اختراعاتمعلومات تاريخية

كيف تطور علم الصيدلة في العالم الإسلامي ؟

اشتق لفظ الصيدلاني من السنسكريتية من الاسم الذي يطلق على بائع خشب الصندل

تمهيد:-

كيف تطور علم الصيدلة في العالم الإسلامي ؟ لا بد علينا أن نعرف أن العلماء المسلمين خاضوا مبكراً في الميدانين الطبي والصيدلي، وقد نهلوا من معين العلوم والتجارب التي استقوها من الأمم الحضارية الأخرى، ومن ترجمات المؤلفات اليونانية التي مكنتهم من وضع أقدامهم على الطريق المنهجي العلمي الصحيح، بعيداً عن الممارسات البدائية والسحرية التي كانت تميز تعامل العرب مع الأمراض وذلك في جزيرتهم التي غادرها كثير منهم برفقة الفتوحات الخارجية.

وقد تميز هؤلاء العلماء بعدم أغفالهم لأفضال الأمم الأخرى في تطور الطب في العالم العربي الإسلامي، بيد أنهم كذلك أقدموا على نقد كثير من أعمال أعلام الطب اليوناني، وأثبتوا عدم دقتها، وقاموا بالبناء عليها، بل وابتكروا علاجات ووصفات طبية دقيقة لم يعهدها الأغريق، لتستفيد البشرية لاحقاً من هذه المنجزات.

يمكن ملاحظة قوارير وزجاجات الدواء في هذه المخطوطة العثمانية عن السوق الإسلامي والدواء والصيدلية

نهج:-

“المحترف بجمع الأدوية على أحمد صورها واختيار الأجود من أنواعها، مفردة ومركبة على أفضل التراكيب التي خلَّدها مبرزو أهل الطب، وهذه هي أولى مراتب صناعة الطب” ما سبق بمثابة تعريف لعلم الصيدلة من قِبَل العالم الموسوعي البيروني (توفي سنة 1048 م)، وما زال استخدام هذا التعريف ممكناً حتى يومنا هذا.

في الغرب وفي الشرق الأوسط أيضاً؛ كان الطب في صورته الأولى دمجاً لممارسات اليونانيين والهنود والفرس والرومان التي تطورت مع مرور الزمن، و كانت النصوص الطبية شائعة ولكن معظمها كانت قوائم بسيطة عن النباتات والمعادن وتأثيراتها المختلفة.

ومع بداية القرن السابع الميلادي؛ أخذت أوروبا و معظم بلاد الشرق الأدنى في الانحدار الثقافي، وأصبحت الإنجازات التي تحققت في الفنون الهيلنستية والعلوم والإنسانيات مهددة بالإنقراض.

بحلول منتصف القرن المذكور؛ جلب انتشار الإسلام معه ظمأً للمعرفة، وأدت الرغبة في الاستكشاف إلى الحفاظ على معظم ما فقده العالم القديم ، بل ونشره أيضاً.

حصل الجانب الصحي على القدر الأكبر من البحث والدراسة والسبب في ذلك اتباع الأطباء للأحاديث الشريفة ، ومنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم :” تداووا ، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء” ، وقال أيضاً “إن الله لم ينزل داءً إلى وضع له دواء علمه من علمه وجهله من جهله” ، وهكذا وضَعت هذه الكلمات الشريفة مسؤولية اكتشاف العلاج على عاتق ممارسي المجال الطبي.

صورة لصيدلية أوروبية قديمة من كتاب تقويم الصحة لابن بطلان ، وهذه الصورة من ترجمة لاتينية تعود للقرن الرابع عشر .

تحول:-

بعد قرن من وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وذلك في عام 632 م؛ ظهر أول نظام منهجي للدواء في دمشق في بلاط الحكم الأموي.

في ذلك الوقت كانت لدغات الثعابين والكلاب، وكذلك الأمراض التي تسببها العقارب والعناكب وباقي الحيوانات من مسببات القلق، ولذلك تم استغلال الخصائص السامة للمعادن والنباتات مثل الأقونيطن واللفاح والخربق الأسود.

وكما هو الحال مع معظم المجالات الطبية في ذلك الوقت؛ فقد كان الأطباء اليونانيون من أمثال جالينوس و ديسقوريدوس يمثلون المراجع القديمة غير القابلة للنقد والنقض، وبناء على أعمالهم قام الكتاب المسلمون بمناقشتها مع تركيز اهتمامهم حول السموم والترياق.

كان الموت المفاجئ من الأمور الشائعة في البلاط الملكي وكان يُعزى دائماً إلى السُّم، ولذلك لم يكن مفاجئاً أن يصبح الخوف من السموم هو الدافع بالنسبة للحكام الأمويين لدراستها وتحديدها وعلاجها. ونتيجة لذلك، فقد كان علم الصيدلة في العالم الإسلامي في بدايته مرتبط بالكيميائيين الذين يعملون في حقل علم السموم.

كان أول هؤلاء العلماء ابن أثال وهو مسيحي عمل كطبيب للخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان ، كما كان كيميائياً بارزاً أجرى دراسة منهجية حول السموم والترياق، ويُقال: إنه قاتلُ معاوية، ففي في عام 667 م تم تسميم الأخير في عملية انتقام من قِبل أقارب أحد ضحاياه المزعومين.

هناك أيضاً مسيحي آخر وهو الطبيب الصيدلي أبو الحكم الدمشقي الذي عمل في خدمة الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية.

توسع المسلمون في العلوم الصيدلية وذلك بعد اطلاعهم على علوم الإغريق وأطباء جنديسابور والحيرة

اهتم خالد بن يزيد بن معاوية بشكل خاص بالكيمياء وقام بتوظيف الفلاسفة الإغريق الذين كانوا يعيشون في الإسكندرية، وأجزل لهم العطاء في مقابل قيامهم بترجمة الكتب اليونانية والمصرية في الكيمياء والطب والفلك إلى العربية.

كان جابر بن حيان من بين المعاصرين لخالد بن يزيد وهو العالم الذي طور علم الكيمياء وأرسى الأسس الأولى لبحوث الكيمياء والكيمياء الحيوية.

برهن أولئك الكيميائيون المسلمون الأوائل على شدة انتباههم للتفاصيل، و استمراريتهم في إجراء التجارب وتدوين الملاحظات الدقيقة حول النتائج.

فقد قاموا بتصميم تجاربهم لجمع المعلومات والإجابة عن أسئلة محددة ، ومن ذلك نشأ مفهوم “علماء الكيمياء”.

عمل العلماء المسلمون على تجنب الخرافات، وقاموا بتطبيق الإجراءات والقياسات والتجارب المثبتة التي يمكن اختبارها وتكرارها ، ومثّل ذلك البدء الحقيقي للمنهج العلمي.

المنهجية:-

بحلول القرن التاسع الميلادي؛ كانت المعلومات والنهج المتبع في الكتيبات العربية الكيميائية من أفضل ما يكون في هذا المجال، وقد أفادت المنهجية الدقيقة التي طورها الكيميائيون جميع المجالات بما في ذلك الصيدلة.

استُخدمت معادن ومواد كيميائية مهمة أثناء عملية اختبار صنع التركيبات والإكسيرات، ومن بين هذه المواد والمعادن: ملح النشادر، الزاج (أملاح الكبريتات)، الكبريت، الزرنيخ، ملح الطعام، الجير الحي، المالاكيت، المنجنيز، المرقشيت، النطرون، بورات الصوديوم، والخل.

ومن بين النباتات الطبية؛ استخدم المسلمون الشمر والزعفران، وقشور الرمان، والكرفس، والكراث، والسمسم والجرجير والزيتون ، والخردل، والأشنة. كما استخدموا أيضاً اللبان والأكاسيا وكذلك المنتجات الحيوانية بما في ذلك الشعر والدم وبياض البيض ، والحليب الطازج والرائب والعسل والروث.

تكونت المعدات المعملية من الأواني، والأحواض، و الأنابيب، و الأنابيب المعوجة، والأنابيق، والبواتق ومختلف أجهزة التقطير، و الأطباق ، والجرار الخزفية، والأقداح، والهاونات والمدقات (التي كانت تُصنع غالباً من الزجاج أو المعادن)، وكذلك الحوامل الثلاثية ، والقوارير والزجاجات الطبية. كانت العمليات الخميائية مشابهة للعمليات التي تُجرى في الوقت الحاضر مثل : التقطير، والتسامي، والتبخر، والسحق، والغسل، والترشيح، والتكلس ، والتكثيف (زيادة كثافة المركبات السائلة).

الترجمات:-

بينما بدأت ترجمة الكتب العلمية الفارسية واليونانية والهندية إلى العربية في عهد الخلافة الأموية، إلا أن ازدهارها جاء في ظل الخلافة العباسية في بغداد.

علم الصيدلة في العالم الإسلامي استفاد من الترجمات – مقدمة كتاب حنين بن إسحاق في العين – مكتبة قطر الرقمية

كان حُنين بن اسحاق أعظم المترجمين لمعرفته باللغات السريانية واليونانية والعربية، وتضمنت أعماله ترجمات لكتب أبقراط وجالينوس.

مهد هذا الأثر الثقافي المدعم من قبل الحكومة الطريق لما يزيد عن 400 عاماً من الإنجازات، حيث بلغ استخلاص وتحضير الأدوية حد الكمال وأصبحت هذه التقنيات عمليات أساسية في مجالي الصيدلة والكيمياء.

اشتق لفظ الصيدلاني من اللغة السنسكريتية من الاسم الذي يطلق على بائع خشب الصندل.

وكان الصيادلة يقدمون الأدوية الجديدة المستخلصة من خشب الصندل ، والكافور ، والمسك ، والمر، والكاسيا، وتمر الهند ، وجوز الطيب، والقرنفل، وجوز الهند، والكبابة، والعنبر والزئبق، وغير ذلك الكثير.

وكذلك قاموا باستخدام القنب والبنج الأسود في التخدير، وقاموا بتصنيع المواد المخدرة على شكل مراهم وحبوب وإكسيرات، وصبغات ، وتحاميل، ومستنشقات.

وكما يحدث في أوروبا والولايات المتحدة في العصور الحديثة؛ فقد قام العديد من الأطباء في الأراضي الإسلامية بتحضير بعض الأدوية من المرضى أنفسهم.

وفقاً للمؤرخ العلمي إي جي هولميارد؛ فقد عمل جابر بن حيان – الذي وُلِد في أوائل القرن الثامن الميلادي – على النصوص اليونانية القديمة والخيمياء المعروفة في عصره “وفتح الأبواب التي لم يسبقه أحد لفتحها” ممهداً الطريق للكيمياء العلمية ثم لأسس الكيمياء الحديثة المعتمدة على التجارب التي يمكن التحكم فيها وتكرارها.

علم الصيدلة في العالم الإسلامي استفاد من مساهمات الكيميائيين الكبار

الصيدليات الخاصة:-

مع بداية القرن التاسع، شهدت بغداد طفرة سريعة في بناء الصيدليات الخاصة، وسرعان ما انتشرت في باقي المدن الإسلامية.

في البداية لم تكن هذه الصيدليات تخضع لإدارة أشخاص ذوي الكفاءة اللازمة، ولكن  الأمر تغير مع تدريب طلاب الصيدلة على مزيج من التمارين في فصول الدراسة إلى جانب التجارب اليومية مع الأدوية، ثم إصدار مرسوم من قبل الخليفة المعتصم والخليفة المأمون يشترط على الصيادلة أن يجتازوا اختباراً ويحصلوا على شهادة مرخصة تؤهلهم لصرف الدواء وفقاً لتعليمات الأطباء.

ولتجنب تضارب المصالح ، مُنع الأطباء من امتلاك الصيدليات الخاصة أو المشاركة في امتلاكها، وكانت الصيدليات والمتاجر التابعة لها تخضع لإشراف دوري من قبل المُحتسب وهو مفتش حكومي كان يتحقق من أن الأدوية مخلوطة بشكل صحيح ، وغير مخففة، ومحفوظة في قوارير نظيفة، وكان المخالفون يتعرضون للغرامة أو العقاب.

معامل لتصنيع الأدوية:-

طورت المستشفيات مستوصفات خاصة بها ملحقة بمعامل تصنيع الدواء، وتكونت الإدارة من ثلاثة أفراد وهم : مدير غير طبي، وطبيب يمثل عميد الصيدلية، وشيخ صيدلاني وهو كبير الصيادلة الذي يشرف على المستوصف.

في هذا الوقت تطورت المواد الخاصة بالصيدلة، ففي البداية بُنيت على كتاب ديوسقوريدس في الأدوية المفردة الذي يحتوي على حوالي 500 مادة ، ثم على الطبيب النسطوري يوحنا بن ماساويه الذي قام بكتابة أطروحة مبكرة عن النباتات الطبية والمواد العطرية.

كان أبو الحسن علي بن ربن الطبري هو من قال أنه يجب التوفيق بين الجرعة العلاجية من الدواء مع درجة المرض وحث الأطباء على عدم وصف الدواء بصورة روتينية.

وكذلك حدد أفضل مصادر مكونات الأدوية، على سبيل المثال، أفضل هليلج كابلي يأتي من كابول، والصبر من سقطرى، والتوابل العطرية من الهند.

علي بن ربن الطبري صاحب مكانة كبيرة

كذلك أوصى باستخدام القوارير الزجاجية أو الخزفية لحفظ الأدوية السائلة، والقوارير الصغيرة المخصصة لقطرات العين، و الأوعية الرصاصية للمواد الدهنية. ولعلاج الجروح المتقرحة وصف مرهما ً مصنوعاً من علكة شجر العرعر والدهن والزبدة، وحذر من أن مثقال واحد من الأفيون أو البنج الأسود يُسبب النعاس وقد يسبب الوفاة.

وُضِعت أول قائمة معروفة للأدوية في منتصف القرن التاسع بواسطة الأقرباذين سابور بن سهل لكل من الصيدليات الخاصة وصيدليات المستشفيات.

تضمن الكتاب الوصفات الطبية ، وتقنيات تركيب الدواء، والأثر الدوائي، والجرعات، وطرق التناول. رُتبت القوائم على أساس شكل الدواء من أقراص ومساحيق ومراهم و معاجين و أشربة، واتبعت القوائم اللاحقة نفس النموذج في الترتيب. 

بشكل عام قُسمت الأدوية إلى مفردات ومركبات، وتُعد الموسوعة التي كتبها ابن البيطار – وُلِد في ملقا بالأندلس في نهاية القرن الثاني عشر – والتي قدمت دليلاً مرتباً ترتيباً أبجدياً يحتوي ما يزيد على 1400 مفرد مأخوذ من ملاحظات ابن البيطار بالإضافة إلى إشارات إلى 150 كتاباً عربياً.

تعرف أكثر على يوحنا بن ماسويه .. الطبيب النسطوري الأمين للخلفاء العباسيين

علم الصيدلة في العالم الإسلامي .. خلاصة:-

واليوم يظهر تأثير هذا الإرث الإسلامي في كل وصفة دواء كُتبت، وكل ترخيص مُنح لصيدلية، وكل دواء أو إكسير أو شراب ابتُكِر. وإذا كان ما فعله الكيميائيون والأطباء المسلمين في وقتهم يبدو لنا معتاداً الآن فذلك لأن واقع اليوم هو اكتشاف الأمس.

هنري مويسان (1852 – 1907) كيميائي فرنسي يعمل على الفلور في معمله في باريس، وتمكن من عزله عام 1883. لاحقاً عمل على إنتاج الأحجار الكريمة الصناعية وخاصة الألماس.

المصادر:-

https://images.metmuseum.org/CRDImages/is/original/sf57-51-21a.jpg

Maha

مها عبيد من مواليد العام 1987 م ، حاصلة على درجة البكالوريوس في العلوم، شعبة ميكروبيولوجي، وأعمل على إتمام دراسة الماجستير، مهتمة بالترجمة والتاريخ واللغات، وشغوفة بتعلم الأشياء الجديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى