أعلام

أبو بكر الطرطوشي .. الفقيه المالكي الحافظ الزاهد

قال: إنَّ لله عباداً فُطُنَا طَلَّقُوا الدُّنْيَا وخافوا الفِتَنا

أبو بكر الطرطوشي :-

محمد بن الوليد بن محمد بن خلف بن سليمان بن أيوب، أبو بكر القرشي الفِهْري الأندلسي الطُرْطُوشي، عالم الإسكندرية، الفقيه المالكي الحافظ الزاهد، المعروف بـ “ابن أبي رندقة“، وُلِدَ أبو بكر الطرطوشي سنة 451هـ، والطُرْطُوشي نسبة إلى مدينة طُرْطُوشة الواقعة شرق الأندلس.

تحصيله للعلم ومكانته العلمية:-

صحب أبا الوليد الباجي بمدينة سَرقُسْطَةَ، وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه، وأجاز له، وقرأ الفرائض والحساب بوطنه، وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم بمدينة إشبيلية.

رحل الإمام الطرطوشي إلى المشرق سنة 476هـ، وحج ودخل بغداد والبصرة، وسمع بالبصرة «سنن أبي داود» من أبي علي التُّسْتَرِيِّ، وسمع بغداد من قاضيها أبي عبد الله الدامغاني، ورزق الله التميمي، وأبي عبد الله الحميدي، وغيرهم.

وتفقه على يد الفقيه الشافعي أبي بكر محمد بن أحمد الشاشي المعروف بالمستظهري، وعلى يد أبي أحمد الجُرْجَاني.

قال ياقوت الحموي عن الطرطوشي في “معجم الأدباء”: ” .. ودخل بغداد والبصرة، فتفقَّه عند أبي بكر الشاشي، وأبي سعيد بن المتولي، وأبي أحمد الجرجاني، أئمة الشافعية، ولقيَ القَّاضي أبا عبد الله الدامغاني.. وسمع ببغداد من أبي محمد التميمي الحنبلي وغيرهم”.

قال عن نفسه: “لم أرحل من الأندلس حتى تفقهت ولزمت الباجي مدة، فلما وصلت إلى بغداد دخلت المدرسة العادلية فسمعت المدرس يقول: مسألة إذا تعارض أصل وظاهر فأيها يحكم؟ فما علمت ما يقول ولا دريت إلى ما يشير حتى فتح الله وبلغ بي ما بلغ”.

الميل نحو التصوُّف:-

وقال مال الطرطوشي إلى التصوُّف أثناء تواجده بالعراق وذلك بفعل تأثره بحشدٍ من العلماء الذين كانوا في بغداد.

فقد تطرَّق الطرطوشي في “سِرَاج الملوك” إلى حوارٍ وحديثٍ أجراه مع أحد علماء العراق، ما يشي بميله إلى التصوُّف وذلك من قبيل مناقشةِ موضوعات الحياة الدُّنيا وقيمتها مقارنة بالدَّار الآخِرة، فهِي زائلة، إذ يروي قائلاً:” وها أنا ذا أحكي لَكَ أمراً أصابني، طيشٌ عقلي وبلبل فكري، وقَطع نياط قلبي، فلا يزال حتَّى يواريني التُّراب، وذلك أني كُنْتُ يوماً بالعراق وأنا أشرب الماء، فقال ليَ صاحب لي، وكان لهُ عقل: ” يا فُلان: لعلَّ هذا الكُوز الذي تشربُ فيه الماء قد كان إنساناً يوماً من الدَّهر، فماتَ فصارَ تُراباً، فاتفقَ للفُخَّاري أن أخَذَ تُراب القَبرِ وضربهُ خَزَفَاً، وشَواهُ بالنَّار، فانْتَظَمَ كُوزاً كما تَرَى، وصَارَ آنيَةً يُمتهن ويُسخدَمُ بعدَ أن كانَ بَشَرَاً سَوِيَّا يأكُلُ ويشرَب، ويًنعَم ويلِذ ويطرب”.

ويُعلِّق الطرطوشي على ما قالهُ الرَجُلُ بعد تفكُّرهِ بفحواه:

“فإذا الذي قالهُ من الجَّائزات، فإنّ الإنسانَ إذا مَاتَ عَادَ تُرَاباً كَما كَان في النَّشأة الأولى، ثمَّ قد يَّتفِق أن يُحفُر لَحدهُ ويُعجَن بالماءِ تُرابه، فيُتَّخَذُ منهِ آنية، فتُمتهن في البيوت، أو لَبنة فتُبنى في الجِدار، وقد يجوزُ أن يُغرَس عند قبره شجرةً فيستحيل ترابُ الإنسان شجرةً وورقاً وثمرة، فتَرعى البهائمُ أوراقها، ويأكلُ الإنسان ثمرها، فينبتُ منها لحمه، ويُنشر منها عظمه، أو تأكلُ تلك الثمرة الحشرات والبهائم”.

ويزيد “وبينما كانَ يأكل؛ صَار مأكولاً ثم يعود في بطنِ الإنسان رجيعاً فيُقذَف في بيت الرِّحاضة، أو بعراً يُنبَذُ بالعراء، ويجوزُ إذا حفر قبره أن تسفى الرياح ترابه، فتتفرَّق أجزاؤه في بطون الأدوية والتلول والوهاد”.

الرحيل إلى الشَّام:-

وبعدما غادر العراق؛ زار الطرطوشي لبنان وفلسطين، وسكن بيت المقدس مدة ودرَّس بها.

رسم لمدينة بيت المقدس يعود إلى العام 1880 م
رسم لمدينة بيت المقدس يعود إلى العام 1880 م

والمؤكد أنه وصل إلى الشَّام وذلك بعد أن عزَّز حصيلته العلمية في بغداد والبصرة، وزاد عليها شيئاً كثيراً من الزُّهد والتواضُع.

وفي هذا الصَّدد؛ قال عنه ابن فرحون : ” وسَكَنَ الشَّام ودرَّس بها، ولازَم الانقباض والجماعة وبَعُدَ صيتهُ هناك، وأخَذَ عنه النَّاس هناك عِلماً كثيراً، وكانَ إماماً عالماً زاهِداً، ورِعاً دَيِّناً، متواضِعاً متقشِّفاً، مُتقللاً من الدُّنيا راضياً باليسير منها، وتقدَّم في الفقه مذهباً وخلافاً.. وكان له -رحمه الله تعالى- نفسٌ أبيَّة، قيل: إنَّه كان ببيتِ المقدس يطبخ في شقف، وكان مجانباً للسلطان، مُعرِضاَ عنه وعن أصحابه، شديداً عليهم مع مبالغتهم في بِرِّه”.

وهذا الأمر ذاته الذي يقول به ياقوت في ترجمته للطرطوشي الذي يبدو أنه أثار حِقد الحاسدين وذلك على الرغم من زُهده وابتعاده عن بلاط السلاطين، إذ يقول الحموي في هذا الصدد : “وكان له نفس أبيَّة، وكان ببيت المقدس يطبخ في شقف، وكان مجانباً للسلطان، استدعاه فلم يُجبه، وراموا الغض من حاله، فلم ينقصوه قُلامة ظفر”.

سبب زيارته لبيت المقدس:-

وقد أرادَ الطرطوشي أن يقصِد بيت المقدس قبل انتقاله إلى مصر، وذلك لرؤية حُجَّة الإسلام أبي حامد الغزالي، والذي لم يتسنَّ له رؤيته ببغداد، وذلك لأن أبا حامد تَرَكَ المدرسة النِّظامية في دار السَّلام – التي التقى الطرطوشي بعلمائها وأساتذتها وطُلابها-.

 وجاء ترْكُ الغزالي للعراق نحوَ بيت المقدس وذلك بعد أن خاضَ صراعاً مريراً وعنيفاً مع نفسه في سياق بحثه عن الحقيقة ورغبته في اعتزال النَّاس والتقرُّب إلى الله وهو الإمام الكبير الذي كان شاباً أتيحت له كل سبل الراحة والمكانة والتقدير والشُّهرة وكُلُها مظاهر لم تُلبِّ شغفه في بلوغ الحقيقة التي لم يعثر عليها في طروحات أصحاب الفقه والفلسفة وأهل الكلام.

الغزالي، حُجَّة الإسلام، وأُعجوبة الزَّمان

وبسبب اعتزاله النَّاس وتفرُّغه للعبادة وتهذيب النفس؛ فقد كان الغزالي في حالة نفسيةٍ جعلته يفضُّل الابتعاد عن النَّاس، وهو ما صعَّب من مهمة رؤيته من قِبَل الطرطوشي.

وفي هذا السياق؛ يقول الضبي في كتابه “بُغية الملتمس”: ” ثم انصَرَف (الطرطوشي) يريد مصر، وكان له غرضٌ في الاجتماع مع أبي حامد الغزالي، فجَعَلَ طريقه على بيت المقدس، فلمَّا تحقَّق أبو حامد أنَّه يؤمه؛ جادَ عنه، ووصل الحافظ أبو بكر فلم يجده”.

من الجدير ذكره أن الغزالي؛ عاد للمدرسة النظامية وذلك في سنة 484 هجرية، أي بعد حادثته من الطرطوشي بنحو أربع سنوات.

وبعد انتهاء فترة مُقام الطرطوشي في بيت المقدس؛ “فقصد جبل لبنان، وأقام هناك مُدَّةً وصحب به رجُلاً يُعرَف بعبد الله السايح من أولياء الله المنقطعين إلى الله تعالى”، بحسب ما قاله الضَّبي.

الإمام الطرطوشي في الإسكندرية:-

انتقل الإمام الطرطوشي بعد ذلك إلى الإسكندرية، وكان سبب إقامته بها ما شاهده من إقفار المساجد والمدارس من طلاب العلم والعلماء؛ بسبب ملاحقة العُبَيْدِيَّة لعلماء السنة، وتشريدهم، وقتلهم، وإيذائهم، فأقام بها إلى أن وافته المنية ينشر العلم، ويفقه الناس بأمور دينهم، ويُوثِّق صلتهم بكتاب الله وسنة رسوله، وكان يقول: “إن سألني الله تعالى عن المقام بالإسكندرية -لما كانت عليه في أيام العُبَيْدِيَّة من ترك إقامة الجمعة ومن غير ذلك من المنكرات التي كانت في أيامهم- أقول له: وجدت قوماً ضلالاً فكنت سبب هدايتهم”.

ويقول ابن فرحون في هذا السياق: ” وكان نزوله (أي الطرطوشي) بالإسكندرية بأثر قتل الأمير بها علماءها، فَوَجَدَ البلد عاطلاً عن العِلم، فأقام بها وبثَّ عِلماً جمَّاً”.

وقد تعاظمت أعداد طلابه ومريديه في الإسكندرية ممن تعلَّقوا بالإمام الطرطوشي، الشخصية الزاهِدة المتواضعة ذات العلم الجَمّ.

وفي هذا الصَّدد؛ قال عنه أحد تلاميذه، وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الجيبي الإسكندراني: ” كانَ صاحِب نُزهة مع طلبتهِ أكثرَ الأوقات، يخرُجُ معهُم إلى البستان فيقيمون الأيَّام المتوالية في فرحةٍ ومُذاكرة ومُداعبةٍ مِمَّا لا يقدح في حقِّ الطَّلبة، بل يدُلُّ على فضلهم وسلامة صدرهم، وخَرَجْنا معهُ في بعضِ المنزَهة؛ فكُنَّا ثلاثمائة وستين رجُلاً، لكَثرة الآخذين عنهُ المُحبينَ في صحبته وخِدمَتِه”.

ابن بطوطة يصف مآثر مدينة الإسكندرية
ابن بطوطة يصف مآثر مدينة الإسكندرية

وكان -رحمه الله- قد أوذي من الأفضل الوزير العبيدي، فأخرج من الإسكندرية، وألزم الاقامة بمصر، ومنع الناس من الاخذ عنه، وبقي على ذلك إلى أن قتل الأفضل، وولي مكانه المأمون بن البطائحي، فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً.

تلاميذ الإمام الطرطوشي:-

  • سند بن عنان بن إبراهيم بن حريز بن الحسين ابن خلف الأزدي، وقد كان فاضلاً من أهل النَّظَر، وقد جلس لإلقاء الدَّرس بعد إمامه نحو عقدين من الزمَن، إلى أن توفي سنة 541 هجرية، وُدفِن في الإسكندرية إلى جوار معلَّمه.
  • أبو الطَّاهر ، إسماعيل بن مكي بن إسماعيل ابن عيسى بن عوف الزهري، والذي اُعتُبِرَ شيخ المالكية في الإسكندرية طيلة القرن السادس الهجري، وصفه السيوطي بأنَّه “صدر الإسلام”.
  • أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي، والذي تعلَّم من الطرطوشي الفقه والحديث والتفسير في بيت المقدس وفي الإسكندرية، وسبق له الذَّهاب إلى بغداد للغرض نفسه، وحينما عزَمَ ابن العربي العودة إلى موطنه؛ حمَّله أستاذه الطرطوشي رسالةً إلى سلطان المغربي حينذاك، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، ضمَّنها مجموعة من النصائح من قبيل ضرورة التزامه بحدود الدين في أوامره ونواهيه، وأن يرعى الله في رعيته، وينصت إلى مظالمهم.
  • المهدي بن تومرت المصمودي، مؤسِّس دولة الموحِّدين بالمغرب، وهو الشخصية التي حرِصت على طلب العلم مسافراً إلى المدرسة النَّظامية ببغداد وأدى فريضة الحج وجاور بمكة زمنا، ثم قصد الإسكندرية راغباً في الاستفادة من الإمام الطرطوشي، وله مؤلفات منها “كنز العلوم”، و” كتاب أعز ما يطلب”.  

مكارم الإمام الطرطوشي:-

لقد كان إماماً عالماً، زاهداً ورعاً ديِّناً، متواضعاً متقشفاً متقللاً من الدنيا، راضياً منها باليسير، وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر أخرى؛ فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى، وكان أبو بكر الطرطوشي كثيراً ما ينشد:

كان أبو بكر الطرطوشي إماماً ورعاً زاهداً، وكان كثيراً ما ينشد هذه الأبيات: إنَّ لله عباداً فُطُنَا طَلَّقُوا الدُّنْيَا وخافوا الفِتَنا...

قال الضبي في الإمام الطرطوشي: “كان أوحد زمانه علماً وورعاً وزهداً لم يتشبث من الدنيا بشيء”.

ولما دخل الإمام الطرطوشي على الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، بسط مئزراً كان معه وجلس عليه، وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني، فوعظ الأفضل حتى بكى، أنشد:

يَا ذَا الَّذِي طَــاعَــتُــــهُ قُــرْبَــةٌ .. وَحَـقُّـــهُ مُفْتَرَضٌ وَاجِبُ

إِنَّ الَّذِي شُــرِّفْتَ مِــنْ أَجْلِـــهِ .. يَزْعُـــــمُ هَذَا أَنَّهُ كَـــاذِبُ

وأشار إلى النصراني، فأقام الأفضل النصراني من موضعه، وكان الأفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد، وكان يكرهه، فلما طال مقامه به ضجر وقال لخادمه: إلى متى نصبر؟ اجمع لي المباح، فجمع له فأكله ثلاثة أيام، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميته الساعة، فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل، وولي بعده المأمون بن البطائحي، فأكرم الشيخ إكراماً كثيراً، وصنف له كتاب «سراج الملوك».

الإمام أبو بكر الطرطوشي من الشخصيات المشهود لها بالعلم والورع والزهد
الإمام أبو بكر الطرطوشي من الشخصيات المشهود لها بالعلم والورع والزهد

شِعر العلّامة الطرطوشي:-

للعلّامة الطَرْطَوشي بعض الأشعار؛ منها قوله:

إِذَا كُنْـتَ فِــي حَـــاجَــةِ مُرْسِـــلًا .. وَأَنْــتَ بِإنجازِها مُغْـــرَمُ

فــــأرســـــلْ بأكــــمـــه خــــلابــــة .. بــه صممٌ أغطش أبكـم

ودعْ عنك كُـــلَّ رســـولٍ ســـوى .. رســـولٍ يُقالُ له الدِّرهم

مؤلفات الإمام الطرطوشي:-

  1. سراج الملوك.
  2. بر الوالدين.
  3. الفتن.
  4. الحوادث والبدع.
  5. مختصر تفسير الثعلبي.
  6. المجالس.

وفاته:-

توفي أبو بكر الطرطوشي في الإسكندرية، في ثلث الليل الأخير من ليلة السبت، 26 جمادى الأولى، سنة 520هـ،
وصلى عليه ولده محمد، ودُفِنَ في مقبرة وعلة قريباً من البرج الجديد قبلي الباب الأخضر.

مدينة الإسكندرية في العام 1900 م
مدينة الإسكندرية في العام 1900 م

المصادر:

  • الأعلام (7/132).
  • أبو بكر الطرطوشي، العالم الزَّاهِد الثائر، جمال الدين الشيَّال.
  • بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس (135/رقم 295).
  • سير أعلام النبلاء (19/490/رقم 285).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (6/102).
  • العبر في خبر من غبر (2/414).
  • وفيات الأعيان (4/262/رقم 605).
  • الصورة الرئيسية من الجزيرة نت.

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى