أعلام

الإمام أبو الحسن الماوردي .. البصير بالعربية وأقضى قضاة عصره

مالَ إلى مذهب الاعتزال، وكان ذا منزلة من ملوك بني بُوَيْه

اسمه ونشأته:-

علي بن محمد بن حَبِيْب، الإمام أبو الحسن الماوردي الشافعي، أقضى قضاة عصره، والْمَاوَرْدِيُّ نسبةً إلى بيع ماء الورد، وُلِدَ في البصرة سنة 364هـ.

أبو الحسن الماوردي ومكانته العلمية:-

كان إماماً في الفقه والأصول والتفسير، بصيراً بالعربية، ولي قضاء بلاد كثيرة، ثم جُعِلَ أقضى القضاة في أيام القائم بأمر الله العباسي.

تفقَّه على أبي القاسم الصَّيْمَرِيُّ بالبصرة، وعلى أبي حامد الإِسْفَرَايْنِيِّ ببغداد، وحدّث عن الحسن الجِيْلِيِّ، صاحب أبي خليفة الجُمَحِيِّ، وآخر من روى عنه أبو العِزِّ بنُ كَادِش.

كان يميل إلى مذهب الاعتزال، وكان ذا منزلة من ملوك بني بُوَيْه، يرسلونه في التوسطات بينهم وبين من يناوئهم، ويرتضون بوساطته، ويقنعون.

أقوال العلماء في الإمام الماوردي:-

قال الخطيب البغدادي: “كان ثقةً، من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدَّة في أصول الفقه وفروعه، وفي غير ذلك، وكان ثقةً، ولي قضاء بلدان شتى، ثم سكن بغداد”.

وقال ابن خَيْرُوْنَ: “كان رجلاً عظيمَ القدر، متقدماً عند السلطان، أحدَ الأئمة، له التصانيف الحِسان في كل فن من العلم”.

إخلاص الماوردي:-

قيل: إنه لم يُظهِر شيئاً من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلما دنت وفاته، قال لمن يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لم أظهرها لأني لم أجد نية خالصة، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النَّزْع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب، وألقها في دجلة، وإن بسطت يدي، فاعلم أنها قُبِلَتْ.

قال الرجل: فلما احتُضِرَ، وضعت يدي في يده، فبسطها، فأظهرت كتبه.

مهام الخليفة ومسؤولياته:-

تناول الإمام الماوردي في كتابه “لأحكام السُّلطانية” المهام الرئيسة المُناطة بالخليفة، وهي على النَّحو الآتي:

  • أولاً: حِفْظُ الدِّين على أُصُوله المُستقرَّة وما أجمَعَ عليه سَلَفُ الأُمَّة، فإنْ نَجَمَ مُبتَدِعٌ، أو زاغَ ذو شُبهةٍ عَنْهُ أوضَحَ لهُ الحُجَّة وبيَّنَ لهُ الصَّواب، وأخَذَهُ بما يلزَمُهُ مِن الحُقوقِ والحُدود، ليكونَ الدِّين مَحْروساً من خَلَلٍ، والأُمَّة ممنوعةً مِن زَلَلٍ.
  • الثاني: تنفيذُ الأحَكَامِ بيْنَ المُتشاجِرينَ وقَطْعُ الخَصام بينَ المُتنازِعينَ حَتَّى تَعُمَّ النَّصَفَةُ، فلا يتعدَّى ظالمٌ ولا يَضعُفُ مظلومٌ.
  • ثالثاً: حِماية البَيْضَة والذَّب عن الحَريمِ؛ ليتصرَّفَ النَّاسُ في المعايشِ، وينتشروا في الأسفارِ آمنين من تغريرٍ بنفسٍ أو مَالٍ.
  • رابعاً: إقامة الحُدودِ لتُصانَ محارمُ الله تعالى عن الانتهاكِ، وتُحفَظَ حُقوقُ عِبادهِ مِنْ إتلافٍ واستهلاكٍ.
  • خامساً: تحصينُ الثُّغُورِ بِالعِدَّةِ المَانِعةِ والقُوَّة الدَّافِعَة، حَتَّى لا تَظفَرَ الأعداءُ بِغِرَّةٍ ينتهكونَ فيهَا مُحرَّماً، أو يسفِكُونَ فيها لمُسْلِمً أو معاهِدٍ دمَاً.
  • سادساً: جِهادُ مَن عَانَدَ الإسلامَ بعْدَ الدَّعوةِ حتَّى يُسْلِمَ أو يَدْخُلَ في الذِّمَّة؛ ليُقامَ بحقِّ الله تعالى في إظهارهِ على الدِّين كُلِّه.
  • سابعاً: جبايةُ الصَّدَقاتِ والفيء على ما أوجَبَهُ الشَّرْعُ نصَّاً واجتهاداً من غيرِ خَوْفٍ ولا عسْفٍ.
  • ثامناً: تقدير العطايا وما يستحِقُّ في بيتِ المال من غَيْرِ سَرَفٍ ولا تقتيرٍ، ودَفْعُهُ في وقتٍ لا تقديمَ فيهِ ولا تأخيرَ.
  • تاسعاً: استكفاءُ الأُمناء وتقليدُ النُّصحَاءِ فيما يُفوَّضُ إليهم من الأعمالِ ويَكِلُهُ إليهم من الأموال؛ لتكونَ الأعمالُ بالكفاءةِ مضبوطةً والأموالُ بالأُمناءِ مَحفوظَةً.
  • عاشِراً: أن يُباشِرَ بنفسه مُشارفةَ الأُمور وتصفُّحَ الأحوالِ؛ لينهَضَ بسياسة الأُمَّةٍ، وحِراسةِ المِلَّة، ولا يُعوِّل على التفويض- تشاغُلاً بلذَّة أو عبادَة- فقد يخونُ الأمينُ ويَغُشُّ النَّاصِح.
تحدث عن شؤون الملك وولاية العهد.

الإمام أبو الحسن الماوردي واقتباسات من “الأحكام السلطانية” :-

  • الإمامة: موضوعة لخِلافة النبوَّة في حِراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا، وَعَقدَها لمن يقوم بها في الأُمَّة واجِبٌ بالإجماعِ وإن شَذَّ عنهُم الأصَمُّ، والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما: باختيار أهلِ العَقد والحَلِّ، والثاني: بِعَهْد الإمام مِنْ قبْل.
  • حُكم الخِلافة: فإذا ثبَتَ وُجوبُ الإمامة؛ ففَرْضُها على الكِفاية كالجِهَاد وطَلَب العِلم، فإذا قامَ بها مَن هُوَ من أهلِها؛ سَقَطَ فَرْضُها على الكِفاية.
  • في وجوب معرفة الأُمَّة لمن تولَّى أمرها: فإذا استقرت الخِلافةُ لمن تقلَّدَها إمَّا بعهدٍ أو اختيار، لَزِمَ كافَّةَ الأُمَّة أن يعرفوا إفضاء الخِلافة إلى مُستحقِهَا بصِفاتهِ، ولا يَلزَمُ أن يعرفُوه بعينهِ واسمِهِ، إلَّا أهلُ الاختيارِ الذينَ تقومُ بِهم الحُجَّة وببيعتهم تنعقد الخِلافة.
  • الوزراة على ضربين: وزَارة تفويضٍ ووزَارة تنفيذٍ، فأمَّا وزارةُ التفويض: فهوَ أن يستوزر الإمام من يُفوِّضُ إليه تَدبيرَ الأمورِ برأيهِ وإِمضاءَهَا على اجتهادهِ، ولَيْسَ يمتَنِعُ جَوَازُ هذهِ الوَزارة.

كتب الإمام الماوردي:-

  1. الأحكام السلطانية.
  2. الحاوي، في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح «مختصر المزني»، لم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحُّر والمعرفة التامة بالمذهب الشافعي.
  3. الإقناع، في الفقه الشافعي، وهو مختصر.
  4. أدب الدنيا والدين.
  5. تفسير القرآن الكريم.
  6. النكت والعيون.
  7. قانون الوزارة.
  8. درر السلوك في سياسة الملوك.
  9. نصيحة الملوك، في سياسة الحكومات.
  10. تسهيل النظر، في سياسة الحكومات.
  11. أعلام النبوة.
  12. معرفة الفضائل.
  13. الأمثال والحكم.

وفاته:-

توفي الإمام أبو الحسن الماوردي في بغداد، يوم الثلاثاء في شهر ربيع الأول سنة 450هـ.

المصادر:

  • الأعلام (4/327).
  • الأحكام السُّلطانية، تحقيق أحمد جاد.
  • سير أعلام النبلاء (18/64/رقم 29).
  • شذرات الذهب في أخبار من ذهب (5/218).
  • العبر في خبر من غبر (2/296).
  • معجم الأدباء (5/1955/رقم 822).
  • وفيات الأعيان (3/282/رقم 428).

شحادة بشير

شحادة بشير، من مواليد سنة 1980م، سوري الجنسية، حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الحديث النبوي الشريف وعلومه من كلية الشريعة في جامعة دمشق، ويعمل على إتمام درجة الماجستير. مهتم بالموضوعات الدينية والتاريخية واللغوية، ولديه خبرة جيدة بمجال برمجة سطح المكتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى