكريةِ والفلسفيةِ وكلّ ما يتعلق بالآدابِ والفنون، قديمها وحديثها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق