اختراعاتمعلومات تاريخية

كيف ساهم الإسلام في إطلاق شرارة العلم؟

كل شيء بدأ من بغداد، هذه المدينة التي تراها تغطُّ في حزن عميق اليوم

تمهيد:-

يتجاوز مفهوم الإسلام لعبارات التوحيد والإيمان الصادق، فلطالما كانَ هو المعلِّم الأول الذي أرشدَ المسلمين إلى تسنُّم قمة الحضارة في العالم خلال العصور الوسطى، فكيف تم ذلك؟.

 كل شيء بدأ من بغداد، هذه المدينة التي تراها اليوم تغطُّ في حزن عميق؛ لقد كانت في السابق شعلة للثقافة والدين والعلوم، فهي مهدُ كلِ العلوم التي نرى حصيلتها اليوم.

في الواقع إن كل علماء الرياضيات خصوصاً ومن تولى وضع أسس العلوم الحديثة الني نتعامل معها اليوم، هم من المسلمين أوممن احتضنتهم هذه الحضارة.

عراقيون يعبرون بين ضفتي نهر دجلة الذي يشطر مدينة بغداد (مطلع القرن العشرين)

بغداد منارة العلم:-

 وفي أعقاب ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي وبعد اشتداد عوده؛ أخذ في الخروج من إطار جغرافيا الجزيرة العربية، وصولاً إلى أجزاءٍ من أوروبا الغربية.

وبعد المدينة المنورة ودمشق؛ أصبحت بغداد، هذه المدينة الواقعة على نهر دجلة والمتربعة على ضفتيه؛ عاصمة للإمبراطورية الإسلامية مترامية الأطراف.

وفي الوقت ذاته؛ كانت بغداد ملتقىً لحضارات الغرب والشرق، إذ بزغ نجمها العلمي بعد مرور فترة من تأسيسها على يد العباسيين، وهو الأمر الذي عززه حالة من الأجواء السياسية المستقرة نسبياً والحاضنة والداعمة لجهود البحث في الرياضيات وسائر العلوم.

فمع بزوغ شمس القرن التاسع للميلاد؛ بدأ الخلفاء العباسيون في دعم مناهج البحث والنمو العلمي والثقافي في أرجاء الإمبراطورية انطلاقا من دار السلام بغداد.

فقد دعموا تأسيس مكتبة بيت الحكمة في بغداد، والتي كانت بمثابة أكاديمية فريدة للعلوم، بالتزامن مع إيفادهم للبعثات العلمية الخارجية الهادفة إلى جمع ما أمكن من المخطوطات العلمية والفلسفية اليونانية والسنسكريتية، وفي الوقت ذاته، جرى البحث عن أشخاص ذوي قدرة على فهم تلك المخطوطات وترجمتها للعربية.

وخلاصة لكل هذه الترجمات؛ اغتنت دار الحكمة بمجموعة واسعة من الدراسات الرياضية المنحدرة أساساً من المخطوطات الهندية واليونانية، وهذا الأمر مهَّد الطريق أمام حقبة علمية جديدة استمرت لأكثر من خمسة قرون.

إقليدس:-

ومن أوائل الكتب والمخطوطات التي تم ترجمتها؛ هو نصٌ في كلاسيكيات الهندسة لإقليدس.

وبالفعل، فقد تم قطف ثمرة هذا التوجه، إذ اعتمد العلماء المسلمون على النهج اليوناني في الرياضيات ، كما شرعوا في مراجعة النظريات الإغريقية بدقة أكبر، وعملوا على إثباتها وفقاً لأسلوب إقليدس.

وبشكلٍ مشابهٍ لتعاملهم مع الرياضيات اليونانية التي تم الوصول إليها عبر ترجمتها من عدة لغات؛ فقد تمكن العلماء المسلمون من الوصول إلى أساسيات الرياضيات وما بلغته الحضارات المختلفة التي انضوت تحت جناح إمبراطوريتهم الإسلامية العظيمة.

لم ينكر المسلمون استفادتهم من إقليدس

الخوارزمي:-

ومن أشهر العلماء المسلمين الذين بحثوا في الرياضيات وأكثرهم تميزاً وتأثيراً في القرن التاسع الميلادي؛ هو أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي، الفلكي الخاص بالخليفة المأمون في بغداد.

دونَّ الخوارزمي (781-847 م) العديد من الكتب الرياضية الملهمة، وقد ساهم أسلوبه في كتابة الأرقام والحساب باستعماله للنظام العشري لخانة الرقم المكانية؛ في تعميم هذه الطريقة الحسابية على المستوى العالمي لفترة تمتد إلى ستة قرون.

أشهر كتبه على الإطلاق هو “المختصر في حساب الجبر والمقابلة”، والذي حُفِظ لدى المسلمين لنحو ثلاثة قرون قبل أن يصل إلى أوروبا عبر بوابة الترجمة.

بعد ترجمته إلى اللاتينية؛ أصبح الكتاب المذكور؛ المصدر الأول لأبحاث العلماء الأوروبيين التي أشعلت فتيل النهضة الأوروبية والتي أسست أيضاً لبناء نظام تعليمي حديث.. واليوم يجري تعليم نظام الأرقام (الهندي – العربي) الذي طوره الخوارزمي إلى مختلف تلاميذ العالم.

والفريد أنه في كل التراجم التي نُقِلت عمله؛ تلاحظ افتتاحية الكتاب بكلمة “هكذا قال الخوارزمي” وهي بالتحديد السبب في إطلاق المصطلح الخوارزمية على العمليات الحسابية من هذا النوع والتي نعرفها اليوم في عالم الحوسبة.

الخوارزمية التي نتحدث عنها اليوم هي اشتقاق واضح لاسم الخوارزمي والتي تطلق على آخر المجلدات والمخطوطات التي تركها في كتاب “الجبر والمقابلة”.

علم الجبر:-

في مضمونه؛ يعتبر “الجبر والمقابلة” كتاباً يتحدث عن الجبر بالأساس، حيث يبدأ فيه بمناقشة المعادلات التربيعية لينتقل منها إلى شرح المعادلات الخطية البسيطة وينتهي بالحديث عن كيفية تطبيق الرياضيات العملية في حلول إشكاليات الميراث مهما كان نوعها.

 وبالفعل؛ لقد ترجم الإنجليزي الشهير روبرت تشستر كتاب الخوارزمي من اللغة العربية إلى اللاتينية سنة 1145 م، ليكون لهذه المخطوطة المترجمة؛ أثرٌ بالغ على الحسابات الغربية حتى أن كلمة “الجبر” في عنوان الكتاب هي نفسها التي تنطق اليوم بالإنجليزية الجبرا “algebra”.

 ويمكن أن نقول ببساطة إن الخوارزمي أحدث تغييراً واسعاً في شكل الرياضيات، ليُصبح الجبر في العالم العربي والإسلامي فرعاً متفرداً وهاماً من هذا العلم.

لقد كان علماء الرياضيات المسلمون عموماً والجبر خصوصاً على قدرة عالية في التعامل والتلاعب بكثيرات الحدود وإيجاد الحلول الصحيحة لها مع وضع القواعد لكل الحالات الخاصة، من المرجح القول بأن التعامل من الرموز يحتاج إلى الفهم والتعرف على دلالة كل منها.

جُمل لغوية:-

لكن العلماء المسلمين لم يتعاملوا مع الرمز فقط؛ بل كانت معادلاتهم عبارة عن جمل لغوية يصوغون عبرها المعادلة ويحلونها بالكلمات كل شيء بالكلمات حتى رموز الجمع والطرح.

ولا بد من القول: بأن الرياضيات التي تطورت في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى؛ جاءت متزامنة مع  العصور المظلمة في أوروبا.

لكن وبعد ذلك، وتحديداً خلال القرن العاشر وما تلاه ؛ نشطت  حركة الترجمة الأوروبية من العربية ، ما مهَّد  للنهضة العلمية خلال القرن السابع عشر.

 ولكن الخوارزميات لم تقتصر على علم الرياضيات بل تطورت لتدخل في كل العلوم البرمجية ..

انتقال شعلة المعرفة للغرب:-

ولا بد من أن ننصف العلماء المسلمين ونعزو إليهم الفضل في التطور العلمي ونهضة الغرب، فلولا تلك الإنجازات التي قدموها منذ القرن التاسع وحتى نهايات القرن الرابع عشر؛ لم يكن من المؤكد  الإشارة إلى وصول أوروبا إلى نهضتها العلمية ، كما أننا سنشكك في احتمالية وصول الولايات المتحدة لدورها القيادي العالمي.

ولكن الآن؛ لا بد من أن نفصل الإسلام عن كل التشويه الذي أحاط به منذ أحداث 11 سبتمبر أيلول 2001  وأحاديث المستشرقين التي شوهت إلى حدٍّ ما صورته، فالإسلام دائماً ومنذ وجوده يحضُّ على التفكر والتأمل مع العمل الجاد لحياة أفضل تقوم على العدل والعلم.

المصدر:-

الوسوم

Batoul

بتول حسين، خريجة جامعة دمشق، كلية العلوم- قسم الفيزياء، حاصلة على درجة الماجستير في الوقاية الاشعاعية. أعمل كمعلمة فيزياء وأقوم بالترجمة وكتابة المحتوى، كهواية وفي سبيل التعلّم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق